من ذاكرة التاريخ: صدام يزيح البكر ويستولي على السلطة


المحرر موضوع: من ذاكرة التاريخ: صدام يزيح البكر ويستولي على السلطة  (زيارة 865 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حامد الحمداني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 621
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من ذاكرة التاريخ:
صدام يزيح البكر ويستولي على السلطة
حامد الحمداني                                                          30/4/2015

منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968  [عبد الرزاق النايف ] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم ، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر للانقلاب البعثي في 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة، مانحاً نفسه أعلى رتبة عسكرية في الجيش[ مهيب ركن].

أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه !!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية، والتي كان في مقدمتها:

1 ـ إفشال المصالحة بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ميثاق العمل القومي الذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.

2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدءوا يتطلعون إلى تصدير ونشر مفاهيم الثورة الإسلامية في الدول المجاورة مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين في حرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى فيما بعد .
3 ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، والإسلامية في البلاد على حد سواء والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.

و لما كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، وجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته.

 ولم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فلقد تحدث أحد أقرباء وزير الدفاع العراقي السابق حماد شهاب، الذي قتل خلال محاولة ناظم كزار الانقلابية، وكان هذا الشخص موظفاً في القصر الجمهوري، عن زيارة قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر، وشوهد الموفد الأمريكي يخرج بعد الاجتماع متجهم الوجه وقد بدا عليه عدم الارتياح ، ثم أنتقل إلى مكتب صدام حسين، وأجرى معه محادثات أخرى، خرج بعدها وعلائم السرور بادية على وجهه وقد علته ابتسامة عريضة. لقد بقي ما دار في الاجتماعين سراً من الأسرار، إلا أن التكهنات والأحاديث التي كانت تدور حول الاجتماعين تشير إلى أن النقاش دار حول نقطتين أساسيتين :

النقطة الأولى : كانت حول تطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل، حيث كانت قد جرت في أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979 محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية،على أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين، فقد كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [ كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين ] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.
وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس العراقي أحمد حسن البكر  في بغداد ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة برئيس واحد وحكومة واحدة وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 978 ، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد ، يترأسها رئيسا البلدين ، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

 النقطه الثانية:  كانت حول الأوضاع في إيران بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وقيل أن الموفد الأمريكي سعى لتحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري قبل أن يقوى النظام الإسلامي ويشتد عوده.

 غيرأن البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي لسببين:
1ـ الاتفاق الذي تم بين القيادتين السورية والعراقية لتوحيد الحزبين والبلدين برئاسة البكر نفسه.
2ـ أن البكر رجل عسكري كان يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي وتدمير لاقتصاد البلاد.

 لذلك فقد خرج الموفد الأمريكي من مكتب البكر وقد بدا على وجهه عدم الارتياح، على عكس اللقاء مع صدام حسين والذي خرج بعد لقائه مسروراً. وقيل أن صدام حسين قد أبدى كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر بقوة السلاح من قبل صدام حسين وأعوانه على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.

أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع، وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة، فقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى  التعذيب النفسي والجسدي ضدهم.
لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.
صدام يخرب العلاقة مع سوريا:
لم تمضِ سوى  أيام معدودة على تولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق حتى ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين هزة عنيفة، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة بينهما.
 ففي 28 كانون الأول 1979 جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها.
وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.
أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، فقسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، والقسم الآخر وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم  وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام عبر الإذاعة والتلفزيون أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم .

 لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح، ودون إرادة القيادة القطرية.

وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ ] و[ميشيل عفلق ] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأ وا إلى العراق بأعداد كبيرة بعد فشل حركتهم ضد حكم البعث في مدينة حماه عام 982 والتي قمعها النظام بكل شراسة ووحشية مستخدماً الدبابات والمدفعية والطائرات.

لم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد تاركة القوات السورية لوحدها هناك، وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى العماد ميشيل عون الذي عُين رئيساً للوزراء مختلف أنواع الأسلحة والقوات العسكرية عندما  دخل عون في صراع مسلح مع الجيش السوري. وهكذا أصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ ميشيل عون ] على أيدي القوات السورية، وانتهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً.
 وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام  هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات لم يسبق لها مثيل وأدت إلى انهيار الوضع الاقتصادي وإغراق العراق بالديون.