الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن


المحرر موضوع: الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن  (زيارة 2311 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 556
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن
الجزء السادس والثلاثون

87 - البطريرك ايليا التاسع 1660-1700م
وبعد وفاة ايليا الثامن خلفه كما ذكرنا أعلاه ايليا التاسع، يظهرأنَّ هذا البطريرك أبدى رغبة في مفاتحة روما، فبعث برسالة الى الحبر الأعظم اقليمس التاسع بتاريخ 22/ت2/ 1669 ضمَّنها صورة ايمانه حملت توقيعه وتواقيع ناطور كُرسيِّه شمعون وثلاثة مطارين هم: يوسف مطران آمد"دياربكر" وعبديشوع مطران الجزيرة ويوحنا مطران سعرد بحسب بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 234) وأورد في رسالته ما تمَّت الإشارة إليه لدى الحديث عن سلفه ايليا الثامن في الفصل الثالث عشر من هذا الكتاب، حيث اكتشف المسؤولون في روما بأنَّ ايليا التاسع غير صادقٍ بما جاء برسالته، فلم تنطلي عليهم حيلته. وبالفعل كان حدسُهم صحيحاً وثَبُت لديهم عند قيامه باتخاذ إجراءات تعسُّفية ضِدَّ الذين أعلنوا انضمامهم الى الوحدة من أتباعه النساطرة ولا سيما في دياربكرالداخلة ضمن الوحدة منذ عهد شهيد الإتحاد يوحنان سولاقا وحتى عهد مطرانها طيمثاوس.
لعب يوحنا مطران دياربكر النسطوري دوراً قذِراً، عنيفاً وغير مُشَرِّفٍ ضِدَّ الكلدان المتحدين مع روما هادفاً تقوية موقف النساطرة فيها، وبدوره ايليا التاسع لم يذَّخِر وسعاً ولا بخل بجهدٍ من أجل القضاء على الكثلكة في دياربكر مركزها القوي، حيث جُنَّ جنونه عندما انضمّ المطرانُ يوسفُ النسطوري خلفُ يوحنا الى الوحدة، نابذاً النسطرة عام 1672م بتأثير من المُرسَلين الكبوشيين، فناصبَه العِداء وأثار عليه اضطهاداً قاسياً، مؤلباً عليه السلطات العثمانية الحاكمة في آمد عن طريق الرشاوى، والإيقاع بالكاثوليك متهماً إياهم بالولاء لأوروبا الغربية المسيحية، وكانت في هذه الغضون قد اندحرت الجيوش العثمانية امام قوات التحاف الأوروبية الغربية على أبواب فيينا في المعركة الحاسمة بتاريخ 13/9/1683م فتقهقرت جارة أذيال الخيبة والفشل، وبذلك انتهى الزحف الإسلامي العثماني لغزو اوروبا الوسطى. إن هذه النكسة التي مُنيت فيها الدولة العثمانية العاتية والشديدة التزمُّت بالإسلام، انقلبت الى نقمةٍ كبرى على المكونات الصغيرة العائشة تحت حُكمها وبخاصةٍ المُكوَّن المسيحي منها.
ولم يزل ايليا التاسع مروكي مُنهمكاً بإصرار وبسعيٍ دائم على اضطهاد الكاثوليك في دياربكر وغيرها من مناطق تواجدهم، حتى إنَّه أهمل تماماً الإهتمام بشؤون رعاياه الآخرين المتواجدين في اورشليم والهند، لم يُسعفهم بتلبية طلباتهم المتكررة والمُلحة بإرسال اساقفة ليتولون تسيير امورهم الدينية، وإذ أخذ منهم اليأس اضطرَّ قسم من النساطرة في ملَّبار للوقوع في أحضان المونوفيزيين، والقسم الآخر انضمَّ الى اللاتين، أما الذين في اورشليم فقد تحوَّلوا الى الطقس اللاتيني وحتى ممتلكاتهم انتقلت الى اللاتين.

88 – البطريرك ايليا العاشر 1700-1722م
بحسب ما ورد في (ذخيرة الأذهان ج2 ص 314-315) بأن ايليا العاشرهو إبن شقيق ايليا التاسع، وتسلَّم الكرسيَّ البطريركي عن طريق قانون الوراثة، وعلى غِرارعَمِّه كان شديد التعصُّب للمذهب النسطوري، وبالرغم من الإضطهاد الذي كان يتهدَّد الكلدان المتحدين مع روما، فإنَّ عددَهم كان مستمرّاً في الإزدياد في الموصل وضواحيها خلال عهده. ومن بين أشهر الذين انضموا الى الوحدة كان القس دانيال بن آدم الألقوشي، وتمَّ ذلك حين توجَّهَ الى زيارة الأماكن المقدسة وفي طريقه إليها مَرَّ بمدينة دياربكر، وشاهد عن كثب ما يبذلُه الكلدان من النشاط الدؤوب والغيرة المتقدة في نشر المُعتقد الكاثوليكي، فانبهر وانضمَّ إليهم. وعلى إثر ذلك أثارايليا العاشر اضطهاداً عليه، فما كان منه إلا تركَ بلدته والهجرة الى دياربكر، وبعد وفاته خلفه إبنُه حكيم الذي كان يُتقن مهنة الطب، فتبرَّع بعمل الخير في دياربكر وأطرافها، الى جانب الدفاع عن المعتقد الكاثوليكي.
وفي السنة الأخيرة من عهد ايليا العاشر، قام بعض الأشرار بالسطو ليلاً على دير الآباء الكبوشيين في الموصل بموقعه الجديد القريب من دجلة حيث كان قد انتقل من موقعه القديم في محلة ماراشعيا، فنهبوه وقتلوا رئيسَه الأب بطرس الكبوشي وذلك في عام 1722م. فتولّى أمرَ دفنه أبناء آل الجليلي في مقبرتهم في فناء كنيسة شمعون الصفا في محلة الميّاسة بالموصل. ونتيجة لهذا الحادث الإرهابي، أنهى الكبوشيون نشاطهم الرسولي في الموصل (مجلة بين النهرين العدد 91-92 لعام1995م ص 277). وفي عهد ايليا العاشر أيضاً انتشر وباء الطاعون في البلاد وأهلك عدداً كبيراً من الناس. أما وفاتُه فتمَّت في 4/ ك1 /عام 1722م، ودُفِن في دير الربّان هرمزد.

89 – البطريرك ايليا الحادي عشر 1722-1778م
كان البطريرك ايليا الحادي عشر قد أقيمَ ناطوراً لكُرسيِّ سلفه ايليا العاشر، وكان يُدعى ايشوعياب، وبحسب قول الأب بطرس نصري (ذخيرة الأذهان ج2 ص 367-370 و394-395) بأَّنَّه بعد موت ايليا العاشر تولَى ايشوعياب الرئاسة البطريركية خلفاً له في 25/ ك1/ 1722م وهو في ربيعه الثاني والعشرين، وقد حظيَ ذلك بتأييد وجوه الطائفة النسطورية في الموصل والقوش، واتخذ اسم البطريرك ايليا الحادي عشر، تميَّز عهدُ بطريركيته بكونه أطول العهود في تاريخ الكنيسة حيث امتدَّ الى 56 عاماً، إتَّصف بالعنف تُجاه الكلدان في باكورة عهده، وبدعم من السلطات المدنية الحاكمة شَنَّ عليهم اضطهاداً ظالماً وقاسياً ولا سيما في الموصل، وكان مردودُ هذا الإضطهاد ايجابياً بالنسبة للكلدان، حيث كان عددُ المُنتمين من النساطرة الى الوحدة يزداد بشكل غزير ومُطَّرِد، فتنبَّه له البطريرك ودفع به الى إعادة النظر في خِططِه وممارساته.

ومن أجل ضمان بقاء الشعب تحت كنفه وطاعته يقول الأنبا ش. جميل (كتاب العلاقات ص 390-391) قام ايليا الحادي عشر يسلك طريقاً من شأنه أن يقوده الى الإتحاد مع روما، ففتح باب التفاوض مع المُرسلين اللاتين المتواجدين في بغداد وحلب، وأتبعه بمراسلة مجمع انتشار الإيمان، وقيل بأنَّ المُفاوضات كانت مُعقَّدة وطويلة. وفي الأخيرانتهى البطريرك في عام 1771م الى صياغة صورة ايمانه، وقام بتوقيعها هو وابن أخيه ايشوعياب المُقام ناطوراً لكُرسيِّه. ويبدو أن ايشوعياب كان ذا طموحات انتبهَ إليها عَمُّه البطريرك فأعفاه من منصب ناطور الكرسي، مستبدلاً إياه بابن أخيه الآخر يُدعى يوحنا هرمزد حيث رسمه كاهناً عام 1772م في دير الربّان هرمزد وهو فتىً يافعاً لم يتجاوز الإثني عشر عاماً. وبعد مرور أربعة أعوام، منحه الدرجة الأسقفية في 22/ أيار/ 1776م وأقامه مطراناً وعيَّنه ناطوراً للكُرسيِّ البطريركي الى جانب الأحقية بالخلافة!
ومن الذين اهتدوا الى الكثلكة في الموصل وأشهرهم في عهد البطريرك ايليا الحادي عشر كان القس خدِر بن هرمز المقدسي الموصلي بتأثير من اندراوس اسكندر القبرصي الماروني المُرسَل الى المشرق لغرض شراء الكتب القديمة ونقلِها الى الفاتيكان. كان القس خِدِر يسكن في محلة ايشوعياب، ولها رُسِم قسيساً وعُهِدَت إليه إدارة مدرستها وأدارها لمدة ثلاثين عاماً تقريباً، وتخرَّج على يده الكثير من التلاميذ الذين كانوا يأتونه من القرى التابعة للموصل وكركوك وبغداد وصاروا كهنة وشمامسة خدموا الكنيسة النسطورية. وكان من بين التلاميذ المتردِّدين الى مدرسته واحدٌ من أبناء شقيق البطريرك. وإنَّ قراءة القس خِدِر لكتاب "المرآة الجلية" تأليف البطريرك الكلداني يوسف الثاني آل معروف زوَّدته باستنارة كبيرة، وكذلك تأثّره الكبير بالمُرسَل الماروني الأب اسكندر المُشار إليه، فقد حثَّه للجَّهر بالمُعتقد الكاثوليكي، فباشر بتعليم تلاميذه حقائقَ ذلك الكتاب، فصَبَّ البطريرك ايليا الحادي عشر غضبه على خِدِر في البداية، وإذ لم ينفع الغضبُ معه، سعى الى ملاطفته، ولكنَّه فشل معه أيضاً، فعمد الى تخويفه والتهديد بسجنه، عندها دبَّرَ القس خِدِرأمرَه وفَرَّ الى روما عام 1725م، وهناك انكبَّ على الدراسة والتأليف. ومن نتاجاته "كتاب الترجمان" الذي أخرجه باللغتين الكلدانية والعربية، ونظم قصائد بالكلدانية والعربية امتدح فيها العذراء مريم والكنيسة الكاثوليكية والحبر الأعظم، كما وضع العديد من التعازي والمداريش. ترجم الى العربية كتاب"مدخل العبادة" تأليف القديس فرنسيس دي سالس، وأدركه المنونُ في روما عام 1755م. والى الجزء السادس والثلاثين قريباً.

90 – البطريرك ايليا الثاني عشر 1778-1804م
وفورَ وفاة البطريرك ايليا الحادي عشر برزَعلى ساحة الخلافة البطريركية خلافٌ حادٌّ بين إبنَي أخويه الطامحَين الى الرئاسة الكنسية العليا هما: ايشوعياب دِنحا والشاب يوحنا هرمزد البالغ آنذاك الثامن عشر عاماً. ولم يدع ايشوعياب أن تفوته الفرصة، فأسرع وأعلن عن انضمامِه الى الإتحاد الإيماني مع روما، وتبوّأ الكُرسيَّ البطريركي، ولاذ المُرسَلون الغربيون بالصمت غير مُبدين أيَّ نوع من الإعتراض، ومن جانبه يوحنا هرمزد أخلى ذاته من المنصب الذي كان من حقِّه شرعاً متنازلاً عنه لإبن عَمِّه ايشوعياب. فغدا ايشوعياب بطريركاً بلقب ايليا الثاني عشر ايشوعياب. ويظهرأن ايشوعياب هذا لم يكن صادقاً بإعلان انضمامِه الى الوحدة الإيمانية مع روما، بل كانت خدعة لإحتلال المنصب البطريركي، والدليل على ذلك تراجعه عن قراره وعودته الى مذهبه النسطوري القديم حال حصوله على الفرمان من السلطان العثماني.

وإزاء هذا الموقف الخياني لم يسكت وجهاء الموصل المسيحيون، فاجتمعوا وبدعم من الآباء المُرسَلين ومباركتهم، أقالوا ايشوعياب المُحتال من منصبه، وأجمعوا على انتخاب شمعون مطران ماردين للمنصب البطريركي، إلا أن شمعون اعتذر عن قبول المنصب بحجة عدم استعداده للقيام بأعبائه الخطيرة ومسؤولياته الضخمة في ظِلِّ تلك الظروف غير المؤاتية. فوقع اختيرُهم إذ ذاك على مطران الموصل الشاب يوحنا هرمزد. كان ليوحنا هرمزد ميلٌ مُبكِّرٌ نحو الكاثوليكية لم يستطع الإفصاح عنه في حياة عَمِّه البطريرك، وفي اليوم الثاني لوفاة عَمِّه وفيما كان إبن عَمِّه ايشوعياب يستعِدُّ للجلوس على الكُرسيِّ البطريركي، كان يوحنا هرمزد يُعلِن عن نبذه للنسطورية مع جمع غفير من مؤيديه وانضمامِه الى الوحدة الإيمانية مع روما. وهنا بدأ الآباء المُرسلون الذين كان لهم باع طويل في تبلور هذه المسألة، يحثُّونه ليُرسل صورة ايمانه الى مجمع انتشارالإيمان، وقد فعلَ مُرفِقاً معها رسالة مُضمِّناً إيّاها خضوعه للكُرسي الرسولي بشخص الحبرالأعظم. بيدَأنَّ الكُرسي الرسولي لم يعترف بعملية انتخابه بطريركاً جرت بدون معرفته بها، قام بها وجهاء الموصل مدعومين من السلطة المدنية الحاكمة. وبهذا الصدد بعث برسالة الى الأب رفائيل تركونسكي رئيس إرسالية الموصل مُعلِماً إياه فيها، بأنَّ صورة ايمان يوحنا هرمزد مُرضية، ومُعلناً بطلان انتخابه للمنصب البطريركي. ولكنَّ أعضاء مجمع انتشارالإيمان في اجتماعهم العام الذي عقدوه في 18/2/ 1783م التمسوا من الحبرالأعظم بيوس السادس تعيين يوحنا هرمزد رئيسَ اساقفة للموصل ومُدبِّراً لبطريركية بابل، فوافق الأب الأقدس، فمنح مجمع انتشارالإيمان يوحنا هرمزد جميع السلطات المطلوبة، باستثناء لقب البطريرك وما يترتب له من شارات.

في هذه الفترة شهدت حركة الإتحاد الإيماني مع روما زخماً من الإنتشارواسعاً في بغداد وفي الموصل والقرى التابعة لها، وظهر في ذات الوقت تياراران فكريان في الكنيسة الكلدانية ولا سيما في الموصل، يَختلفان في توجِّههما الليتورجي هما: التقدميون الذين ينشدون التغيير، حيث كانوا يسعون ليس الى إجراء التحديث على الطقوس والرُتب القديمة السائدة بل الى استئصالها، والإستعاضَةِ عنها بطقوس ورُتبٍ وعادات لاتينية غريبة، أما المحافظون فلم يكن يرغبون بتغيير طقوس ورُتب آبائهم وأجدادهم بل تحديثها بحيث لا تتعارض مع المعتقد القويم والإيمان الحق. وكان يتزعم التيار التقدُّمي آلُ بيت الحلبي والتيار المحافظ يتزعَّمُه الشماس كيوركيس الصائغ وأفراد عائلته. إن الشماس المذكوركان من مواليد الموصل في منتصف القرن الثامن عشر، ذا ثقافةٍ جيدة وتهذيبٍ حسنٍ، لم يبخل في بذل جهدٍ كبير لإستمالة البطريرك النسطوري ايليا الثاني عشر ودفعِه الى عقد الوحدة مع روما من خلال عمانوئيل مطران اللاتين في بغداد. وقيل بأنَّ للشماس كيوركيس هذا رسالة طريفة حرَّرَها عام 1783م ضمَّنها تنديداً شديداً بتيّار التقدُّميين، مُنحياً عليهم باللائمة بسبب ميلهم غيرالمُنظم الى الطقوس الغربية نابذين بعضاً من طقوس أسلافهم الأصلية القديمة، مُخالفين بذلك تشديد الكنيسة للحِفاظ عليها حِرصاً على ما يتوفر فيها من غِنىً روحيٍّ وفكر لاهوتيٍّ سامي. وقد سبَّبَت هذه الخلافات تأخيراً في مسار الإتحاد وحدَّت من سرعة انتشاره.

أزمة بين يوحنا هرمزد والمُرسَلين
وبالتنسيق مع المُرسَلين أبدى يوحنا هرمزد نشاطاً رسولياً كبيراً وباندفاع وغيرة، ناشراً الكثلكة عن طريق الوعظ والإرشاد، وكان مجمع انتشار الإيمان يُتابع جهوده من خلال ما يُزوِّدَه به المُرسَلون، حتى أنَّه فكَّر بمنحه بطريركية آمد "دياربكر" بعد استقالة البطريرك يوسف الرابع، رغبةً منه في توحيد كافة المنضمين الى الإتحاد الإيماني مع روما تحت سلطةٍ رئاسية واحدة. لكنَّ هذا الإجراء أفشلته الجماعة الكلدانية الكبرى في دياربكر، رافضة الخضوع لواحد من أبناء العائلة الأبوية، متهمة يوحنا هرمزد بأنَّ النسطورية معشعشة في داخله. وبعد مرورعقدٍ من الزمن طافت على السطح ازمة عكَّرت العلاقات بين المُرسَلين وبين يوحنا هرمزد، حيث راح المُرسَلون يتذمَّرون منه وينسبون إليه شتى التُهم، مثل قبوله الرشاوى حيث قالوا عنه بأنَّه حَلَّ راهباً من نذوره مقابل مبلغ من المال، وبعدم سماحه باختيار الحياة الرهبانية، وبمرافقته الباشا قبّاذ الى الحرب، وبمشاركته بوليمة العرس بعد احتفاله بمراسيم الزواج، وبزيارة العوائل منفرداً والكثيرمن المعايب الأخرى التافهة... وكان هو أيضاً بدوره يُوجِّه للمُرسَلين اللوم على تصرُّفاتهم الإستعلائية التسلُّطية، وبمنحِهم انواعاً مِن السماح الذي لا يُقِرُّه، ويحثّون البعض على تقديم اتهامات ضِدَّه الى مجمع انتشارالإيمان لقاء وعدِهم إياهم بالغفرانات الكاملة، وقد قام بدحض اتهامات المُرسَلين وطلب من مجمع انتشارالإيمان إرسال شخص نزيه لتقصّي الحقائق بهذا الشأن. وإزاء هذا التوتُّر القائم بين الجانبين، اضطرَّ المجمع الى إرسال الأب اولجانس الكرملي للقديسة مريم النائب الرسولي في بغداد زائراً رسولياً للكلدان. فتحرّى عن تلك الأمور في بطريركيتي بابل وآمد، وبعد انتهائه من مُهمته، أرسل الأب فولجانس تقريراً وافياً الى مجمع انتشار الإيمان، تضمَّن إشارة الى الروح الإستعلائية التي كانت تُساورالمُرسَلين لدى تعاملهم مع الأساقفة الشرقيين، كما أشار ايضاً الى وجود أخطاء في تصرّفات يوحنا هرمزد من النوع الذي نَوَّه إليه المُرسَلون في شكاواهم.

ولنأتي الآن الى رد فعل البطريرك ايليا الثاني عشرالمعزول "ايشوعياب بن دِنحا"، فإنَّه لم يستسلم للأمر الواقع ولم يُفرِّط بطموحه في العودة الى الرئاسة، فما إن سُحب البساط من تحت قدميه، حتى هرع واستجار باسماعيل باشا العمادية، ومن الجديربالذِكر بأن أبناء الأسرة الأبوية كانت تربطها علاقات وطيدة بباشاوات العمادية منذ زمن بعيد يستجيرون بهم عند المُلِمّات. فاحتضن اسماعيل باشا ايشوعياب المُستجير به، وعهد إليه إدارة الأبرشيات النسطورية الواقعة في المناطق الجبلية. ولكي يضمن ايشوعياب استمرار بقاء البطريركية بأبناء عشيرته، بادر الى رسم أحد أبناء أخيه يُدعى حنانيشوع مطراناً. ثمَّ بدأ وبدعم من الباشا اسماعيل بمناوئة إبن عَمِّه يوحنا هرمزد عن طريق التآمر والإيقاع به حتى تمكَّن من إلقائه بالسجن، وهناك تعرَّض للجلد عِدة مرات. ولكي تنجح محاولته لإستعادة ثقة المُرسَلين به ونيل تعاطفهم معه، أعلن عن نبذه للمذهب النسطوري، إلا أنَّ الآباء المُرسَلين يثقوا به. وحذا حذوه إبنُ اخيه حنانيشوع فنبذ النسطرة وأعلن انضمامَه الى المُعتقد الكاثوليكي عام 1795م بين يَدي النائب الرسولي الأب فولجانُس. بيدَ أنَّ حنانيشوع كان ذا طبع عنيف ومُشاغباً، مِمّا أفقداه ثقة الشعب به، وكذلك كان رأي الآباء المُرسَلين فأبلغوا مجمع انتشار الإيمان بانعدام وثوقهم بهذا المطران، فجاءَهم جواب روما برسالة في 22/ايلول/ 1801م تُعلِن فيها بأنها ليست على استعدادٍ لقبول هذا المطران في الكنيسة، إلا بعد أن يُبرهن بوضوح وبدلائل ملموسة عن توبته. ولكنَّ حنانيشوع لم يبالِ بما فرضه عليه المجمع المقدس بالرغم من تعهُّده بالخضوع للكرسي الرسولي، إذ قام في ذات السنة برسم القس بطرس شوريز مطراناً لسعرد. (بطرس شوريز كان إبنَ شقيق ميخائيل شوريز مطران ماردين، تمَّ استدعاؤه الى روما بعد الرسامة، ولم يُعترف بشرعية رسامته رغم البحث بها حتى عام 1810م. فعاد الى البلاد وأبدى نشاطاً ملحوظاً في نشر الكثلكة) أدرك الموتُ ايشوعياب عام 1804م، ودفن في مقبرة بدير الربان هرمزد (اثرٌقديم في العراق/ كوركيس عواد ج1 ص 41) وبعد تسع سنوات لحقه الى اللحد إبنُ اخيه حنانيشوع في عام 1813م.

وبعد كُلِّ ما جرى من أحدثٍ وصعوبات جاهد يوحنا هرمزد للحفاظ على علاقات جيدة مع الكُرسي الرسولي، إلا أنَّ أمراً طارئاً جَدَّ عام 1796م، كاد يعصف بتلك العلاقات معكِّراً صفاءَها، حيث قَدِم وفدٌ من ملَّبار الهند الى الموصل، وقدَّمَ التماساً الى يوحنا هرمزد ليُرسلَ لهم أساقفة كلداناً. فاستضاف يوحنا هرمزد القادمين الملّباريين، وطلب منهم انتظار التعليمات التي سأل روما بشأنها. ويبدو أنَّ التعليمات لم ترِده، فعزا سبباً لذلك احتلال الفرنسيين لإيطاليا وما يتعرَّض له الكُرسي الرسولي من اضطهادهم. وإذ طال انتظاره دون الوقوف على حقيقة الأمر، قرَّر اخيراً تلبية طلب الوفد الملَّباري، فرسم بولس بنداري الهندي مطراناً وأرسله بمعية كاهنين كلدانيين هما يوسف وهرمزد، فانضموا الى الوفد وسافروا الى بلادهم. وبعد وصولهم تمَّ إخبار روما في 17/ ك2/1797م بوصول مطران جديد إليهم، ويُحتمل بأنَّ روما رأت في ذلك عملاً مُخالفاً للقانون، بيدَأنَّ التبريرَالذي قدَّمه لها يوحنا هرمزد أقنعها وقبلت به، وعلى إثر ذلك عقد مجمع انتشار الإيمان اجتماعاً عاماً 23/9/1801 وقرَّر تلقيب يوحنا هرمزد "بطريرك بابل" كما يذكر الأنبا اسطيفان بلو (رهبانية القديس هرمزد والكنيسة الكلدانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر/ روما، 1939م ص 10... وعلى هذا الكتاب سنعتمد بمعلوماتنا في سردنا لأحداث هذه الفترة)
وإذ انتشرَالخبر، ثارت ثائرة خصوم يوحنا هرمزد، فقاموا ليس بتجديد الشكاوى المُقدَّمة ضِدَّه عام 1793م فحسب، بل تعدَّتها الى التشكيك في صدق ايمانه، مطالبين بعزله عن منصبه، ويلقون بذلك تأييداً من الآباء المُرسَلين لمطلبهم. ولتحقيق ما عزموا عليه انتدبوا عام 1802م كاهناً من تللسقف يُدعى يوحنا موشي للسفر الى روما ومتابعة موضوع عزله وعزل إبن شقيقِه المطران شمعون الذي نال الدرجة الأسقفية على يده في الخامس من ايار عام 1790م. (قتلت المطران شمعون عصابة كُردية قرب الزاب الكبير) ومن بين الإتهامات التي نُسبت الى يوحنا هرمزد: استيلاؤه على أموال الأديُرة، وايقافه الدعوات الرهبانية، وذلك قبل قيام الأب جبرائيل دنبو بتجديد الرهبانية الكلدانية الهرمزدية. إن القس يوحنا موشي توقَّف في صيدا ولم يستطع مواصلة السفر الى روما بسبب نفاذ المبلغ الذي كان بحوزته، فسلَّم رسائل مُنتَدِبيه المُوجَّهة الى مجمع انتشار الإيمان الى المُرسَل ليوبولد سبستيان الذي كان في طريقه الى روما، لقد أحدثت تلك الرسائل ردَّ فعل سلبي عنيف تُجاه يوحنا هرمزد الى الحد الذي أخذ مجمع انتشار الإيمان يتدارس مسألة رشقه بالحرم الكنسي منذ عام 1809م.
ولكنَّ أنصار يوحنا هرمزد لم يبقوا مُتفرجين دون حراك، فقد وجَّهوا رسالة الى مجمع انتشار الإيمان في 15/ ت1/1811م أظهروا فيها استياءَهم من تصرُّف المُرسَلين لنشرهم خبراً بأن راعيهم يوحنا قد عُزِل ورُشق بالحرم. وهكذا بدأت المُجابهة بين خصوم يوحنا ومؤيديه، وكُلٌّ من الفريقين يُدافع عن رأيه ومصالحه، وكانت مُرتبطة باعتبارات عِدة بعضها دينية واخرى مادية. ويبدو أن مُعارضي يوحنا سبقوا مؤيديه في استمالة باشا الموصل الى جانبهم، فالقى الباشا يوحنا في السجن مع عزمه على نفيه. ولدى اطلاع روما على الحدث تزعزعت ثقتُها بيوحنا، وحانت لها الفرصة لعزله وتعيين شخص آخر بدلاً منه. وبالفعل فقد أصدرت روما أمر تعيين المطران اوغسطين هندي في 4/ ت1/1812م قاصداً رسولياً لمنطقة كلدو، والقس كيوركيس يوحنا الألقوشي نائباً رسولياً للموصل. وقد لعب المُرسَلون دوراً مُسانداً للفئة الكاثوليكية المتضامنة مع إخوتها كلدان دياربكر المناوئين لعائلة آل ابونا. ولما كان مُعارضو يوحنا قد عزموا على استبداله حتى قبل صدور قرارات روما، عادوا الى تنفيذ عزمهم، وكان المُبادر والمؤثِّر لإتخاذ هذا الإجراء المُرسَل الأب رفائيل كمبانيل وبدعم من واليَي الموصل ودياربكر اللذين مارسا ضغطاً على المطران اوغسطين هندي، فقام هذا الأخير برسم الكاهن شمعون الصائغ الموصلي مطراناً لكُرسيِّ الموصل. إلا أنَّ هذه الخطوة وجدها مجمع انتشار الإيمان غير قانونية فشجبها وأنحى باللائمة على الأب رفائيل، كما أصدر أمراً الى اوغسطين هندي بإعادة القس شمعون الى الموصل بصفته كاهناً، وبعد عودة شمعون فاشلاً أدركه الموت عاجلاً عام 1816م.

يقول الكاردينال تيسيران (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ص 133) وظلَّ يوحنا هرمزد في نظر مجمع انتشار الإيمان مطراناً بسيطاً على الموصل، مُعرَّضاً لمُناوئة واضطهاد إثنين من خصومه اللذين يعملان على إحباط جهوده للوصول الى البطريركية: هما إبن عمِّه بطريرك الجزء الكنسي النسطوري ايليا الثاني عشر، واوغسطين هندي مطران الجزء الكلداني الكاثوليكي في دياربكر الطامح الى جعل جميع الكلدان الكاثوليك تحت إدارته. ويُضيف المصدر أعلاه: وكان هذان الخصمان يقودان حملاتهما التشهيرية ضِدَّه بحذقٍ ومهارة، حتى وصل الأمرُ بالكُرسي الرسولي الى إصدار أمر يقضي بايقاف استخدام سلطته على أبرشية الموصل. ولكنَّ يوحنا هرمزد لم يقف مكتوف اليدين بل عاد الى ساحة المبارزة بقوة استمالة الباشاوات الى جانبه، وتمكَّن من الإنتقام من بعض مُساندي خصمَيه وزجِّهم في السجن، دون أن يُقلِّل من طاعته لروما. وهنا تعالت أصوات مُناوئي يوحنا هرمزد وأضافوا تهماً اخرى ضِدَّه وبعثوا بها الى المجمع المقدس مُلتمسينه لوضع حَدٍّ لتصرُّفات المطران يوحنا وإعادة السلام والنظام الى الكنيسة الكلدانية، عندذاك عقد مجمع انتشار الإيمان اجتماعاً عاماً في 15/2/1812م وقرَّرَ رشق يوحنا هرمزد بالحظر الكنسي، وبعث في اليوم التالي برسائل بهذا الصدد الى كُلٍّ من اوغسطين هندي والأب كمبانيل تتضمن تعيين المطران شمعون الصائغ نائباً رسولياً على الموصل والقس كيوركيس يوحنا الألقوشي لبطريركية بابل بدون لقب رسمي، على أن يخضعا لسلطة اوغسطين هندي الحامل لمهمة القاصد الرسولي لشؤون بطريركية بابل بكُلِّ مناطقها، ونُظِر الى هذه القرارات بأنها تحمل طابع التسرُّع ونوعاً من الإنحياز، وربما كانت إشارة الى رغبة المجمع المقدس بتسليم السلطة لبطريركيةٍ واحدة برئاسة ميترابوليط دياربكر.

وعندما قام القس كيوركيس الألقوشي بإبلاغ يوحنا هرمزد بهذا القرار، منع هذا الأخير إعلانهَ مُهدِّداً كُلَّ مَن يُخالف أمره باتخاذ إجراء صارم بحقِّه. غير أنَّ الأب رفائيل كمبائيل سرَّبَ الخبرَسِرّاً الى الكهنة ووجهاء الأمة الكلدانية، فانتشر بسرعة وأحدث ازمة جديدة بين الفريقين الغريمين وتفاقم خلافهما المُزمن، وما رجَّح كفة الفريق المناويء ليوحنا هو انضمام رهبان الأنبا جبرائيل دنبو إليه، فكان لذلك تأثير نفسي على يوحنا أشعره بالمهانة، فعدل عن المُجابهة ودعا خصومه الى القيام بالتفاوض عن طريق الحوار، فاستجابوا لندائه لأنَّ الجميع قد نالهم الملَل من استمرار تلك الإضطرابات والمشاحنات. وتمَّ الإتفاق بين الفريقين للإجماع في القوش في 20/2/1818 وكان عدد المشاركين بحدود المئة شخص من الكهنة ووجهاء الشعب. فأخذوا يتداولون بأمر المنع ويتحرون عن أسبابه، وبعد مراجعة وتحليل توصَّلوا الى نتيجة مفادُها بأنَّ مجمع انتشار الإيمان لم يكن قد حظر على يوحنا هرمزد رسامة أساقفةٍ لكراسي الأبرشيات الشاغرة، على أن يكونوا ذوي نزاهة ويُشهد لهم بالسلوك الحسن ولا يمتّون بصِلة قربى بعشيرة آل ابونا، وبسبب عدم خضوع يوحنا لهذه الأوامر تعرَّض لعقاب المجمع. ولذلك يترتَّب عليه أن يبادرالى تقديم خضوعه تحريرياً مصحوباً باستنكار كُلِّ ما بَدُر منه من تصرُّفات غير شرعية. وتعهَّد المُستشارون في الإجتماع بالتماس الحل ليوحنا من روما عن طريق تقديم طلب بهذا الصدد الى الحبر الأعظم والى المجمع المقدس. وتبنى المُجتمعون هذا القرار بالإجماع، وأرسلوا الوثائق الخاصة به الى اوغسطين هندي ليتولّى إرسالها الى روما، ولكنَّ ما لم يكن في الحسبان حدث للمُكلَّف المغولي بنقل هذه المستندات حيث تعرَّض للإغتيال في الطريق، ففقِدَ كُلُّ البريد الذي كان بحوزته.

إنَّ فقدان تلك الوثائق مَهَّد الطريق لتقريرالأب رفائيل كمبانيل المطوَّل حول الوضع الديني في بلاد الكلدان ليحظى بالتصديق من قبل مجمع انتشارالإيمان، وإذ كان التقريرُ يُلقي الكثير من اللوم على يوحنا هرمزد، ساهم في تأكيد ظن المجمع بأن يوحنا هرمزد لم يعبأ بقرار الحظر الصادر ضِدَّه، فبادر في 3/7/1818م الى تجديد ذلك القرار مُطالباً بتنفيذه الفوري. وفي الرسالة المُوجهة الى يوحنا هرمزد بتاريخ 10 تموز 1818م، تبيَّن بوضوح ما دفع المجمع الى تجديد القرار. إذ لو أنَّ تعهُّد الخضوع الموقع من يوحنا وطلب المؤمنين المقدم لطلب الحَلِّ له وصلا الى الكرسي الرسولي، ما كان لقرار المنع أن يصدر. وما إن أرسل اوغسطين هندي تلك الوثائق ثانية في 19/ ت1/1819م حتى تغيَّر رأيُ المجمع المقدَّس بيوحنا هرمزد، فكتب له يُخبره، بأن فرحاً عظيماً غمرَالمجمع بكافة أعضائه بوثيقة خضوعه الصادرة عن إرادته الصادقة، ويُسعِده استمرارُه ومثابرتُه على ذلك الإستعداد الطيِّب والمفرح، لحين استلامه الحل بشكل رسمي.

في تلك الفترة وبالتحديد في 2/ايار/1820م عُيِّنَ مطران لاتيني جديد لبغداد هو بطرس اسكندر كوبري من رهبانية الروح القدس، حاول هذا المطران جُهدَه ليحصل على حَلٍّ للمنع الذي رُشِق به يوحنا هرمزد، ووجَّه رسالة الى روما في 3/ ت1/1824م حول هذا الموضوع، مُطلعاً مجمع انتشار الإيمان، بأنَّ باشا الموصل والقس كيوركيس الألقوشي يرغبان بهذا الحل ويرجوانه، وإن صبر يوحنا قد نفذ من طول الإنتظار، وقد يعمد الى عدم التقيُّد بأوامر روما، وإن الباشا لن يتردد في دفع يوحنا الى الإستقالة بسبب تقدُّمِه في العُمر. فكان جواب المجمع بأنَّ موضوع حَلِّ يوحنا ذو أهمية لديه، وهو مقبل الى تسويته حال الإنتهاء من فحص صحة تعاليم يوحنا واستقامة نواياه وتصرُّفاته. فكان رَدُّ مطران اللاتين كوبري، بأن التُهم التي وُجِّهت الى يوحنا أمست قديمة لا يمكن أن تحول دون استعداده الحسن في الوقت الراهن والخضوع التام للبابا، ويظهر أن أقوال المطران اللاتيني لم تكن جِدِّية، بل فيها تُلاحَظ الإزدواجية حين يذكر برسالته بأن يوحنا إذا لم يحصل على الحل يُهدِّد بالتجاوز على اوامر البابا ويرسم كهنة واساقفة. أما اوغسطين هندي ففي رسالته يتهم يوحنا بأنه أجبر القس كيوركيس الألقوشي على حَلِّه، وإنَّه قد هدَّد رهبان دير الربّان هرمزد بالطرد ونهب الدير.

5 - البطريرك يوحنا هرمزد 1830-1838م
وقد قيل بأنَّ المطران اللاتيني كوبري إتخذ موقفه هذا من يوحنا بتأثيرمِن المُرسَلين الدومنيكان المناهضين ليوحنا، ولكنَّ هناك مَن كان موقفه بجانب يوحنا، هو المطران السرياني بشارة والآباء الكرمليون الذين اقتنع المطران اللاتيني بوجهة نظرهم، ووجد بأنَّ السبيل الأمثل لإحلال السلام واستتباب النظام في الكنيسة الكلدانية يكمن في إعادة الإعتبار الى يوحنا ورفع المنع عنه. ولكننا نرى الأنبا جبرائيل دنبو ورهبانَه يُعلنون عن معارضتهم لهذا الإجراء، ويدعمُهم في موقفهم هذا التاجر الكبير عبود في بغداد، وما إن توفيَ التاجر عبود عام 1827م حتى برز الخلاف ثانية. وبالنسبة الى الكُرسي الرسولي فقد إتَّصف تصرُّفُه بفيضٍ من الحكمة والرَوِية، وبميلٍ الى إعادة الإعتبارالى يوحنا هرمزد وحتى منحه لقب البطريرك، ولكنَّه كان يسعى الى ترويضه لئلا يُفكِّر مستقبلاً بالقيام بأيِّ عمل مؤذٍ، فاشترط عليه التنازل طوعاً عن مُهِمَّتيه كرئيس اساقفة الموصل والمدبِّر العام لبطريركية بابل. ولكنَّ المطران اللاتيني كوبري اهمل شرطي الكُرسي الرسولي وتصرَّف بحسب رؤيته الخاصة، حيث قدِم الى الموصل ودعا الى عقد اجتماع في 15/ ت2/ 1828م حضره الإكليروس والمؤمنون في كنيسة مسكنته، فمنح الحلّة رسمياً ليوحنا هرمزد ولم يُطالبه بتطبيق شرط الكُرسي الرسولي المنوَّه عنه أعلاه، بل ثبَّتَه مطراناً على الموصل بكامل الصلاحيات، وأعلنه بطريركاً أيضاً، وعلاوة على هذه المهام، عهد إليه إدارة أبرشية العمادية بصفة نائبٍ له! الأمر الذي لم يكن من صلاحيات المطران اللاتيني وإنَّما تدخُّلاً سافراً بما ليس له حَقٌّ فيه.

وكان يوحنا ينتظرعودة المطران بطرس كوبري الى بغداد، حتى يُبادر الى تصفية حسابه مع خصومِه، حيث بدأ يُعامل الأساقفة والرهبان بطريقةٍ تعسُّفية فعَمَّت المنطقة حالة من الإضطراب والفوضى، وإذ اطَّلع المطران كوبري على ما يجري أقرَّ بخيبة مسعاه. والغريب في الأمر أنَّه تجاهل كُلَّ ذلك، وسأل الكُرسي الرسولي أن يبعث الباليوم ليوحنا والأمر بتنصيبه رسمياً. وفي هذه الأثناء كان قد حلَّ في روما مُجدِّد الرهبانية الهرمزدية الكلدانية الأنبا جبرائيل دنبو لغرض الدفاع عن رهبانيته خوفاً من تعرُّضِها للخطر من قبل يوحنا، ومن المُحتمَل أنَّ المجمع المُقدس بتأثير مِنه، كتب الى المطران كوبري قائلاً له: وإن كنتَ قد حلَّيتَ يوحنا من الموانع التي كانت مفروضة عليه، إلا أنَّ المجمع المقدس غيرُ راغبٍ بتنصيبه بطريركاً، ما لم يُبرهن بدلائل واضحة مؤيدة بالأفعال على توبته، وبشرط أن يُعيد دير الربّان هرمزد الذي قد استولى عليه الى رهبانه. ولكنَّ الموت عاجل المطران كوبري عام 1829م بسبب الطاعون المتفشي في بغداد والذي اودى بحياة نصف سكانها، فلم يَرَ تحقيق شروط المجمع من قبل يوحنا. أما الأنبا جبرائيل دنبو فقد تعرَّض للإغتيال من قبل الأكراد عام 1830م.
ولما كان مطران دياربكراوغسطين هندي قد أدركه الموت عام 1827م، فلم يبقَ هناك منافس ليوحنا هرمزد على المنصب البطريركي. فكان الجوُّ ملائماً لأمين سرِّ المطران كوبري المتوفى الأب لوران تريوش ليواصل نَهجَه، فأتمَّ ما كان مزمعاً أن يفعله رئيسُه المطران كوبري، حيث تسلَّم الباليوم المُرسَل ليوحنا هرمزد وجري تنصيبه في بغداد في 5 تموز 1830م وهو في سِنِّ السبعين من عمره وقد أدركته الشيخوخة ودبَّ الوهنُ في قواه. فاستغلَّ لوران تريوش حالة البطريرك هذه وطلب منه أن يرسم صديقه كيوركيس بَرطليا الملقَّب دي ناتالي مطراناً ويُقيمه ناطور كُرسيِّه البطريركي، بينما يقول الأب يوسف تفنكجي (الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بالأمس واليوم ص 55 و 72) بأنَّ دي ناتالي اصبح رئيس اساقفة سعرد عام 1833م باسم بطرس وقد رُسم في روما عام 1830م. ولم يزل الأب تريوش ولا سيما بعد ترقيته الى رتبة المطران يُلِحُّ في إقناع البطريرك يوحنا هرمزد الذي كانت الشيخوخة قد هدَّته، بإسناد إدارة البطريركية الى المطران بطرس دي ناتالي ويتخلّى عن مهامها المتعبة. بيد أنَّ روما لم ترضَ عن هذا الطرح، فبادرت الى تعيين مطران سلاماس نيقولاوس زيعا المرسوم من قبل يوحنا هرمزد عام 1836م معاوناً بطريركياً مع حقِّه في الخلافة. وكما نوَّهنا فإن ما تعرَّضَ له البطريرك يوحنا هرمزد من صعوبات ومصائب وما عاناه من ضغط الإضطرابات والإنشقاقات، أنهك كيانه فأدركه الموت في 13 آب عام 1838م ببغداد في دار مطرانية اللاتين، وبموته اسدِل الستار على الرئاسة الأبوية، حيث كان آخر فردٍ من عائلة آل ابونا  تبوَّأ كرسيَّ الكنيسة الكلدانية بالتقليد الوراثي. دُفِن كاثوليكياً في الكنيسة الكبرى المشيَّدة في بغداد كنيسة ام الأحزان الكلدانية، اشترك في مراسيم دفنه إكليروس بغداد برُمَّته. والى الجزء السابع والثلاثين قريباً.

الشماس د. كوركيس مردو
في 12/ 8 / 2015