الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن


المحرر موضوع: الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن  (زيارة 2307 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 556
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن
الجزء الخامس والثلاثون
العودة لمواصلة الحديث عن البطاركة النساطرة من آل أبونا

84 - البطريرك ايليا السادس 1558-1591م
يقول عنه الكاردينال تيسيران في (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ص 147) والقس بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج2 ص148-150) بأنه تولّى المنصب البطريركي تلقائياً بموجب قانون الوراثة حيث كان ناطور الكرسي على عهد عَمِّه شمعون السادس بَرماما ويُدعى يهبَلاها. عندما غُدِر بالشهيد يوحنان سولاقا عام 1555م شكَّلت الجماعات الكلدانية في دياربكر من نفسها دِرعاً قوياً للدفاع عن كُلِّ المناصرين للإتحاد الإيماني مع روما. وما إن انتقل البطريرك شمعون الثامن دِنحا "مطران جيلو وسلامس السابق المتكثلك" الى مقرِّه الجديد في سلامس/ايران، حتى تحرَّك كلدان دياربكر ورموا بكُلِّ ثقلهم على البطريرك النسطوري ايليا السادس بَرماما الجالس في ديرالربان هرمزد تحريضاً وتشجيعاً لإبرام الإتحاد الإيماني مع روما، فكان لهذا الجهد ردَّ فعل ايجابي لدى البطريرك، فبادر عام 1586م الى إرسال صورة ايمانه موقعة ومختومة بالختم البطريركي الى البابا بواسطة القس عبدالمسيح. بيد أنَّ البابا سكستس الخامس لم يعترف بذلك الإقرار الإيماني بسبب صُبغته النسطورية. والمخطوط الفاتيكاني العربي المرقم 141، ص 1- 14 يحتفظ بنسخة من ذلك الإقرار (شموئيل جميل ص 34 المقدمة ح 1). ومنذ اعتناق مطران جيلو وسعرد وسلامس المذهب الكاثوليكي وإقامته بطريركاً باسم شمعون التاسع دِنحا، استبدل بطاركة السلالة الأبوية تسمية شمعون بتسمية ايليا. والذي اشتهر في عهده من المؤلفين كان اسقف الجزيرة يوسف بقصيدته الطويلة حول حياة الرب يسوع المسيح الأرضية. توفي البطريرك ايليا السادس عام 1571م ودُفن في دير الربان هرمزد.

85 – البطريرك ايليا السابع 1591-1617م
تتحدَّث عنه المصادر التالية: الكاردينال تيسيران (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ص 147) والقس بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 176 و178، 179-180 و235) وكوركيس عوّاد (أثر قديم في العراق/ ديرالربان هرمزد 1 ص 36) بأنه ايشوعياب بن فرج بن كوريال ناطور كرسي عَمِّه ايليا السادس، ارتقى السدة البطريركية بعد وفاة عمِّه عام 1571م تلقائياً بفضل قانون الوراثة الخاص بالعائلة الأبوية، وتُضيف المصادر بالقول بأنه كان يتَّصف بمناقب وخصال حميدة ويسعى الى الحقيقة، وعلى غِرار عَمِّه رغب بتوقيع عقد الإتحاد الإيماني مع كنيسة روما، وفي ذلك الوقت كان عدد كبير من الكلدان الباقين على النسطرة ينضمون الى الكثلكة حين يُغادرون بيئتهم القديمة. وقد ذكر حارس الأماكن المقدسة الأب مانيربا عام 1604م بأنَّ رهطاً كبيراً من الكلدان النساطرة نبذوا مذهبهم النسطوري بواسطته خلال الأعوام الثلاثة من تسلُّمه منصبه، ويُضيف مانيربا بأنَّ عدداً كبيراً منهم تعهَّدوا بأنهم سيسعون الى حَثِّ بطريركهم ليكتب في هذه السنة الى الحبر الأعظم بصدد قبوله في حظيرة الكنيسة الأم الجامعة. ومن أجل ذلك حَمَّل الربان آدم رئيس ديرالربان هرمزد المتأهِّب للسفر الى روما، رسالة بهذا الصدد لينقلها الى البابا بولس الخامس، وإذ طال مكوث آدم في روما جرى تبادل الرسائل بين البطريرك ايليا السابع والبابا بولس الخامس تناولت المعتقدات اللاهوتية وتفسيراتها، وكانت تُناقش في اجتماعات البطريرك وأساقفته ويطول النقاش بين المؤيدين والمناوئين، وأخيراً أسفر عنها اعتراف البطريرك بأن البابا هو الرئيس الأعلى للكنيسة الجامعة. وكان للكنيسة الكلدانية النسطورية معبد في كنيسة القيامة بمدينة القدس، أهداه البطريرك ايليا السابع للرهبان الفرنسيسكان. كانت مدة جلوس ايليا السابع على الكُرسي البطريركي ستة وعشرين عاماً حيث توفيَ في 26 ايار عام1617م على المذهب الكاثوليكي، ودُفِن في مقبرة البطاركة بدير الربّان هرمزد.

 ويذكر الأنبا ش. جميل في(كتاب العلاقات ص 100-108) بأنَّ رجلَين شرقيَين علمانيَين حَلاّ في روما عام 1606م، أحدُهما يُدعى كيوركيس والآخر يوحنا، إدَّعيا بأنهما مبعوثا الجاثاليق ايليا، وفي الطريق تعرَّضا لمضايقةٍ من اللصوص انتزعوا منهما الرسائل الموجَّهة الى البابا. لم تُساور البابا بولس الخامس الشكوكُ بادِّعائهما، بل رحَّب بهما وأنصت باهتمام بالغ الى حديثهما المُفصَّل عن أحوال الفئات النسطورية في المشرق. وما لبثا أن عادا الى المشرق مُحَمَّلَين بالهدايا للجاثاليق ومُزوَّدَين برسالة توجيه وإرشاد كتبها "مَرسِلّو فيستري" وترجمها الى الكلدانية واحدٌ من المارونيين في روما. يقول بطرس نصري عن هذين الرجلين (ذخيرة الأذهان ج2 ص 176-177) بأنهما كانا قادمَين من التيبت لزيارة ضريحَي مار بطرس ومار بولس، وكانا من ضمن الذين غسل البابا بولس الخامس أرجلهما في خميس الفصح، واستُعلِما عن أحوال الكلدان. وفي طريق العودة عَرَّجا نحو بلاد النهرين، والتقيا البطريرك ايليا السابع ورَوَيا له ما لقياه من إكرام وتقدير في روما، وسلَّماه هدايا البابا بولس الخامس وصورة ايمان لكي يُعمِّمَها على أبناء شعبه.

الربّان آدم مبعوث ايليا السابع
إن هذه المعطيات والوقائع زادت البطريرك ايليا السابع تشجيعاً، وبتأثيركبيرمن ايليا مطران دياربكرالكلداني الرائد في مجال إرشاد النساطرة للتحول الى المذهب الكاثوليكي، بادرالبطريرك في ربيع عام 1611م الى تكليف الربّان آدم رئيس كهنته ورئيس ديرالربان هرمزد بذات الوقت بالتأهِّب للسفر الى روما، وحمَّله ثمانِ وثائق بالكلدانية والعربية لينقلها الى البابا بولس الخامس، وقد نشر هوفمان مضمونها بلائحة واحدة في (الشؤون الشرقية المسيحية/ المجلد8 ص 298-303) ولا زالت محفوظة ضمن اضابير مجمع التفتيش في روما. وإذ طال مكوث آدم في روما جرى تبادل الرسائل بين البطريرك ايليا السابع والبابا بولس الخامس تناولت المعتقدات اللاهوتية وتفسيراتها، وكانت تُناقش في اجتماعات البطريرك وأساقفته ويطول النقاش بين المؤيدين والمناوئين، وأخيراً أسفر عنها اعتراف البطريرك والأساقفة بأن البابا هو الرئيس الأعلى للكنيسة الجامعة كُلِّها، وإنهم على استعداد للخضوع له، وعلى عَرض ايمانهم بشأن الثالوث والتجسُّد، وتقديم تفسير لتسميتهم مريم امَّ المسيح وليس ام الله. ومن ضمن ما رواه العلمانيان القادمان عام 1606م الى روما كموفَدَين من قبل البطريرك ايليا السابع، بأنَّ الرهبان الفرنسيسكان كانوا لا يمنعون الكلدان عن مشاركتهم الإعتراف والتناول ولكنهم كانوا في الأول يستجوبونهم عن ايمانهم، وقد صرَّح بذلك الأب مانيربا. وحتى آدم عند مروره باورشليم، قبله الرهبان الفرنسيسكان أن يُشاركهم التناول.
وُضعَ إقرار ايمان آدم عل المحّك من حيث الفحص والتدقيق، والوثائق تسلَّمها نائب مجمع التفتيش، وهو بدوره طلب الى بطرس ستروزي الإهتمام بتأمين كافة احتياجات الربّان آدم، فأحاط ستروزي آدم بعنايته وشمله بعطفٍ وتفهُّمٍ بالرغم من إطِّلاعِه على كُلِّ ما كان يجري من مناقشاتٍ بشأنه، وكتب تقريراً مُسهباً حول مهمته بعنوان "أعمال الوفد البابلي" وزُوِّدَ البابا بولس الخامس بنسخة منه، لا زالت محفوظة في المكتبة الفاتيكانية (مخطوط باربريني اللاتيني رقم 2690).

يقول القس بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 177) طالت إقامة آدم في روما أكثر من المعتاد بكثير، لذلك لم تخلُ من متاعب ومنغصات، إذ لم يكن وحده في أداء المُهمة، حيث كان يُرافقه عِلمانيٌّ وراهبان. وهذا الوفد تمَّ إرسالُه الى روما عام 1607م، والراهبان هما هرمز واوشعنا والعِلماني خوشابا. تحدَّث الوفد عن حالة الكلدان بشيء من التفصيل حيث بَيَّن بأنَّ الكلدان يملكون 35 ديراً و25 أبرشية... ومن جملة المتاعب وقوع خلاف بين آدم وعضوَين من الوفد، حيث أنكرا عليه حصولَه لأيِّ تفويض من البطريرك، وإن الرسائل التي قدَّمها الى روما هي من تدبيره. وشهادات هذين المُتَّهِمَين لا زالت محفوظة في خزانة الفاتيكان، وقد كُتِبَت بخط يد أحد الشرقيين يُحتمل أن يكون مارونياً سبق أن قام بترجمة الوثائق الكلدانية. (مخطوط بربريني اللاتيني رقم 893 ص 226-233) ويبدو أنَّ هذا الكاتب يحمل كراهية عميقة لآدم خاصةً وللنساطرة عامةً. ولم يجد آدم تعاطفاً من قبل أيِّ عضو من أعضاء مجمع التفتيش، بل كادوا يطبقون عليه العقوبات التي تُفرض على المُرتدّين.
وفي 12 آذار عام 1614م أي قبل أربعة أيام من موعِد التوقيع على الرسائل التي كان سيأخذها آدم معه لدى رجوعه الى الشرق، وجد مفوض ديوان مجمع التفتيش في التقرير المُقدَّم من قبل آدم الأخطاء التالية:
أ – إنَّ نفوس القديسين قبل القيامة لا تُقبَل في السماء ولا ترى الله.
ب - إنَّ الإيمان والرجاء يبقيان عند الطوباويين.
ت – إنَّ القيامة لن تكون بجسدٍ ودم حقيقيَين، بل بجسدٍ هوائيٍّ.
ث – إنَّ حرية القديسين لن تستمرَّ بعد القيامة.
ج – إنَّ الملائكة القديسين لم يعرفوا سِرَّ الثالوث إلا بعد تجسُّد الكلمة.
ح – إنَّ سِرَّ ملكوت الله، المعروض في الإيمان، مطبوعٌ فينا مع تكوين الطبيعة.

ليس من السهل التمييز مدى الصحة في موقف آدم، ولا تبرئة ساحته من ممارسة الخداع، فقد دَلَّت الأمورُ التي جرت بعد رجوعه الى بلاد بين النهرين بأنَّ متَّهِميه كانوا على حَق. وبصرف النظر عمّأ جرى، فإن حسابات آدم كانت بغيرمحلِّها حيث اضطرَّ للإقامة بروما لأكثر من سنتين تطلَّبتها التدقيقات في مسائل الإيمان وكتابة مذكَّراتٍ بشأنها، الى جانب تلقّي دروس تثقيفية، فخاب أملُه بالرجوع الى بلاده بنهاية صيف 1613م، وكان تأثير ذلك ثقيلاً عليه جداً ألزمه الفراش لمدة ثلاثة أشهر يُعاني من المرض.(مخطوط باربيني اللاتيني رقم2690 ص 44). ولدى عودة آدم عُيِّن لمرافقته الى البطريرك راهبان يسوعيان هما: جيوفاني انطونيو مارييتي وبطرس ميتوشيتا  القبرصي من أصل ماروني، فوقع خلاف بينه وبينهما حول اختيارطريق العودة. المرافقان فضَّلا الإبحار الى مسينا، أما هو فكعادة الكلدان فضَّل السفر عن طريق البواخر البندقية، فتركاه في روما لإنجاز ما فرضه عليه مجمع التفتيش. وكان للكنيسة الكلدانية النسطورية معبد في الجزء الشمالي من كنيسة القيامة بمدينة القدس بالقرب من مُصلّى الفرنسيسكان، أهداه البطريرك ايليا للرهبان الفرنسيسكان. فتلبية لرغبة الجاثاليق الكلداني قام البابا بولس الخامس بإصدار براءة في 10 حزيران 1613م وأعيد تنقيحُها في 15 آذار 1614م، وأبلِغَ حارس الأراضي المقدَّسة بأن يُعيد المعبد الى الكلدان. أما البراءة الخاصة بالجاثاليق وبعد أن عُرضت نسختها الأصلية في 23 ايار1613م على الكاردينالين بلاّرمان وفرنسيسكو بوربون، فقد أرسلت الى الجاثاليق مع رسائل اخرى.

عودة آدم الى الوطن
وفي الثاني من حزيران عام 1614م غادر آدم روما يُرافقه المُرسَلان اليسوعيان في طريق العودة الى الشرق، ولم تُعرف تفاصيل هذه العودة سوى ما رواه المبعوثان. وجاء في (مخطوط بربريني اللاتيني رقم 5157 ص127-148) بأن نسخة من روايتهما عن تفاصيل سفر العودة محفوظة في مخطوط الخزانة الفاتيكانية. أما التي نشرها الأب "تورنبيز" فاعتمد على النسخة المحفوظة لدى جمعية الآباء اليسوعيين. انظر في (وثائق غير منشورة لمعرفة تاريخ المسيحية في الشرق 2/ انطوان رباط، 1921م، بيروت ص 421-428).
لم يكن آدم مُرتاحاً من المُرسَلَين اللذين كُلِّفا بمُرافقته، بل كان منزعجاً منهما، وما زاد من انزعاجه وتبرُّمِه هو طول السفر وكثرة مراحل التوقُّف في مسينا ومالطة وقبرص. تَمَّ وصولُهم الى قبرص في 21 كانون الثاني لعام 1615م، وإذ أراد آدم الذهاب الى لبنان واورشليم بموجب الإتفاق في روما، رفض المُرسَلان مرافقته، فاضطرَّ للسفر منفرداً، وفي حلب تلاقى ثلاثتُهم، واستأنفوا سفرهم في 8 حزيران 1615م قاصدين دياربكر، ولما لم يجد المُرسلان مطرانَها ايليا استاءا جداً حيث كانا يحملان إليه رسالة من الحبرالأعظم. وهناك سنحت الفرصة لآدم للإنتقام منهما، فاحتجزهما في غرفة ولم يُبالِ باحتجاجهما، وأخيراً قرأ على مسمعيهما رسالة إدَّعى أنها مُرسلة من الجاثاليق يأمرهما فيها بالعودة الى بلادهما. ولكنَّ المُرسَلين غافلا آدم وهربا ليلاً من دياربكر ووصلا الموصل والتقيا الجاثاليق ايليا السابع الذي فاجأهما بقوله بأنه لا يجد شيئاً يدعوه لتغيير ايمانه، وما إرسالُه لآدم الى روما إلا للتفاوض بشأن المعبد في اورشليم لا غير.

لم يَرُق للمُرسَلين اليسوعيَين كلام الجاثاليق المفاجيء لهما، فغادراه في 24 آب 1615م عائدَين الى دياربكر وهما يُعانيان مرارة الفشل، في حين كانا يحلُمان بحلاوة النجاح وهما يحملان رسالة الى الحبر الأعظم مع بعض الهدايا. ثمَّ انتقلا الى حلب وهناك علما بأن البطريرك موجود في المنطقة الغربية ويود الإلتقاء بهما، فعاد أحدُهما والتقاه في 17 تشرين الثاني لنفس العام بديرمارفثيون بين ماردين ودياربكر، وكان يرافقه آدم كمشارك في المفاوضات، فكانت النتيجة إصرار البطريرك على موقفه العقائدي النسطوري التزمتي، كما أنكر آدم أيَّ تغيير أجراه على ايمانه بروما ولم يَحرُم نسطوريوس دون قيد أوشرط. فعندما عاد مُرسَلا البابا بولس الخامس الى روما في 16 تشرين الثاني 1616م، أعلنا بأنَّهما لم يجدا عند ايليا الإستعداد اللازم لإتحادٍ حقيقي مع الكنيسة الرومانية كما لم يجدا بين كلدان دياربكر كاثوليكياً واحداً حقّاً (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية/ الترجمة العربية ص 120) إنَّ هذه الإنطباعات جاءت انعكاساً للظروف الصعبة التي خبراها في دياربكر، وانعدام الفهم الحقيقي لديهما لِما كان الكلدان المسيحيون يستعِدُّون له فيها. ثمَّ إنَّ انفتاح المسيحيين الشرقيين على المُرسلين الغربيين إبتدأ بالرهبان اللاتين، ولا سيما الفرنسيسكان منهم، وكانوا يُفضلون مجيئَهم الى بلادهم لإرشادهم وتثقيفهم، وربما كان الميل إليهم السبب في عدم تعاونهم مع الرهبان اليسوعيين.

نتائج السينودس
لقد ذكر تيسيران في (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية/ الترجمة العربية ص 121) بأن مُرافقي آدم الشرقيين الذين تركوه وحده يُسافر الى اورشليم، مكثوا هم في حلب وبعد انقضاء الشتاء استعدوا للحج الى الأراضي المقدسة، وفي تلك الأثناء شَدَّ الرحال توما اوبيسيني دي نوفاري رئيس دير الفرنسيسكان قاصداً دياربكر. أما البطريرك ايليا السابع فما إن غادره المبعوث البابوي الذي أراد اللقاء به فالتقاه في دير مار فثيون، حتى استدعى أساقفته وعقد سينودساً برئاسته خلال أيام عيد الميلاد، وطلب بإلحاح الى توما دي نوفاري أن يحضر الى السينودس، لكنَّ توما أبى التدخل في شأن معهود به الى غيره وكان ينتظر إشارة من الحبر الأعظم. غيرأنَّ الأساقفة نفذ صبرُهم وانتابهم التذمُّر فهدَّدوا بالإنصراف والعودة الى مراكزهم الأبرشية. وإزاء هذا الموقف، لم يُجازف توما بإضاعة هذه الفرصة، فقرَّر حضور السينودس الذي انعقد من 1 – 26 آذار عام 1616م. وقُرئَت رسائل البابا والتعليمات التي جلبها الموفدان اليسوعيان، وقُريءَ أيضاً البحث اللاهوتي الذي كتبه آدم في روما، ونُشِرَت خلاصتُه في ستروزي بعنوان "عقائد الكلدان للأب آدم اركِذياقون القِلاّية البطريركية البابلية" روما 1617م. وفي تلك الفترة رُسم آدم اسقفاً على دياربكر باسم طيمثاوس. وقبل آباء هذا السينودس جميع الإجراءات التي تَمَّ إقرارُها في روما فيما يتعلَّق بالإيمان، وكتبوا رسالة الى البابا ووقَّعوها بأجمعهم وسلَّموها الى توما دي نوفاري لإيصالها بنفسه إليه. وحال وصول هذه الوثائق الى روما عام 1617م، قام بنشرها ستروزي المُهتم الكبير بشؤون الكلدان، وأعاد نشرَها الأنبا شموئيل جميل في (كتاب العلاقات ص 142-159 و 536).  ويقول الأنبا ش. جميل أيضاً في الموضع السابق (ص 144) ولم يفتأ الأساقفة من الإحتجاج المُلِح على المضايقات التي تُمارَس بحق طائفتهم في الهند من قبل محاكم التفتيش البرتغالية، مُطالبين البابا بالتدخل للحد منها. وفي (ص 150) يقول ش. جميل: بأن الكلدان كانوا مرتاحين جداً بمُفاوضاتهم مع توما دي نوفاري، وهو بدوره صَرَّح بأن الكلدان قبلوا كُلَّ ما تُعلِّمُه الكنيسة الرومانية بدون قيدٍ أوشرط.

ويُضيف تيسيران في (خلاصة تاريخية...ص122) لما عاد اليسوعيان مُرافقا آدم الى روما صوّبا سهام الطعن الى السينودس وأبديا بأنَّ الإقرار الإيماني الذي أعلن فيه ناقص. فبادر البابا بولس الخامس بتاريخ 29 حزيران 1617م الى إرسال رسالة جديدة الى البطريرك ايليا مُرفقة بها صورة الإيمان طالباً إعادتَها موقَّعة، واوعز الى توما دي نوفاري بحمل هذه الرسائل البابوية الى الشرق بدون تأخير، وحيث كان توما آنذاك في مصر، ولا بدَّ له من المرور بسوريا، فتعطَّل في حلب ولم يتسنَّ له السفر قبل 19 نيسان عام 1619م. وكان توما يحمل رسائل لجبرائيل مطران حصن كيفا ولإيليا مطران دياربكر السابق المنقول الى سعرد ولطيمثاوس آدم خلفِه على دياربكر. وقد تجنَّب توما المرور بدياربكر تحاشياً للإلتقاء بطيمثاوس هذا لأنَّه صار موضع ارتيابٍ والمجمع الذي ساهم فيه عام1616م، فضلاً عن معاملته الإنتقامية السيئة لمرافقَيه اليسوعيين، لكونه موغلاً بالتزمُّت للنسطرة. فكان وصول توما الى الموصل في 19 أيار، ثمَّ حَلَّ في دير الربّان هرمزد في 22 أيار 1619م . ولكنَّ الجالس على الكُرسي كان ايليا الثامن خلفاً لعمَّه ايليا السابع الذي توفيَ في 26 ايار عام1617م كما أسلفنا.

86 - البطريرك ايليا الثامن 1617-1660م
تذكر المصادر التالية: الكاردينال تيسيران (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ص 147) والقس بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 190-191 و 192-193) وكوركيس عوّاد (أثر قديم في العراق/ دير مار هرمزد 1 ص 37)  بأن ايليا الثامن هو ايشوعياب ناطور كُرسي عَمِّه البطريرك ايليا السابع، وبعد وفاة عمِّه اعتلى الكُرسيَّ البطريركيَّ باسم البطريرك ايليا الثامن تلقائياً اعتماداً على القانون الوراثي. كان فاتراً في مُعتقدِه غيرَ ثابتٍ ولا متأكِّدٍ من كثوليكيته ولا نسطوريته. لم يجد فيه توما دي نوفاري ما كان يتوفَّر في عمِّه ايليا السابع من استعداداتٍ روحية وإرادية لقبول الحقيقة. استقبل ايليا الثامن المبعوث البابوي توما استقبالاً جيداً، وأخذه العجب لعدم سلوكه طريق دياربكر في المجيء لأنَّه الأسهل ولا سيما في الصيف. لم يتطرَّق توما دي نوفاري الى محادثاته في دير الربّان هرمزد ضمن ما دوَّنه عن مواصلاته. ولكنَّ صورة الإيمان التي ارسلها بولس الخامس أعيدَت إليه مُوَقَّعةً (كتاب العلاقات ص 164-187) وعلى الصفحة الثانية لختم البطريرك ايليا المثلَّث الأضلاع تظهر صورتان بالحبر الأحمر، أما ختم طيمثاوس باالكلدانية واللاتينية فيحمل في وسطه صليباً في أسفله مفتاحان مع كتابة لاتينية"مارطيمثاوس" وكلدانية"طيمثاوس مطران اورشليم". وتصدَّرَت التواقيع ملاحظة كتبها البطريرك بخط يده هي: "أما إسما تيودورس ونسطوريوس فلا يمكن رفعُهما أو إلغاؤهما من كُتُبِنا الشرقية" وقد تُرجمَت الملاحظة الى اللاتينية ووضعت على الصفحة الثانية. أما الأمور الأخرى فنقبلُها ونوَّقِّع عليها. (كتاب العلاقات ص186). ما أعظم الفرق بين مطارنةٍ متزمتين يقبلون كُلَّ الأمور الإيمانية القويمة ويرفضون حذف أسمي تيودورس ونسطوريوس من كُتُبهم الطقسية وقد نبذتهما كافة المجامع المسكونية، وبين المُهتدين على عهدي طيمثاوس مطران قبرص عام 1445م ويوحنا سولاقا عام 1552م الذين طالبوا بعدم تسميتهم نساطرة لأنهم كلدانيو الأصل، فنزلت الدوائر الفاتيكانية الرومانية من أعلى مستوياتها عند رغبتهم وأمرت بتسميتهم بإسمهم القومي الأصلي"كلداناً، فيا للمفارقة بين الفئتين. يقبلون كُلَّ مُعتقدات الكنيسة الرومانية الجامعة، ولكنهم يرفضون التخلِّيَ عن اسم نسطور الذي أصبح بمثابة إسمهم القومي "النساطرة".

يقول الكاردينال تيسيران (خلاصة تاريخية الترجمة العربية...ص 123) في تموز عام 1629 زار البطريرك ايليا إثنان من الرهبان الفرنسيسكان فرانسيسكو كوارسمينو وتوما الميلاني وجرى الحديث عن المُعتقد والإيمان، وباسلوبٍ تزمُّتي وفكر تخلُّفي أدلى ايليا الثامن بتصريحات مناهضة للمعتقد الكاثوليكي دَلَّت على مدى بعده عنه، وما لبث أن ناقض نفسَه بنفسه حين قال: إنَّ ايمانه لا يختلف عن ايمان الرومانيين بل هو ذاته، وقد أرسِلَت صورة هذا الإيمان مراراً عِدة الى روما وكانت روما بدورها تؤيدها. وأبدى إصراراً أمام الراهبَين المذكورَين بقوله: إنَّ مريم ليست ام الله، بل هي مُجرَّد ام إنسان، وإنَّ هذا الإيمان الذي تشبَّثَ به أسلافُه البطاركة هو ايمان شعبه وسيظل كذلك، وهو على بساطته مستعِدٌّ للتضحية بكُلِّ شيءِ في سبيله، وأضاف ايليا: وإن كان البعضُ قد تحوَّلوا عنه فلم يكن ذلك إلا ظاهرياً، والذين نبذوه في روما إنما فعلوا ذلك شفهيا وليس قلبياً، حفاظاً على مصالحهم الشخصية، ولما عادوا الى بلادهم، عاشوا ايمانهم النسطوري مجدَّداً وماتوا عليه. فلا صحة لمزاعم البعض بأن هذا البطريرك المتلوِّن الوجوه والمتخلِّف بثقافته قد عاش ومات كاثوليكياً، وفشل مهمة الراهبَين الفرنسيسيَين معه عام 1629م تشهد على تخبُّطه الإيماني، بالرغم من أنَّ يوسف السمعاني يؤكِّد بأن ايليا الثامن بعث برسائل عديدة الى روما عن طريق الرهبان الكبوشيين الذين كانوا في دياربكر.
يقول بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 194) قضى البطريرك ايليا الثامن نَحبَه في 8 حزيران 1660م في الأحد الثاني من سابوع الرسل، مات نسطورياً والدليل على ذلك صورة ايمانه المنقوشة على قبره في دير الربّان هرمزد. فخلِفَه وراثياً إبنُ أخيه يوحنا مروكي وله من العمر خمسة عشر عاماً، واتَّخذ اسم ايليا التاسع. يذكر تيسيران (خلاصة تاريخية الترجمة العربية...ص 123) في 22/ ت2 1669م كتب رسالة الى البابا اقليميس التاسع حملت توقيعه وتواقيع ثلاثة من اساقفته، يُكرِّر فيها مطاليب سابقة منها: إنشاء مدرسةٍ في روما لتهذيب وتثقيف المُرشَّحين من الشباب الكلداني للكهنوت، وتخصيص مُصلَّى لطقسه في اورشليم. يقول الأنبا (ش.جميل ص 538-540) بأنَّ الكاهنَين بطرس ومرقس اللذين أوفدهما الى روما لمتابعة هذا المسعى، وقعا بأيدي القراصنة، فالتمس البطريرك ايليا التاسع من البابا مدَّ يد المساعدة لهما في مِحنتهما. فكانت مثل هذه الأحداث غير مشجِّعة لتثبيت علاقات ضرورية ومتواصلة لديمومة الوحدة.

وبعد مرور بضع سنواتٍ على هذه الرسالة، حدث أنَّ مطران دياربكر النسطوري ينبذ مذهبَه النسطوري رسمياً عام 1672م بتأثير من المُرسَلين الكبوشيين، فجُنَّ جنون البطريرك ايليا التاسع واتَّخذ منه موقفاً عدائياً صلباً وشَنَّ عليه اضطهاداً شديداً، وفي ذات الوقت تخلّى كلِّياً عن مسألة الإتحاد مع روما. وهكذا نرى بأن البطاركة الذين استقروا في دير الربّان هرمزد عادوا الى النسطرة ثانية واستمرّوا فيها حتى بداية القرن التاسع عشر.

من أسباب انسحاب البطاركة الشمعونيين من الإتحاد الإيماني مع روما: قوة الضغوط التي تعرَّضوا لها من داخل الطائفة النسطورية، الى جانب الظروف السياسية غير المؤاتية. ولشدَّة تزمُّت النساطرة بمذهبهم الذي تتمثَّل فيه القومية والدين معاً، كانوا يتوجسون خوفاً شديداً من أن اتحادهم مع كنيسة روما الكنيسة الجامعة سيكون خطراً على مُعتقدِهم المشرقي قد يصهر كيانهم ويُغيِّب قومية "امتهم النسطورية" التي كما قلنا تُختزل فيها بالنسبة إليهم القومية والمذهب، إذ لم يكن الإنكليز قد عثروا عليهم بعد، ليُنعموا عليهم بالقومية الآثورية التي لم تخطر في بالهم يوماً قبل مجيء الإنكليز الى ديارهم في المنطقة الجبلية التي تُدعى "هيكاري".
 
فبعد قطع شمعون الثالث عشر العلاقة مع روما وإقامته في قوجانُس، أصبح للطائفة النسطورية بطريركان الجالس منهم في قوجانُس والجالس في الموصل. والأمر الذي يدعو للإستغراب بأن البطاركة الشمعونيين أتباع يوحنان سولاقا المُرتدّين الى النسطرة هم الذين أعادوا العمل بقانون توريث المنصب البطريركي، بينما بطاركة الموصل الإيلاويين نبذوا ذلك القانون واتبعوا نظام الإنتخاب. وظلَّ البطريركان النسطوريان يتنافسان للتقرُّب من روما، وأجريا العديد من المُحاولات في هذا السبيل وكُلٌّ منهما على انفراد. لا نستطيع الجزم بعدم نزاهة المُحاولات، ولكنَّ جهل الإكليروس النسطوري عموماً من أعلى مستوياته الى أدناها بالعلوم الدينية وخاصة اللاهوتية منها والعقائدية، الى جانب العصبية القبلية المتحكِّمة بالشعب الإنعزالي، احبطت هذه المُحاولات. فكان الذين ثبتوا على المذهب الكاثوليكي من الإكليروس والعلمانيين هم الذين تثقَّفوا دينياً على المُرسَلين الغربيين. وعلى العكس فإنَّ النساطرة الإنعزاليين المُنزوين في المناطق الجبلية الوعرة العاصية المعدومة من السلطة الفعلية، فضلاً عن أنَّ الوصول إليها يتطلَّب إمكانيات مادية كبيرة، ظلَّت متقوقعة في نسطرتها تدور في دائرة الإنعزال والجهل تحت الحكم العشائري الذي يُمثِّلُه البطاركة الشمعونيون المُرتدون عن الخط السولاقي. ولذلك كان المدُّ الوحدوي يجد طريقه بسهولة في المناطق السهلية، كسهل الموصل، وادي دجلة، منطقة سلماس وسواحل بحيرة اورميا. وبدأ البطاركة الإيلاويين بالإنضمام الى الوحدة مع روما بتأثير احتكاكهم بالمُرسَلين الغربيين في دياربكر والموصل.

وفي معرض الحديث عن البطريرك ايليا التاسع مروكي، قلنا بأنه كان من عائلة البطريرك ايليا الثامن والأقرب إليه، ولذلك أقيم ناطوراً لكُرسيِّه، فلدى وفاة الأخيرعام 1660م خلفه وراثياً في ذات السنة وهو في الخامسة عشر من عُمره باسم البطريرك ايليا التاسع. ولما كانت العلاقات بين روما وخلفاء البطريرك سولاقا الشمعونيين تمُرُّ في مرحلة البرود بعد شمعون التاسع دنحا تحرَّكت روما نحو مُنافسيهم البطاركة الإيلاويين لكسبهم، حيث جاء في سجل (تاريخ أحداث الكرمليين في بلاد فارس ، لندن، 1939 المجلد 1 ص 391) بأنَّ روما أوعزت الى الأب دينِس الكرملي والقس يوسف الملفان عام 1653م ليُقابلا ايليا الثامن ويحُثّانه للإنضمام الى الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، فكان موقفه عنادياً بعيداً جداً عن الإتحاد مع الكرسي الرسولي، ولم يختلف عن موقفه الذي أبداه للراهبين الفرنسيسكانيين فرانسيسكو كوارسمينو وتوما الميلاني عام 1629م، ولكنَّ ارجديل كنك في (طقوس المسيحية الشرقية المجلد2 ص 284) يقول بأنه في عام 1657م أبدى ايليا الثامن رغبته في الإتحاد مع الكنيسة الجامعة مُقابل حصوله على كنيسةٍ في روما، وإعادة صورة ايمانه بدون أيِّ تعديل. والى الجزء السادس والثلاثين قريباً.
الشماس د. كوركيس مردو
في 5 / 8 / 2015