خواطر - ١ أيام المزبن كضن …


المحرر موضوع: خواطر - ١ أيام المزبن كضن …  (زيارة 863 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. خليل الجنابي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 97
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
خواطر - ١
أيام المزبن كضن …
الدكتور / خليل الجنابي

من المفيد أن نعود بين الفينة والأخرى لإستعادة بعض الأقوال والمفردات المؤثرة التي قيلت وتُقال في هذا الشأن أو ذاك من حياتنا العامة والخاصة وفي الحالة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية . القصد من وراء هذا المنحى هو توجيه الضوء إلى  معاني ما قيل على لسان بعض الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين وحتى عامة الناس . حيث أن ما يقال هو بلا شك ناتج عن مُعاناة أو شعور بالغبن ، أو إستقراء للأحداث أو أن الحاسة السادسة تكون نشطة عند البعض ليقرأ صاحبها ما بين السطور .
سأفتتح هذه السلسلة والتى أطمح أن تكون متواصلة بأن  أضع لها عنواناً مميزاً وهي على شكل ( خواطر ) لأبدأها بأبيات من الشعر الشعبي  للرائع  مظفر النواب في قصيدته المشهورة ( أيام المزبن كضن ) .
والنواب بحسه الفطري ومقدرته العالية على التحليل إستطاع أن يدخل في أعماق الناس وهم يتطلعون إلى الأيام الخوالي التي كانت تعتبر أياماً ثابتة كثبات الليل والنهار لا تتغير ، لكن في نهاية المطاف وصلها التغيير المنشود .
وحين يقول :
دك راسك براس العشك
وإصعد مراجف للدف
أيام المزبن كضن
تكضن يا أيام اللف
وأيام المزبن عند النواب هي تلك الأيام التي تعاقبت والتي كان الناس فيها يعيشون في حالة من العوز والفاقة والجهل والتخلف والمرض إبتداءاً من تشكيل الحكومة العر اقية عام ١٩٢١ في العهد الملكي وحتى يومنا هذا . أيام حدثت فيها تقلبات كثيرة ، صغيرة منها وكبيرة ، لكنها بقيت محفورة في ذاكرة التأريخ ، وحين نعود إليها نرى فيها ( الغث والسمين ) .
أسماء لامعة صعد بريقها وهوت ، وأحزاب سياسية كانت لها الحضوة فهوت هي الأخرى ، ولم يبق منها غير ( شواهد قبورها ) ، وما قدموه للوطن بقي هو الآخر في ضمير الناس تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل .
الشعب يحفظ عن ظهر قلب السيرة الذاتية لمن وضع بصمة في تأريخ العراق السياسي ، منهم من عمل بالضد من مصلحة الشعب والوطن وكان أداة طيعة بيد المستعمر ، ومنهم من وضع دمه على راحة كفه من أجل خير العراق وأهله .
إعتلى منهم المشانق وهم يهتفون لسعادة  الشعب وحريته وإستقلاله .
الحال الذي تكلم عنه شاعرنا الكبير النواب من أن الأيام السوداء مهما طالت فإنها سوف تنتهي إن عاجلاً أم آجلاً ، ودورة الحياة هي الأخرى متغيرة ولا تبقى على حال . والذي يبقى منها هو ما ينفع الناس .
ورغم أن التراجع كان في كل شيء ، في حياة الناس وفي تفكيرهم ، في معاناتهم من أجل الحصول على لقمة الخبز ، في كفاحهم ضد الجهل والتخلف والمرض ، في سعيهم الحثيث للعبور إلى الجانب الآخر  حيث الفضاءات الواسعة من الأمن والإستقرار والحياة الهانئة والسعيدة ، إلا أن هذه المسيرة الظافرة سوف لن تتكلل بالنجاح مالم تتخلى  عن الطرق السقيمة في معالجة مشاكلها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية  ، وهذا لن يحدث إلا  بإعطاء الفرصة للأكفاء والمخلصين في العمل  لتقديم أفضل الخدمات والإرتقاء  بالمجتمع إلى مستويات عالية من التطور والرقي .
المشكلة هنا أصبحت واضحة وبينة ، وتعتمد إعتماداً كلياً على القدوة الذين يتصدرون الواجهة ، وبعبارة أوضح على النخبة من رِجالات الحكم والأحزاب السياسية الذين يمتلكون مشروعاً وطنياً كاملاً ويتحركون بموجبه ويكونون تحت الأضواء لرصد حركاتهم ومدى إلتزامهم بما وعدوا فيه .
 لا يمكن وصف الحالة التي نحن عليها الآن من تدهور في كل مجالات الحياة غير القول بأن الوضع أصبح مأساوي ، وأنه  بهذه المواصفات أصبح إصلاحه يتطلب  مشرط ( الطبيب الأخصائي ) ، أي إقتلاعه من جذوره وعدم ترك أي أثر لخلايا أخرى تنمو من جديد .
ومما يزيد من سوء الأوضاع وتدهورها هو وجود ( داعش ) التي إحتلت أجزاء واسعة من الوطن نتيجة للتخبط في معالجة العلاقات بين الأطراف السياسية المتناحرة ( الشيعية والسنية ) والتي أدت إلى زرع العداوة والبغضاء بين أبناء الوطن الذي أصبح فريسة سهلة بعد أن إستقوت هذه الأطراف بقوى خارجية ساعدت في تمزيقه .
ولو عدنا إلى ساحات التظاهر والمتظاهرين ومطالبهم  في كل أطراف الوطن لوجدنا عناوين كثيرة يمكن الكتابة عنها بشكل مفصل ، فمن الفساد المالي والإداري المستشري والسرقات للمال العام إلى إنعدام الخدمات من الكهرباء والماء الصالح للشرب والفقر والبطالة والمرض والتعليم  والنزاهة والقضاء والأمن والأمان والعصابات والمليشيات المنفلتة ، إلى المماطلة والتسويف في تنفيذ حزمة الإصلاحات التي وعد بها رئيس مجلس الوزراء السيد حيدر العبادى وكذلك البرلمان وأيدتهم المرجعية الدينية . لقد تفاءل الناس بها خيراً إلا أنها مع الأسف توقفت عند حدود الكلام وتم الإلتفاف عليها وأصبحت حبراً على ورق . وأن حيتان الفساد المتغلغلة في كل أطراف الدولة أصبحت الآمر والناهي والمشرع للقوانين .
ورغم هذا وذاك لا زال الأمل يحدونا بأن المتظاهرين سيواصلون نضالهم السلمي ويرتقوا به إلى فضاءات أوسع وأرحب رغم القتل والإختطاف والمطاردة والمنع ووضع الأسلاك الشائكة في طريقهم … وأيام المزبن السوداء التي إنتهت تعطينا الأمل بأن أيام اللف مهما طالت ستنتهي هي الأخرى .