الحدث الساخن لطفولة مغتالة في حكايات لبدتها الغيوم


المحرر موضوع: الحدث الساخن لطفولة مغتالة في حكايات لبدتها الغيوم  (زيارة 1332 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 948
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


الحدث الساخن لطفولة مغتالة في حكايات لبدتها الغيوم
عرض: كريم إينا

صدر للكاتب والصحفي سامر الياس سعيد من الموصل كتاب بعنوان: حكايات لبدتها الغيوم من منشورات المركز الثقافي الآشوري/ دهوك 2015 تصميم الغلاف أبي عصام ويعقوب نزار. الكتاب من القطع المتوسط يقع في (104) صفحة يضمّ في طياته على فهرست يحوي إحدى عشرة حكاية عن بلدته الموصل مّما أشار بها بمقدمة تركزت على علامات لسقوط مدينة الموصل بدأ بالحكاية الأولى ليلة نجومها رصاص والتي عنوانها كاد يسبق مضمونها لإثارة القارىء. سعى الياس نحو ظهيرة يوم الخميس في 15 حزيران التي كانت تنذره بالشؤم من قبل غراب أسود ماكر بدأ يتجول كعادته في أزقة الموصل وهو يشمّ رائحة التعب والحزن وهو يتأمل تفاصيل لوحة لم تكتمل بعد لمداواة جراح أبناء جلدته. كان ذلك في شهر حزيران القاسي لأنّ ثمّة خطب ما يقلق بلدته إثر غزو لقضاء سامراء ثمّة أفكار ترافقه كمنع التجوال وحزم الحقائب للمغادرة قاصداً الأمان والإبتعاد عن المواجهات. كان الصمت عنواناً عندما أذاعت قناة (سما الموصل) الفضائية والمملوكة لمحافظة نينوى قبيل سقوط الموصل تدعو ضباط ومراتب الجيش العراقي السابق للتوجه إلى المحافظة لغرض التطوع والدفاع عن المدينة. كانت رؤية الكاتب سامر قد أفرزت علامات الإستفهام حول لجوء المحافظ لهذه الدعوة. وفعلاً خبر الصدمة أعلن سقوط المدينة بيد التنظيم ما يسمى داعش على الجانب الأيسر بعد مقاومة ضعيفة من قبل الجيش والشرطة. وظلّ سامر يسرد الحدث كحلقة وصل ما بين النفق وجامع هيبة خاتون ولحد محطة تعبئة الثقافة لتلك الجثة الهامدة التي ينسالُ منها اللون الأسود من الدم دلالة على تحول تاريخ المدينة إلى الأسود. ويؤكد الكاتب بأنّ عجلة الهمر التي كانت ترابط في حي المهندسين قرب كنيسة مار بولص والتي إختفت بإختفاء طاقمها وهروب العسكريين بسرعة تلقيهم الأمر وإستجابتهم لذلك النداء والشيء الغريب الذي تبيّن هو التخلي عن الملابس العسكرية وإرتداء الدشداشة لغرض التخفي والهروب من أجل الخلاص بأنفسهم. وقتها أزمة الوقود كانت تزداد بطوابير لا تعرف بداية ولا نهاية لها بسبب حركة النزوح الطارئة للعوائل ويصف هنا الصحفي سامر جشع السواق ومقالاتهم في إستثمار الأزمة لصالحهم. والذي أزاد في الطين بلّة هو هروب مجاميع من السجناء من سجن بادوش حيث بدأت عمليات نهب المصارف والمؤسسات الحكومية وإضرام النار فيها وتحويلها إلى ركام ممّا حدا بأهالي الموصل أن يندبوا حظّهم لضحاياهم لمشروع صمت غريب من قبل الدولة حيث اللا أمان والداء قد إستفحل بالجسد الموصلي. الإعتقالات بدأت بشكل يومي تطال المئات من الأشخاص وسقوط شهداء مثل رئيس طائفة الكلدان مار بولص فرج رحو. لقد تفنّن الكاتب والصحفي سامر سعيد الياس بالقصة الخبرية التي تكاد حالة فريدة من نوعها في منطقة سهل نينوى لما حملته من معاناة وتحليلات خبرية وإقصاءات وإعتراضات. أمّا حكايته الثانية وصايا لزمن قادم بدأت الرحلة إلى قضاء الحمدانية حيث الأمان والسلام كونها كانت تتمسك بسلطة الحكومة وقوات البيشمركة، وأضاف بأن بدأت عناصر الجيش تمنع مرور المارة من أمام الكنائس والحواضر التي كانت تعيش حالة إنذار دائمية ودور الشباب العاطلين عن العمل الذي إنظموا وبايعوا نظام داعش لإستعراض العضلات والتفتيش عن المطلوبين في الموصل. أمّا الحكاية الثالثة التي إتّسمت بتوتر الحياة بسبب إرتفاع درجة الحرارة وسوء الخدمات المقدمة دلالة على بدايات نفوذ التنظيم داخل البلدة بعد غياب الحكومة. تم فقدان الكهرباء والماء والإنترنيت وعلى حدّ قوله تم فقدان التواصل مع شركات محددة ومأساة نزع الصليب من الكنائس حيث بقيت الدوائر الحكومية مغلقة وعليها عبارات كتبت على مداخلها ممنوع الدخول بأمر الدولة الإسلامية حيث تحولت الموصل إلى بؤرة لتجمّع النفايات بعدها تطرق الكاتب للحكاية الرابعة التي في ما فحواها ما الذي يرغمك وهي مرحلة التخلص من الحواجز الكونكريتية التي كانت جاثمة على صدور الموصليين ورغم ذلك الشخصية الموصلية بقيت تحملُ نفساً إقتصادياً لتخفيض تعريفة النقل مقارنة بالمساحة القصيرة وبعدها تنطلق الحكاية الخامسة لتماثيل تغادرُ مستقرّها وهي تبثُ الإطمئنان في نشر الأخبار لغرض إيجاد بصيص أمل لأزمة المدينة وهي بنفس الخط لما جرى لبعض المدن السورية التي كانت تحت سيطرة التنظيم وما جرى لتمثال الشاعر (أبي تمام) الذي تنقل عبر العديد من المواقع في المدينة وشاخص قبر البنت الذي تساوى مع الأرض وتدمير تمثال سيدة دجلة وتمثال الملا عثمان الموصلي وتفجير جامع النبي يونس وجامع النبي جرجيس والنبي شيت وتمثال القديس مار كوركيس المصنوع من مادة البرونز في الدير.أمّا عن الحكاية السادسة أطلق عليها الكاتب طفولة تغادرُ أعشاشها وهنا بيّن بأنّ مرحلة الطفولة والبراءة تكاد تغتال أي بمعنى الطفولة بدأت تضيع وسط جهل الآخرين. لذا وجد المستقبل نفسه أمام منعطفات خطيرة تكاد هذه الحكاية مختلفة عن مثيلاتها لما تصوّر من جزّ الرؤوس والرجم وإلقاء الأشخاص من المباني العالية وبدأت مرحلة الحكاية السابعة المراقبة والتواري لما أفرزت من مناخات وأجواء ما كانت تعيشه الموصل ورغبة داعش في إثارة الرأي العام وتحشيد الغضب ضد الحكومة بعد إلصاق عبارات حيث المجاهدين ومعسكر أبي عبد الرحمن البيلاوي ومسألة قصف الطائرة الحربية المحلات القديمة القريبة من الجسر القديم. أمّا الحكاية الثامنة إستكشاف آخر لمدينة العمر ما جرى لمدينة الموصل من تغيير جعلها بعيدة عن التمدن والتطور بسبب غياب الأمن فبدأ الإغتيال لبعض الأشخاص وإثارة الذعر في نفوس الآخرين وإستثمار الإزدحام من أجل التواري والإختباء. وتظهر الحكاية التاسعة ليلة قبل الترحيل التي تحملُ الكثير من الملامح حيث كان هدف عناصر التنظيم الضغط على رؤساء الطوائف المسيحية من أجل الرضوخ لشروط قياديي التنظيم لتحديد مبلغ الجزية وهكذا إستمرت المعاناة بأهالي الموصل بسقوط العبوات والسيارات المفخخة على الأبرياء. فإندمجت الحكاية العاشرة كتلويحة لحياة مضت هنا سيطر التنظيم على جانبي الموصل الأيسر بصورة كاملة حيث عشرات السيارات قرب فندق الموصل تحولت إلى ركام ومن هنا بدأ نفق الأزمات المتتالية. ليس من بوادر تؤشر عن فرج قريب ينتظرهُ أبناؤها واليأس بدأ يتسرّب إلى أغلب القلوب وما زال المستقبل يلتمع في حدقات عيون الأطفال. وتلينا الحكاية الحادية عشر للصحفي سامر تحملُ عنوان أفكار في مواجهة المحنة. إنّ سيطرة داعش كان لها أثراً ملموساً على واقع الثقافة السريانية لما سيطر على الكنائس والمؤسسات الثقافية حيث حزمت القابليات الثقافية حقائبها للسفر خارج البلد وبعد إقرار قانون اللغة السريانية حدث العجب بظهور جماعات متشددة لم تتقبل فكرة التعايش مع الآخر لا بل العمل على طرده ومهما إزدادت التضحيات سوف يعبّد الدرب أمام الأجيال اللاحقة وبهذا الأمل الضعيف يؤكد الكاتب بأنّ ثقافتنا السريانية تبدو على مفترق طرق وقد زيّن الكاتب حكاياته بصور وملحق خاص يوثق عمليات إستهداف الكنائس والأديرة في نينوى إنّه لجهد خير لكشف ووصف مدى بشاعة الظلم من قبل تنظيم مقيت حلّ بأرض الأنبياء ومدى نزاهة الحرية التي تركض وراء التنظيم لتطهيره من معتقداته المدنّسة وما شاهدهُ وكتبهُ وسط أحوال خطرة في الموصل حيث كان مراقباً جيداً للأحداث وعرّض نفسه للخطر فكان هذا المولود ثمرة جهده الطيب كلائحة أو وثيقة تاريخية مثبتة تعرض أمام الأجيال القادمة سواء كمسلسل تلفزيوني أو فلم وثائقي تاريخي يعرّي غطرسة المتطرفين والإرهابيين جميعاً. أتمنى له الموفقية والعطاء المزدهر لخدمة الثقافة الأدبية والإنسانية جمعاء.