نوافذ روحية حالمة وشفافة تشعل جذوة العمر واقمار الفصول قراءة في مجموعة الشاعر جبو بهنام


المحرر موضوع: نوافذ روحية حالمة وشفافة تشعل جذوة العمر واقمار الفصول قراءة في مجموعة الشاعر جبو بهنام  (زيارة 1243 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


نوافذ روحية حالمة وشفافة تشعل جذوة العمر وأقمار الفصول
قراءة نقدية في المجموعة الشعرية (الأقمار تغتسل في المغيب) للشاعر جبو بهنام


د بهنام عطاالله

بدأ الشاعر جبو بهنام بابا مشواره الشعري في وقت مبكر.نشر اغلب نصوصه في الصحف العراقية وبعض الصحف العربية، تعامل مع قصيدة النثر على أساس قراءه محمولاته الأدبية المتراكمة، أما التكوينات الجمالية للقصيدة عنده فتأتي من خلال زوايا متعددة، لعل أهمهما فتح نوافذ روحية حالمة وشفافة تشعل جذوة العمر وأقمار الفصول وأحلام الحكايات. اصدر عام 2004 مجموعة شعرية بعنوان (الأقمار تغتسل في المغيب) ثم تبعه بمجموعة أخرى عام 2006 بعنوان (لؤلؤة الله).
قال عنه الكاتب والقاص الرائد أنور عبد العزيز إن نصوصه تتسم بالعذوبة والصدق، خاصة تلك القصائد الذاتية المغرقة والمفعمة بترانيم الروح. فمن السهولة التأكد على هيمنة الطابع الروحي على مجمل قصائده، وهذا ظاهر أيضاً في عناوين نصوصه مثل: أبجدية التكوين، مزمور الغربة، نشيد مريم، مزمور الريح، فضلاً عن اكتناز واحتفال غالبية قصائده بكلمات وجمل موحية بدلالاتها الدينية، مما أضفى على قصائده نكهة روحية عذبة هدفها تحقيق سلام للنفس والروح، إذ يقول في (نشيد مريم):

(أي الطرق فيها الخلاص
أي السماوات في جانبيها الصدى
وأي القلوب تكوينها الكلمة
الجرح تراب العافية
والدموع تهز رحام الأرض
تصغي إلى مثاقب النور
فيصير النافل
وميض الأقمار ودهشة الرؤى)
تحيلنا نصوص الشاعر إلى تصورات متباينة في إدراك المعنى الجمالي، والتي برزت من خلال حضارة وادي الرافدين ومؤثراتها الثقافية والاجتماعية الشاخصة في نصوص اغلب شعراء العراق، والتي استخدمها الشاعر لمتطلبات الصنعة الشعرية، التي كانت ولا زالت رافداً من روافد العطاء الشعري.كما نجح الشاعر من استثمار القيم الزمكانية، من خلال تشكيلات ثريا – عنونة - نصوصه على شكل ديكورات هندسية وفق أبعاد لها دلالاتها الخاصة وصورها التعبيرية الناتجة عن تكامل وتوافق ما بين الشكل والمضمون فيقول:

(الأرض أشرقت بالنور والمطر
أينعت الرؤى والسهل
ليلة السحر
توزع زيتها النرجسي
لكل حقول الياسمين
ممدة كالنداء كالقمر
والصباحات شموس بيضاء
تبتسم لعشقها المنتظر
تنشد أغنيات الشوق
والورد والشجر
شذرات وشموع وتيجان زفت في حضرة البحر).
والشاعر يحلم دائماً ويتفاعل مع ذلك الصراع النفسي، الذي يجذب أبعاده من خلال أبجدية تكوينه واحتراقه وحلمه الكوني المزين بسماء النجوم وطقوس القوانين، فهو يغفو ويستفيق مثل نجوم السماء في ليل معتم، وضوء الشمس الدافئة، وابتسامة الزمان الجميل ،حيث عيون الحبيبة ترنو إلى اللقاء المرتقب مثل زنابق المطر المطرزة بالحندقوق ونسمة الريح . فيقول في قصيدته "ما زال قلبي في المغيب":

(عيناك َ حلم مثل زنابق المطر الشفاف
عيناك نسمة شاعر حين تهب من
أنفاسك الواسعة الشغاف
عيناك قطرات الطل مداها حسرة الانتهاء
أنا لا أحب سحر الهوى
ولا ابتهال الشهرة في ظلمة الدروب).
في قصيدته الموسومة (الأقمار تغتسل في المغيب) يغرق الشاعر - كعادته في النصوص الأخرى- في البوح عن معنى الأشياء والحرص على تكثيف الأحداث بشكل يجعل المتلقي يزداد التصاقاً بنصه وبمفرداته التي يزين بها جل نصوصه ،في محاولة لاقتناص فرص الحياة وثيماتها بكل ما تحمل من مدلولات ورموز:

(رأيتها في سكون المساء
غارقة في حب الآيات المطفأة الوقار
نمسك خطواتها وتمتد
لتعلم إنها إعصار
تفتت في برد الريح والعذاب
تشكو أليفها بين أحلام نومها والحشاشة
تشد للفجر نزوتها
لترث صباحاتها اليافعة
في بحيرة الشمس الخجولة).
إن طبيعة حركة الحياة عند الشاعر، هي إحدى بنى نصوصه الأساسية التي يحاول فيها أن يضع النقاط على الحروف، من خلال استثمار مشروعيتها وعناصرها التجديدية، التي هي بمثابة المحور الرئيسي التي تدور حوله الحياة:

(قصائد الوميض والكرى
مازالت تصغي للسؤال المحتمل
تخلق للماء الكلام ونشوى الحزين
لا تبتغي ثمل الأمواج
تمسك لحظتها في سجاج مستحكم
تتقدم نحو الأشواق العليا
تحكي طيوب المزامير).
وبما أن كتابة الشعر، هي عملية مركبة ومعقدة، لذلك فإن الشاعر في نصه هذا يحاول أن يتعامل مع اللغة بتقنية خاصة لها مدلولاتها، التي تتباين ما بين المجردة والمحسوسة، والتي تقوم على شبكة من العلاقات اللغوية المؤثثة في كل ثنايا نصه، مؤكداً فيها على وحدة المضمون بالرغم من تباين التفاصيل. فمعمار نصه هذا يمتلك دلالات تؤكد وعي الشاعر وقدرته على إضفاء مسحة من التأمل والجمال على سكون الحياة:

(وللجمال صبوته ولليل مساكن
أطياف تحت التوت
قصائد الوميض والكرى
مازالت تصغي للسؤال المحتمل
تخلق للماء الكلام ونشوى للقلب الحزين).
من هذا النص وغيره من النصوص نستدل استدلالاً لا لبس فيه، على أن الشاعر يؤكد على مضمون يعبر عن تجلي نوع من الترابط، ما بين الفكر والممارسة، ويجعله متناغماً مع الذائقة الأدبية وشعرية نصه، الذي يبوح من خلاله عن مكنونات الذات، التي تفسر ما يريد أن يقوله الشاعر للمتلقي:

(ضامئة ضاع خاتمها الترابي
رمت شعرها على يدها
عاكسته الرياح فاحترق وشاخ في براءته
منتصباً يذرع النظرات
ويوحد أيامه على رمل السماء).
الشاعر من خلال تمنياته وتمويهاته يتطلع نحو عالم يتعزز فيه الأمن والسلام، حيث تتحقق تطلعات الإنسان في الحب والحياة ونقاء النفس والضمير، فنصه "الأقمار تغتسل في المغيب" ما هي إلا قناديل مفعمة بالرغبة والبهجة التي تطل على البشرية جمعاء.