بغداد تبكي أهلها ألأصائل ويبكوها ، بعد أن جلّهم هجروها !

المحرر موضوع: بغداد تبكي أهلها ألأصائل ويبكوها ، بعد أن جلّهم هجروها !  (زيارة 143 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل طعمة ألسعدي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 57
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بغداد تبكي أهلها ألأصائل ويبكوها ، بعد أن جلّهم هجروها !
طعمة ألسعدي
www.t-alsaadi.co.uk

تركت ألكتابة منذ ما يقارب ألعام بعد أن عجزت من مسؤولين لا يقرأون ، وإن قرأوا لا يفهمون ، ومن ناس ما برعوا بشيء بقدر براعتهم بخلط ألأوراق وتبرير ألفساد وإيجاد ذرائع ومبررات له ، وآخرون إرهابيون تخجل وحوش ألغاب من أفعالهم ألهمجية ألبربرية .
وما دعاني للكتابة هذا أليوم مطالبة أخ كريم بغدادي من ذوي ألأصل وألنبل وألشهامة ، أحسن أباه بتسميته أسامة ، يذكرني حين أراه بأولئك ألبغداديين ألذين عرفتم عن قرب ، ودرت ألدنيا شرقا" وغربا" ولم أجد لهم مثيلا". نعم أنا عتيق أعود إلى زمن ألأصالة ، لا إلى زمن ألعبعبة حيث تسلل إلى مناصب ألدولة ألعليا بعض من لا يصلح إلا لكنس ألزبالة.
أكتب يا صديقي ، وألوم ولا أقول أعتب على قوم إستقدموا داعش فنشروا في قراهم ، هم ، أسفل خلق ألله وإقترفوا أسوأ ألأعمال وألفواحش وإنتهكوا ألأعراض وأبادو ألحرث وألنسل . لعن الله من آوى ومن أوى ، ومن مهّد وعبّد ، ومن إحتلّ أجزاء" من بلدي ألحبيب ، بغدر بعض أبناء هذا ألبلد وعدونا أللذوذ ألحاقد  ألغريب.
وتحياتي وإجلالي لأبطال ألحشد ألشعبي ، وقواتنا ألمسلحة من أبطال ألداخلية والدفاع ألذين يخوضون أشرف حرب ضد أحط ما خلق ألله على ألأرض .
كان لابد لهذه ألمقدمة ألتي يفرضها واقع بلدنا ألحبيب حاليا ، لأعود إلى ما وددت كتابته في هذه ألمقالة ألتي أحاول فيها ألمقارنة بين واقعنا أليوم ، وكيف كنا بالأمس ألقريب (في عمر ألزمن ) لعل من يأخذ ألعبرة ، وإن قل المعتبرون في هذا ألزمن ألرديء.
***
لا أظن أن مدينة هجرها أهلها طوعيا" ، وقسريا" وعبر عقود إمتدت منذ إنقلاب 8 شباط ألبعثي ألأسود عام 1963 إلى يومنا هذا كمدينة بغداد ألتي أصبح فيها ألبغدادي نادرا" ، وحلت فيها قيم البداوة وألريف وألتخلف.
كان أهل بغداد ومناطقها ألمختلفة وحاراتها يعيشون بتناغم وتآخي وتضامن ، يعين غنيهم فقيرهم ، ولا يحسد فقيرهم غنيهم ، فالأرزاق على ألله. وكانت لهم قيم جيرة ومبادئء أخلاقية راقية ، يحترم صغيرهم كبيرهم ، ويعطف كبيرهم على صغيرهم ، ويتنادون لعون من يحتاج ألعون بتآخي وتكافل إجتماعي رائع . وكان للمعلم مكانة أبوية بين طلابه وإحترام فائق من أهاليهم ، كما أنّ ألأهل يوصون أبناءهم بمعاملة ألمعلم وكأنه أب لهم ، فكان هذا ألرجل محبوبا" مطاعا" يؤدي مهامه بإخلاص ووطنية. وكان مما يتعلمه ألطالب قبل كل شيء حب ألوطن وألإخلاص له دون أن يعرف أنّ هنالك مناطق (مهمشة ، أو غير مهمشة ، رغم أنّ ألتهميش كان عظيما") ، ولم نعرف وقتئذ طالبا" شيعيا" وآخر سنيّا"، نبدأ دوامنا بالإسطفاف كالجنود إنضباطا" ويقوم المعلمون يتفتيش نظافة ألملابس وألأجسام ويكرم ألنظيف ألأنيق ويوبخ ألوسخ ألشعث ، ثم نقرأ أناشيد وطنية حماسية ترتج له ألحيطان ،  لا دخل فيها للسياسة وتتكرس لحب الوطن وألإخلاص للملك، رمز الدولة ، وألمملكة ، ذلك ألملك ألملاك ألمحبوب ألذي كنت أراه بعيني أحيانا" يقود سيارته في شوارع بغداد بلا حرس (ولا طاط ولا طيط ألتي أتانا بها أهل الخرابيط ).
من سوء حظ هذا ألشعب أن تنامت بين أفراده تنظيمات سرية ثورية جلبت له ألخراب وألدمار ، خراب ألأوطان وألأنفس ، وخراب ألوطن يمكن إعماره ، لكن خراب ألنفوس سلاح تدمير شامل لا صلاح بعده إلا بعد أجيال . فلا تتوقعوا أن مصائبكم ستنتهي ما لم تغيروا ما بأنفسكم ، وإبدأوا أليوم وليس غدا" ، وكل يبدأ بنفسه وأهل بيته ، والصغار أملنا لا ألكبار ألذين فسدوا وشرعنوا ألباطل ، وسفك ألدماء ، وألفساد وأللصوصية.
كان ألبغدادي راض بما قسم ألله له ، وكان قتل إنسان ترتج لهوله أعنان ألسماء . قنع ألحاكم وألمحكوم فساد السلام وألوئام . ولم يثري حاكم من سرقات ألمال ألعام أو ألخاص قط ، ولم يعبعب أمين أو غير أمين. فلم يخش أحدهم ألآخر. وإني لأعجب من حكومات تحاسب على مخالفة سير سيارات ، وهذا صحيح ، لكنها لا تسأل موظفا" لصا من أين لك هذه ألقصور وألعمارات وألسارات وألطائرات. بلد إختلط فيه ألعجيب بالأعجب ، وألغريب بالأغرب ، وعزل فيه ألصحيح ألسليم ، وسوّد فيه ألسقيم ألأجرب، ولله في خلقه شؤون ، وعلينا تحمل ألمصائب وألشجون.
 ألصورة ألتالية تبين مدى طيبة ألحاكم والمحكوم في أربعينات ألقرن ألماضي ، وكيف لم يكن يخشى أحدهما ألآخر:
ذهب نوري ألسعيد (ألذي سماه ألثوريون ظلما" طاغية العراق ، من بيته في ألشاكرية ، قرب مبنى وزارة ألدفاع ألحالية في ألمنطقة (ألزرقاء) ، إلى بيت توفيق ألسويدي في ألصالحية (ألكريمات في صوب ألكرخ) مشيا" على ألأقدام ، وهو رئيس وزراء ،  أو وزير داخلية في وزارات عديدة ، فإستقبله توفيق ألسويدي إستقبالا" أخويا" ، فقال ألباشا*:
أريد أروح ألبيت ألإستربادي بالبلم (ألزورق) وما لكيت بلاّم يعبرني.
فقال توفيق : دنيا ألمغرب يا باشا وكلهم راحوا لأهلهم ، بس هاااا ... تذكّرت ، أكو واحد  إسمه دعبول يتأخر ، لأنه يسكر ويستحي يشرب ببيتهم كدام أمه وأبوه ، فيذهب إلى ألبيت متأخرا"، خل نروحله هنا بالمسناية (جرف ألنهر ، دجلة ، مو الفرات).
ذهب ألشخصان أللذان كانا من أكابر ألقوم إلى ألمسناية ، فوجدا دعبول ( ألمعبرجي ) جالسا" في زورقه ( يقندل ) ويحلم بعيشة أفضل ، وستر ، وإمرأة أصيلة بنت أصايل تسعده وتربي له أولادا" ، ربما يصبح أحدهم موظفا" مرموقا" ، ومثل كل بنات ذلك ألزمن ألجميل ألمؤدبات تساعد أمه في إمور ألبيت ، وتبر  بوالديه ليرتاحا جزاء ما بذلاه في تنشأته وتربيته. قطع سلسلة أفكاره صوت توفيق ألسويدي قائلا":
دعبول ، تكدر تعبرنه ألذاك ألصوب ؟
تفضل أغاتي ، أجاب دعبول .
صعد ألباشوان كلاهما إلى زورق دعبول وجلسا على مقاعده ألمدشمة ، ألمغلفة لجعلها مقاعد مريحة.
أخذ ألباشا يداعب دعبول وهو يجذف ، وكرر مناداته بإسم حجي ، فإلتفت إليه دعبول قائلا" : إنت مدتشوف ألعرك (ألعرق) كدامي ، عمي هاي ﭽﻟﻤة (كلمة) حجي ﭽﻟﻤة ﭽبيرة ، آني مو حجي .
لعد ليش ما عزمتنه ؟ أجاب ألباشا.
عبالي متشربون.
ألباشا لا نشرب بمقدار كشتبان ( أداة تستعملها سيداتنا ألفاضلات قديما" لحماية أناملهن من وخز ألأبر).
فقدم له عرقا" وشرب رشفة" منه ، وأكل باقلاء (مزّة) مع ألبلام. (يا عمي : هاي ولا إرهاب وخراب)
لا حظ ألباشا أنّ عيني دعبول تدمعان كثيرا" ، فقال له :
إشبيهه عيونك ؟
وألله مريض ، ما أدري شبيهه.
فأعطاه ألباشا كارت فيه إسمه ورقم هاتفه (كانت أرقام الهاتف تتكون من ثلاثة أرقام فقط في ذلك ألوقت) ، وقال له : تعال باﭽﺮ وآني أدبر لك علاج.
فرح دعبول ، وسأل ألباشا: إنت دكتور ؟ وين عيادتك ؟
لا آني نوري ألسعيد ، أجاب ألباشا .
إنتفض دعبول وقال : (إبن أل .......... ) شربتلك مصة صرت نوري سعيد ، لو شربتلك ربعية ﭽان صرت الملك !
لم يغضب ألباشا ، حلما" ، وقال له تعال وإنت تعرف.
أوصل دعبول ألباشا وتوفيق إلى شريعة ألرصافة ألمقابلة للكريمات ، وبات ليلته مفكرا" ومسائلا" نفسه : كيف شتمت ألباشا ولم يحبسني ؟
 نهض في أليوم التالي باكرا" و لبس ملابسه ألخاصة بالمناسبات ألمكونة من ( ألدشداشة وألصاية وأﻟﭽاكيت وأﻟﭽراوية ، وحذاء وجواريب ) لا تلبس إلا بالمناسبات ،  وذهب إلى ألقشلة (دار ألحكومة) ، وأخبر ألشرطي أنه جاء لمقابلة ألباشا !! فأجرى ألباشا أللازم من إتصالات وأرسله إلى طبيب في (ألخستخانة ، مكونة من كلمتي هاستا هانه ألتركيتين وتعنيان مركز المرضى ) وقال له مداعبا" قبل أن يخرج :
ها هسة صدكت آني نوري ألسعيد ؟
أعتذر منّك باشا ، آني جنت سكران .
هكذا كنا ، أمِن ألحاكم وألمحكوم ، وهكذا أصبحنا ، خاف ألظالم وقسى المظلوم ، وملأ بغداد شياطين متعطشة للدماء والأشلاء ، وكلما ساءت اخلاق ألحكام (منذ بداية ألإنقلابات) ساءت اخلاق الناس وقلّت قيمة حياة ألبشر ، حتى صارت أبخس من ألتراب ،  فالناس على دين ملوكهم .

وا حسرتاه على أيام ألقيم الجميلة ، وسمو ألأخلاق والشهامة،  والغيد أللاتي يتمخترن في شوارعنا وجامعاتنا و يجعلن من شوارع بغداد وحياتنا عطرة معطرة ، بهيجة بهية . وليس لدينا ألآن إلّا جواب ليت .... فهل هنالك أمل ؟
                                                                طعمة ألسعدي 08 آذار 2015

* (لقب نوري سعيد –باشا-  ، وكان يعطى لمن برتبة لواء في ألجيش في أيام حكم ألعثمانيين ألبغيضة ألتي لم تخلف لنا غير الجهل والظلام ، وعليه لدينا باشوات بعدد ألحصى حاليا").