المحرر موضوع: حول الاتفاق النووي الإيراني  (زيارة 612 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبدالخالق حسين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 407
    • مشاهدة الملف الشخصي
حول الاتفاق النووي الإيراني

د.عبدالخالق حسين

وأخيراً، وبعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات المضنية، توصل الطرفان، الإيراني برئاسة وزير الخارجية محمد جواد ظريف، والدول الكبرى الست، برئاسة وزير خارجية أمريكا جون كيري، إلى إبرام الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني بما يرضي جميع الأطراف المتفاوضة. و يتضمن الاتفاق موافقة الإيرانيين على خفض برنامجهم النووي، والتقليل من أجهزة الطرد المركزي، وإخراجها من الخدمة لعشر سنوات قادمة، والحد من مخزونهم من اليورانيوم المخصب، و السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المنشآت النووية الإيرانية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وتحويل المبالغ التي احتجزتها بنوك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حتى الآن..(1)

لا شك إن هذا الاتفاق يشكل خطوة مهمة كبرى لاستقرار المنطقة، والمستفيد الثاني منه بعد إيران هو العراق، وبدون أن يكون هناك أي متضرر منه بما فيه الجهات التي أعلنت معارضتها الضارية للاتفاق، مثل إسرائيل، والسعودية، والمحافظون الجدد في أمريكا. فمعارضة هؤلاء هو مفتعل لخدمة أغراض شريرة، منها إبقاء التوتر في منطقة الشرق الأوسط، خدمة لمصانع وشركات ولوبيات الأسلحة في الغرب، وذلك بتخويف الدول الخليجية الغنية من البعبع الإيراني لحملها على شراء الأسلحة. فاليمين المتطرف مثل بنجامين نتنياهو، وحكام السعودية، والمحافظون الجدد في أمريكا يعيشون فقط على التوتر وتخويف الناس من إيران وبرنامجها النووي الذي يصر الإيرانيون أنه لأغراض سلمية فقط.

لذلك وصف نتنياهو في خطاب ألقاه يوم الثلاثاء، الاتفاق بأنه سيئ ، و (بالخطأ التاريخي)، وأنه لاسترضاء إيران، وأن هذا الاتفاق سيرفع الحصار الاقتصادي عن إيران ويمكنها من امتلاك السلاح النووي في المستقبل! كما و وصف إيران عدة مرات بـ"أنها أخطر من داعش"، وادعى أن "الهدف الحقيقي النهائي" لايران هو "السيطرة على العالم.". فهل حقاً يصدقه أحد، وهل هو يصدق نفسه في هذا الكلام؟
كما و يدل الاتفاق على صبر وحكمة المتفاوضين من جميع الأطراف، وخاصة إيران وأمريكا، حيث استمرت المفاوضات نحو عشرة أعوام تكللت أخيراً بالنجاح، ولقي التأييد من قبل 99% من العالم على حد تقدير الرئيس أوباما. كذلك يدل على أن الرئيس أوباما وهو في السنة الأخيرة من رئاسته، لم يعد ليهتم بعد بمعارضة أهم حلفائه في المنطقة، إسرائيل والسعودية، وأنه فعلاً يريد إخراج أمريكا من حروب ومشاكل المنطقة، إذ قال في هذا الصدد في خطابه يوم الأربعاء أمام أعضاء الكونجرس، والمواطنين في الولايات المتحدة، أن الاتفاق التاريخي المبرم هو أفضل وسيلة لتجنب سباق تسلح ومزيد من الحروب في الشرق الأوسط.

كما ويرى معلقون غربيون، أن ما يقلق المعارضين للاتفاق هو ليس خوفهم من امتلاك إيران للسلاح النووي كما يدعون، بل خوفهم من عودة إيران إلى بناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي، وخاصة مع أمريكا، وبالأخص العلاقات التجارية، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إمكانيات إيران البشرية، وثرواتها الطبيعية التي تؤهلها لاستعادة مكانتها بين العالم.

كذلك أظهر ترحيب الشعب الإيراني عن مدى فرحته بالاتفاقية بسبب معاناته من الحصار، ورغبته في التخلص من العزلة عن العالم، وخاصة العالم الغربي، وعودته إلى الحياة الطبيعية بعد عقود من ترديد شعار (الموت لأمريكا)، الذي اعتاش عليه اليمين المتطرف في إيران. فمنذ مجيء الرئيس روحاني، المعتدل، اختفت هذه الهتافات والشعارات من الشارع الإيراني. ولم تعد إيران من "محور الشر" في نظر أمريكا. وبالتأكيد فإن استقرار إيران سيمهد الطريق للتحول السلمي نحو النظام الديمقراطي التعددي، واستقرار المنطقة.

أما العائلة المالكة السعودية فلها غرض آخر من معارضتها للاتفاقية، وفي هذا الخصوص يقول الكاتب الأمريكي (Fred Kaplan): ".. أن الملك سلمان يرى الشرق الأوسط برمته من منظور الحرب الباردة العربية الكبرى بين السنة [بقيادة السعودية]، والشيعة بقيادة ايران، وأن جميع الحركات الشيعية، مثل الحوثيين في اليمن، هم وكلاء إيران. انها لعبة محصلتها صفر: فالدبلوماسية الأميركية مع إيران وفق هذا المنظور، ترقى إلى خيانة أمريكا للسعودية." ويضيف: "فما يريده نتنياهو والملك سلمان من أوباما هو أن يشن الحرب على إيران نيابة عنهما. وهذا هو سبب معارضتهم بضراوة للدبلوماسية الأميركية مع إيران، لأنه كلما استمر التواصل مع قادة إيران، قل احتمال الحرب معها. لذلك يرى نتنياهو وسلمان الحرب أفضل من الدبلوماسية".(2)

وغني عن القول أن السلاح الوحيد لدى العائلة السعودية لإبقاء هيمنتها الجائرة على الشعب السعودي الذي غالبيته من السنة، هو النفخ في الطنبور الطائفي، ودق طبول الحرب الطائفية ضد الشيعة، وإثارة مخاوف العرب السنة من البعبع الشيعي وإيران الشيعية!! لذلك شنت السعودية الحرب الظالمة على الشعب اليمني بحجة أن الحوثيين هو وكلاء إيران، في الوقت الذي اعترف مسؤولون أمريكيون بخرافة هذا الادعاء.
ويبدو أن أمريكا سأمت من حماية الأنظمة العربية السنية، التي راح المسؤولون الغربيون وعلى رأسهم الرئيس أوباما، يصفونهم بصفتهم الطائفية، بأن أمريكا لا يمكن أن تستمر في حمايتهم إلى ما لا نهاية وهم يضطهدون شعوبهم. وفي هذا الخصوص قال أوباما في مقابلة أجراها معه الصحفي الأمريكي المشهور توماس فريدمان: "إن أكبر خطر يتهدد عرب الخليج ليس التعرض لهجوم من إيران وإنما السخط داخل بلادهم، سخط الشبان الغاضبين العاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم." و أن بإمكان أمريكا حماية الحكومات العربية السنية من إيران أو أي عدوان خارجي عليها، ولكنها لا تستطيع أن تحميها من شعوبها إلى ما لا نهاية. فالحماية الوحيدة لهذه الحكومات تأتي من خلال تشكيل حكومات شاملة (Inclusive governments).(3)
والجدير بالذكر، أن السعودية وقطر ودول خليجية أخرى، صرفت مليارات الدولارات على دعم تنظيمات الإرهاب مثل عصابات داعش وجبهة النصرة، وقبلهما القاعدة وغيرها، في العراق وسوريا لمحاربة حكومتي البلدين بذريعة عدم مشاركة هاتين الحكومتين السنة في السلطة، وهو كذب، في الوقت الذي تضطهد هذه الحكومات (ألخليجية) الشيعة من شعوبها، وتعاملهم حتى دون مستوى البشر.

ولذلك يرى الكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الانديبندت اللندية، في تعليقه على الاتفاق النووي الإيراني: أن "إيران الآن ستعود إلى الدور الذي كان الشاه يضطلع به، ستصبح شرطي الخليج".
وأضاف "وداعاً إذنْ لنفوذ المسلمين السنة الذين ارتكب أبناؤهم جريمة ضد الإنسانية في 9/11، وأنجبوا أسامة بن لادن الذي تحالف مع طالبان، والأمراء الذين يدعمون داعش".(المصدر السابق-1)

وأخيراً، يعتبر هذا الاتفاق انتصاراً للعراق أيضاً، فالعراق هو حليف إيران وأمريكا المتخاصمتين، وليس بإمكانه محاربة الإرهاب بدونهما. وأية علاقة مع إيران كانت تثير غضب أمريكا وتلكئها في دعم الحكومة الاتحادية بالسلاح. وأية علاقة مع أمريكا تثير غضب إيران. وهكذا كان العراق (بين حانة ومانة) كما يقول المثل العراقي. لذلك فبعودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران وأمريكا خير عميم للعراق، وهزيمة للإرهاب و الحكومات العربية السنية التي تدعمه، وتساعد على إطفاء الشحن الطائفي، وتأكيداً لمصداقية الموقف العراقي إبان رئاسة السيد نوري المالكي للحكومة، حيث اختلف مع الرئيس أوباما حول إسقاط حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، لأن المالكي رأى أن البديل عن الأسد هو حكومة مؤلفة من داعش وجبهة النصرة. هذه الحقيقة اقتنعت بها الحكومات الغربية مؤخراً عندما وصل إرهاب داعش والنصرة إلى بلدانهم. فهاهي أمريكا وبريطانيا توجهان الضربات الجوية إلى داعش في العراق، وداعش وجبهة النصرة في سورياً لدعم حكومة الأسد. وسبحان مغير الأحوال. إذ لا يصح إلا الصحيح.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- الإندبندنت: أمريكا تصطف مع إيران، على حساب إسرائيل (BBC)
http://www.bbc.com/arabic/inthepress/2015/07/150714_in_the_press_on_wednesday

2 - Fred Kaplan: Why Israel, Saudi Arabia, and Neocons Hate the Iran Deal
http://www.slate.com/articles/news_and_politics/war_stories/2015/07/the_real_reason_israel_saudi_arabia_and_neocons_hate_the_iran_deal_they.html

3- أوباما لعرب الخليج: السخط داخل بلادكم أخطر عليكم من إيران
http://arabic.rt.com/news/779268-