الجَـمّـال و الوالــــــــــــــــي


المحرر موضوع: الجَـمّـال و الوالــــــــــــــــي  (زيارة 455 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مايكـل سيـﭘـي

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 3645
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الجَـمّـال و الوالــــــــــــــــي

بقـلم : مايكل سـيـﭙـي / سـدني

البابلي في حـــضرة الوالي   يـسأله ماذا عـن الأحـــــــــــــــــــــوال
رد عـليه الصدى بالإجـمال   (يا ذيب ليش تعَـوي ؟ حالك مثل حالي)

يحكى أن رجلاً من ديار بابل ضاعـت ناقـته النزيلة ، وهـو في طريقه إلى تل الكهـف في حـلب الجميلة . سأل عـنها الكـثير وأمله وفـير وبعـد عـناء مرير رآها عـند إعـرابي من أهل الشام كان قـد لـقـيَها تائهة فإمتـلكها . جاء الرجل إلى الإعـرابي فـسلم عـليه ، طبع قـبلة على كـتـفـيه ، وإسترسل الحديث معه ، ثم قال له :
يا أخا العـرب لـقـد ضاعـت مني ناقـتي ، كانت مُسَـليتي فأخـذتْ معها مهجـتي ، تعـبتُ في البحـث عـنها ولم أجـدها وبعـد جـهد مليل شاهـدتُ مطلعـكَ الجميل توسمتُ فـيك الخليل ، أراك من أهل الشيمة والكـرم ، لا تـقـبل الضيم وترد الذمم ، كل الشهامة منك والأصالة فـيك ، ومقـدما أشكـرك وها هي ناقـتي عـندك !
فـقال الإعـرابي : يا أخي في أرض القـبـيلة ، لـقـد أكـرمْـتـني بكلماتك النبـيلة ، وأغـرقـتـني بعـباراتك الهـديلة ، صدقـتَ فـيما قـلت إلا في الأخـيرة ، أعـنـدك غـيرها بديلة ؟ فهذا جمَلي وليس ناقـتك الهـزيلة . قال الرجل : هلا نظرتَ أسفـلها لترى ضرعها وحـلمتيها ؟ قال الإعـرابي : نظرتُ وحمـدتُ ، فـلـقـد منَّ الله عليّ بجَـمل ذي ذكـَـرين ، فـشكـرتُ .
حار الرجل الـبابـليُّ في أمره وفـقـدَ وجه الصواب في الإعـرابي وسذاجـته ، ولما كان غـريـبا لم يجـد بُـدَّاً إلا أن يكـون أديـباً ، فـيعـرض أمره عـلى الوالي لبـيـباً . فـقال للإعـرابي : أتـقـبل بقـضاء والي الشام فـنـذهـب إليه كِـلانا ؟ رد عـليه الإعـرابي فـورا : نعم والله إنه والينا ، شيخ عـلينا معـلمنا وراعـينا ، وهـو سـيِّـد الـقـوم وأبونا ، نـقـدم له الغـلة من زرعـنا ، والـعُـشـرَ من مدخـولنا ، وكل يوم نصلي ونـطـلب له عـمراً طـويلاً ونعـطي له ما بأيـدينا ، نـقـبِّل يده بشفاهـنا وهـو يرد لكـرَمنا عـناقاً وبَـوساً على خـدنا ، يربِّتُ عـلى ظهـرنا دَلكاً ، ويكـثره عـلى من يتـصف باللطافة بـينـنا ، وعـليه فأنا أقـبل بقـضائه لنا ، فإليه هـيا بنا .
ولما وصلا إليه سلما عـليه فـردَّ عـليهما السلام ، والغـمة فـيه ، سألاه : ما بك يا مولانا ؟ قال : نُـزعَـتْ عـني حمامتي وِشاية ، كانت ترفّ جـناحـيها فـتهـف لي صيفا وتجاورني بريشها فـتـدفـئـني شتاءا ، تـدغـدغـني بمنقارها فأنـتـشي بها ليلا ، ومن شدة حـزني ، نـفـضتُ عـباءتي فـلحـقـتْ بها رفـيقاتها ، وتركـتْ أعـشاشها ، فـنثرتُ وراءها من الشعـير بعـض حـبات وإتخـذتُ من العـش محـرابي وقـلعـتي ، وقـلت لنفسي : يا ليت شعـري هل أبـيتن ليلة بعُـشِّ الدجى إني إذاً لـزهـيد ، وأتركُ الموتى يدفـنون موتاهم ( ساذج وبلـيدُ ) .
إستغـرب البابلي من إستـناحة الوالي وحسبَه مهووسا في كـلماته ، فـقال له : يا مولانا إن الحمامات في أعشاشها ساكـنات ، فـما الذي جاء بك إليها ، لتمنحـك الدفء والـدغـدغات ؟ ( وقـلب البابلي يقسم بالكائنات : هـذا النحـيب ودموع التماسيح شبـيهات) ! .
أجاب الوالي : إن الحـمامات الوديعات لا تطمئن إلا عـند الولاة . ولِمَ الريـبة ! أما يُحكى عـن سليمان كان يناغي الطير وهي جُـثــَّـمٌ راغـبات ؟ ثم أردف : حـلـلـتما أهلا ونزلـتما سهلاً وأقـضي لكما إذا طلـبتما أمراً .
حكى البابلي قـصته وأفـضى للوالي أمره . ثم تـقـدم الإعـرابي وقال : هـذا جملي يا طويل العـمر وأنت مولاي مدى الدهـر، والبابلي يحاججـني في الأمر ، ويقـول عـن جـملي إنه ناقـته ، فإقـضِ بـينـنا أدامك الله والينا . فـلما تـفحَّـصَ الوالي العـلة قال : إنه جملك أيها الشامي ، خـذه وإذهـب في طريقـك إنه لك . فـقـبَّل الإعـرابي يد الوالي ثم خـرج .
ولما رأى الرجل في الوالي الخَـصْمَ والحَكَـمَ سكـت ولله أمره سلـَّم ، وعـندئذ بالخـروج هَـمَّ . وهـنا إستوقـفه الوالي سائلا إياه : كم ثمن ناقـتك ؟ قال الرجل ألف درهم حـفـظك الله . فأمر أن يُعـطى له ألف درهم وزيادة . تعجـب الرجل البابلي وقال: ما هـذا يا مولاي ؟ قال الوالي : تلك كانت ناقـتك وهـذا ثمنها وزيادة لك ! فاستغـرب الرجل وقال : إن كـنتَ تـقـرُّ بأنها خاصتي ، فـلماذا قـضيتَ وأخـذ مني ناقـتي ؟

أجابه الوالي وقال : بسذاجة هـؤلاء ( الخـبل ) وأمثالهم الـذين لا يفـرقـون بين الناقة والجمل ، أصبحـتُ أنا ــ واليهم ــ وسأبقى راعـيهم طِوال الـزمن المقـبل ، أتريدني أن أعَـلِّمه ليستـنير عـقله ، وغـدا تـُعـرَفُ حـقـيقـتي عـنده ، فأفـقـد ولاءه ولن يفـتح لي صرَّته ، وأخسر الـعُـشـرَ والغلات ، كـنزي في الحـياة والممات ؟
أما أنت فإنك واحد بذكائك ، لا تهمني طاعـتك ، ولا يقلقـني دهاؤك ، طالما أنت بعـيد ولا أقـبل بإقـترابك ، وإلا فستكـشف حـيلتي وتـدرك خـدعـتي وتـنزع مني عـباءتي .
قال له البابلي : يعـرف الناس بأنك هـيطل ، يوم نـفـضتَ العـباءة يا ذابل ، إبتسمَ الوالي وقال : يا عاقل ، كـبـيرهم في مجـلسي غافـل ، وكل مَن في المجلس أهـبل ، أحسبهم كالأصنام ولا أخجل .
هـزَّ البابلي رأسه الناجل ، والـدرهم الحـرام في يـده يقـول : أفـتخـرُ ! مدينـتي بابل ، أجاهـر بالحق ولا أمهل ، الثعـلب في الغابة ماكـر ، وجـلـده في الأسواق وافـر ، والشاري في فـلوسه زاخـر . ومن يعـيش بالحـيلة يموت بالفـقـر .
*****************
الحـلقة السادسة القادمة : مقابلة المطران فـرانـسيس قلابات مع إذاعة صوت الكـلـدان






غير متصل مايكـل سيـﭘـي

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 3645
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كـتب أحـدهم التعـليق التالي :
استاذ مايكل .... بالله عليك ما تعرف الوالي ?
قصتك عـظيمة ومعانيها بليغة