لماذا قبل بعض الشيوعيين العراقيين التناقض والهزيمة الفكرية ليعيشوا في الغرب ؟!!
---
انخرط الكثير من ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري المسيحي في العراق وكذلك بقية المكونات القومية والدينية العراقية الاخرى في تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي ومنذ تأسسه في 31 - 3 - 1934 اي قبل 84 سنة من الان وجميعهم يحلمون (بوطن حر وشعب سعيد) هذا الشعار الذي لايضاهي جماله الا جماله لكن مع الاسف وضع للزينة والحفظ على الرفوف فقط من دون اي ترجمة على الارض وخاض هذا الحزب كفاحا سياسيا ومسلحا منذ التأسيس وقدم شهداء قربانا على طريق عقيدته ومبادئه وتعرض الى سلسلة من التصفيات الجسدية والفكرية والتنظيمية والاضطهاد والتنكيل والاعتقال والملاحقة والاعدامات والموت على يد كل انظمة الحكم المتعاقبة على العراق لغاية 2003 وتعرض الحزب ايضا الى سلسلة من الانشقاقات والانقسامات الخطيرة فكريا وتنظيميا
1 - نبذة عن ما تعرض له هذا الحزب منذ التأسيس :
------
تم اعتقال اغلب مؤسسيه وقادته وكوادره واعضائه في العهد الملكي وزج بهم في السجون واعدم مؤسسه (فهد وحازم وصارم) واغلب قادته سنة 1949 وبعد ثورة 1958 لم يمضي فترة عليها حتى دارت ظهرها عليهم وزجت قسم كبير منهم في السجون والمعتقلات وبعد انقلاب شباط الاسود الدامي للبعث في 8 شباط 1963 تعرض الحزب الى تصفية دموية بشعة حيث ثم تصفية واذابة اغلب قادته وكوادره واعضائه في احواض التيزاب (حامض النتريك المركز) وفي عام 1966 حصل فيه انشقاق فكري وتنظيمي كبير قاده عزيز الحاج
بعد انقلاب تموز 1968 اضطهد الحزب فكريا وتنظيميا بشكل تعسفي غير مسبوق وتم تصفية الكثير من قادته وكوادره اضطر الحزب الدخول في جبهة مع البعث عام 1973 كانت اهم اخطائه حيث كشفت اوراقه وخطوطه التنظيمية بدقة لاجهزة الامن الفاشية وتم اختراقه امنيا وتنظيميا وخلال عام 1977 - 1979 تعرض الى ابشع حملة للتصفية والاعتقال كانت بمثابة رصاصة الرحمة الاخيرة التي اطلقت على هيكل الجبهة المشلول اصلا وبعدها التحق اغلب قادة وكوادر وقواعد الحزب الى جبال كردستان لخوض الكفاح المسلح ضد نظام صدام بالانخراط في صفوف ثوار الانصار او الهجرة خارج العراق
وبعدها حصلت الحرب العراقية الايرانية 1980 - 1988 ومارافقها من تداعيات ثم غزا صدام الكويت 1990-1991 ومارافقها من حرب مدمرة وحصار اقتصادي بشع لغاية سقوط الصنم في 2003 هذه صورة مختصرة عن اغلب الاحداث المهمة والرئيسية والمفصلية التي رافقت مسيرة الحزب المذكور وكانت له تأثير كبير على الحياة الداخلية للحزب والحياة الفكرية والشخصية لاعضائه وبسبب هذه التعقيدات والتحديات والحروب هاجر ولجأ الكثير منهم الى خارج العراق
2 - الصراع الفكري لاغلب قادته وكوادره واعضائه :
------------------------
الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية سابقا كانت الملاذ الامن والحاضنة الدافئة لقادة وكوادر الاحزاب الشيوعية في العالم ومنهم الحزب الشيوعي العراقي فكان الكثير من القادة والكوادر والقواعد والمؤيدين لهذه الاحزاب ينهلون فكريا وعلميا وتنظيميا في مدارسهم الحزبية والاكاديمية يلتحقون بها للدراسة والتطوبر والدورات هذا من جهة ومن جهة اخرى للهروب من الاعتقال والموت والاضطهاد والبطش في اوطانهم لكن تجربة هذه الدول في التطبيق الاشتراكي على الارض فشلت بسبب الفساد والبيروقراطية والتعسف والجمود العقائدي وغيرها لسنا بصددها الان حيث انهار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية مثل انهيار مستطيلات الدومينو الواحدة تلوى الاخرى هذا قد احرج كافة الشيوعين في العالم ومنهم الشيوعيين العراقيين ومنهم ابناء شعبنا المنتمين له واصدقائهم فكريا ونفسيا وتنظيميا اضافة لتعرضهم الى مضايقات مختلفة من السلطات الجديدة والمجتمع الساخط والغاضب على الشيوعية
مما اضطر الكثير من الموجودين في (الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية) وفي اوطانهم ومنها العراق التفكير باللجوء الى الغرب الرأسمالي وبدأ صراع فكري ونفسي وشخصي وتاريخي حول صحة وصواب النظرية الماركسية - اللينينية فكريا وسياسيا واقتصاديا ومدى ملائمتها للحياة وهل الخلل في النظرية ام في التطبيق ؟ وامتنع الكثير من الشيوعيين اللجوء والهجرة الى الغرب لقناعتهم بان ذلك هزيمة فكرية وشخصية لايمانهم بان الزمن الردئ الذي تسيد فيه الحثالات والسفالات على المواقع المهمة في الحياة المليئة بالحفر والمطبات مؤقت وان عثرات الزمن الكثيرة واسقاطاتها لن تعرقل المسيرة والايمان والانتماء الفكري والعقائدي
3 - التثقيف الحزبي في حتمية فشل النظام الرأسمالي :
---
في التربية الثقافية والحزبية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي لاعضائه وكوادره ومؤيديه كانت التوعية بأتجاه عيوب ومثالب واخطاء وسلبيات ونواقص النظام الرأسمالي العالمي تلقن لهم والقول ان هذا النظام لا مستقبل له لانه يستغل الانسان ويسلبه انسانيته ويسرقه قوته في فائض القيمة ويفتقر الى الديمقراطية والشفافية وضعف التوزيع الاشتراكي للثروة القومية بعدالة ومساواة الى الشعب وغيرها من السلبيات وان البديل هو النظام الاشتراكي العلمي وان النظام الراسمالي سوف يتطور ويتحول الى نظام اشتراكي مستقبلا وفق مفهوم النظرية الماركسية التي بموجبها يضمحل ويتحلل تدريجيا ويتطور الى مراحل اللبنة الاولى للبناء الاشتراكي
4 - اما الموت او الاعتقال او قبول التناقض :
-----
في ظل هذه الثقافة والتربية والفكر تعلم ونهل الشيوعيين العراقيين الكثير خلال عملهم السياسي والفكري والتنظيمي وهم فرحون ومقتنعون ومؤمنون لذلك فأن قرار لجؤ بعض منهم الى الغرب الرأسمالي هو نوع من التناقض والازدواجية الفكرية في النظرية والتطبيق حيث اصيب اغلبهم بخواء وقلق فكري وعقائدي ونفسي وشخصي واصبحوا مثل تماثيل صماء فقدت كل مشاعر واحاسيس الثورية والوطنية والاممية والقومية والانسانية من هول الصدمة والازمة حيث تحولت الى مشاعر المرارة وغيظ متراكم ومكبوت وسخط تجاه فكرهم وحزبهم وتجربة دول المنظومة الاشتراكية ونظريتهم الماركسية اللينينية
وتجاهل او انسى اغلب الشيوعيون العراقيون وليس جميعهم الذين لجأوا الى الغرب الرأسمالي فكرهم ونضالهم مضطرين او مقتنعين واضعين رؤوسهم في الرمال بالتقهقر والانهزام الفكري والتنظيمي والعقائدي وانخرط الكثير منهم في الاحزاب الدينية والقومية العراقية ومنهم بعض ابناء شعبنا الذين انخرطوا في التنظيمات القومية لشعبنا وابوا الخنوع والخضوع والاستسلام لقوي الظلام وانظمة الصفيح الساخن والتيزاب والارهاب والقهر في اوطانهم حيث كانوا امام خيارين لا ثالث احلاهما مرا علقما اما (الموت الزؤام والاعتقال في الوطن) او (القبول والعيش في النظام الرأسمالي وقبول التناقض والازدواجية) واستمر اغلبهم بالمحافظة على مكارم الاخلاق والكرامة والكبرياء والعزة والرفعة والتواضع والسمو والثقافة وجذورهم مغروسة في وطنهم العراق ناضلوا حتى في المهجر من اجل العراق وشعبه المظلوم لحين سقوط النظام في 2003 فما اصعب اضطرار الانسان لتغير بعض مبادئه وعقيدته لتسير الحياة
وفي نفس الوقت شعر بعض الشيوعيون بالنقص والاحباط وفقدان الهيبة وانحناء الرأس امام الاعداء والاصدقاء بسبب هذا التناقض والازدواجية الفكرية والتداخل وقسم منهم تمرض وتمرد على هذا الواقع وانزوى بعيدا ليموت بطيئا بكرامة وكبرياء وسط بقايا عقيدته الفكرية وانسجاما معها التي يشمخ بها وابى الهجرة الى الغرب الرأسمالي في محاولة للتمسك بالمبادىء والتاريخ والتضحيات
5 - الازمة الاقتصادية للنظام الرأسمالي وحديث الشيوعيين عن صحة نظريتهم :
-----
بعد ان ضربت الازمة الاقتصادية والمالية النظام الرأسمالي في بداية القرن الواحد والعشرون لاسباب ذاتية وموضوعية لسنا بصددها الان تنفس الشيوعيون العراقيين الصعداء وحيث بدأ الحديث عن صحة وصواب النظرية الماركسية اللينينية وقوانينها الاقتصادية والفلسفية واستنتاجاتها وفشل النظام الرأسمالي لتمني النفس واعادة التوازن الى نفسيتهم المتعبة بسبب الارهاصات والتناقضات الفكرية التي افرزتها تجارب حزبهم والاحزاب الشيوعية الاخرى وفشل تجارب البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية
6 - الفشل في الممارسات الانتخابية في بغداد والاقليم بعد 2003
-----
بعد سقوط الصنم عام 2003 تسلل الى واقع المجتمع العراقي افكار ومفاهيم غريبة ومتطرفة دينيا وسلالات دينية مذهبية عبر مسالك الجهل والتخلف والتضليل والخداع وفشل التجارب الاشتراكية لتدمير الثقافة الوطنية والعلمية وتغيب مبدء المواطنة والمساواة والعلم والمعرفة لمعاداة الفكر الاشتراكي العلمي والانساني خدمة لاهدافها الضيقة مما اثخنى جراح وعزلة ومعاناة الشيوعيون في الوطن واستمر اغلبهم بنضالهم رغم غدر الزمان وهم يحملون قناديل الخير والمحبة والسلام والامل لشعبنا العراقي بكل فسيفسائه المنوع ويشاهدون يوميا على الارض انحسار دور ومكانة حزبهم جماهيريا وتنظيميا واهدافه واحلامه تتقهقر امام انظارهم بسبب الظروف الذاتية والمحلية والاقليمية والدولية لسنا بصددها الان
اغلب الشيوعيون في جوهرهم واعماقهم كانوا ولايزالوا يحملون ويحلمون بشفاء الاجزاء المريضة والمتداعية من حزبهم الا ان الحزب استمر في اخفاقاته حتى بعد 2003 خاصة في كافة الممارسات الانتخابية الديمقراطية في بغداد والاقليم ومهما يقال عن مبررات لاسباب الفشل لكنها غير مقنعة ومقبولة هذه المؤشرات تكفي لتوضيح جذورالحقيقة لكي لا تبقى محبوسة في قفص الزمن الذي تضيق بداخله الحقائق والوقائع لان الزمن كفيل بكشفها تباعا خاصة ان اغلب الشيوعيين العراقيين عنيدون لايساومون ولايخشون احد ويحبون الحياة حالمين بوطن حر وشعب سعيد وسماع الحان حزبهم وفكرهم
انطوان الصنا
antwanprince@yahoo.com