منى الحسين.. وروايتها(شلال في عنق الزجاجة)نبض الحياة لن يتوقف على ضفاف دجلة


المحرر موضوع: منى الحسين.. وروايتها(شلال في عنق الزجاجة)نبض الحياة لن يتوقف على ضفاف دجلة  (زيارة 1513 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 130
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


منى الحسين.. وروايتها(شلال في عنق الزجاجة)نبض الحياة لن يتوقف على ضفاف دجلة


فهد عنتر الدوخي

للمرأة رؤاها الخاصة,وإنطلاقاتها المحددة  في بيئة تحكمها عوامل إستبداد الرجل والمزايا التي حصل عليها عبر مفاهيم وتقاليد وإخلاقيات أصبحت فيما بعد جزءا من قيم المجتمع ,وهنالك من غالى فيها وفسر تواردها على إنه إنتصار للذكورية, مستهينا بقدرة المرأة على أن تلعب الدور ذاته في إيحاء منظومة القيم بعقلها وتفكيرها,وقوة شخصيتها وبوجود كل الفضائل التي تتحف روحها وعقلها وسلوكها, والبعض فسرها لصالح سلطته الرجولية وأخذ ما يمكن منها بأن يغلب ثقافة الإستحواذ على مقدرتها وهذه الأمورباتت معروفة في مجتمعاتنا حتى تنامت أخيرا بشكل خطيروأصبحت تهدد بنيان مجتمعات كانت مستقرة أسريا وتربويا, الأمر الذي جعل ظاهرة الطلاق في المجتمعات المنغلقة تسود بشكل خطير,جاء ذلك من خلال الدعوات التي تبنتها الحركات الدينية والمذهبية المتشددة والقوانين التي تبنتها بعض الأنظمة الرسمية والتي أضعفت دورها وكافئتها بالحجر في المنزل ليقتصر دورها على مهام بسيطة حتى لوكانت تحمل اعلى الشهادات.. والذي دفعني لأسوق هذه المقدمة, هو ما وصلت اليه من خلال قراءتي المتواضعة لرواية(شلال في عنق الزجاجة)للكاتبة العراقية منى الحسين..الصادرة عن مطبعة افيستا للعام2015 وعدد صفحاتها ال(188) من القطع المتوسط..
الحكاية لدى الروائية منى هي مجموعة صور ملتقطة من واقع إسرة عراقية تلتقي بقواسم مشتركة مع شرائح مجتمعنا بكل ألوانها وأنساقها, والتي دأبت على تسجيل وقائع حياة مدننا في واقعها الحاضر المرير وتدوين شهادات عن زمن النزوح والاغتراب والدروس المتوخاة من ظاهرة الهجرة القسرية التي دفعت بالملايين لمغادرة منازلهم واراضيهم واملاكهم وتشردوا على أرصفة المدن وحافات الخرائب والبيوت الآيلة للسقوط حتى استنزفت اموالهم وكرامتهم بحثا عن ملاذ امن .ولقمة لوثتها المنافي وحقارة المدن الجامدة وجحود اهلها الطامعون الذين انتهزوا فرص الضياع والإحباط بعد ان ترهل الزمن وانحسر النور وتلاشت أحلامهم بالعودة, وحالما جثم الاحباط على صدورهم وتوقف نبض الحياة على ضفاف دجلة , سكت صوت الربابة وتلعثم شاعر العتابة وافرغت المضايف من روادها ليحل مكانهم شبح الليل الطويل العتمة،غير ان الامل يبقى ينير صفحات هذه الرواية بالعودة المرتقبة بإذن الله،كما تريد الكاتبة والروائية الاشورية ابنة مدينة الشرقاط منى الحسين أن توثق رسالة تطمئن بها اهلها باننا قادمون، وأن البلابل ستوزع التغريد في صباحاتها التي ستشرق في يوم جديد( يوم لاينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم)،مبارك لاختنا السيدة الجميليه الشرقاطية هذا الانجاز الكبير ومن حقنا ان نحتفي بأثر ادبي وثقافي يضاف الى المكتبة الاشورية العراقية... ولانذهب بعيدا اذ نبدأ لنتصفح ذاكرة المدينة( الشرقاط) الذي  كان ابرز روادها من الذين كتبوا القصة والرواية هم,الروائي والقاص الراحل محمود جنداري الذي بدأ بالكتابة في العام1965 لديه المجموعتين(عام الفيل) و(الحصار) اللتان صدرتا  عام1969 و(الحافات) رواية و(مساطب الالهة) مجموعة قصصية ,و(العصفور الصاعقه زو) التي اثارت جدلا واسعا في الاوساط الثقافيه عند صدورها في العام1988 وهي قصة طويلة آشورية المنشأ سياسية رمزية ,تعرض الكاتب  جنداري على أثرها للإستجواب من قبل  أجهزة الأمن ,وعن الفحوى الرمزي الذي ترمي اليه وشاهدنا الراحل كذلك القاص حمد  صالح الذي ابدع في صياغة فن روائي في  روايته (خراب العاشق) الذي خلق مكون بيئوي متماسك من خلال طرح ادوات مؤثرة وفعالة لمجموعة معلمين من مدينة الموصل يمارسون مهنة التعليم في قريه من قرى جنوب الموصل , الذي وثق بحكمة نادرة تجليات الحوار القصصي بلغة أدبية ممتعة وقبلها اتحفنا بمجموعته  القصصية الرائعه( الملاذات) وكانت بحق بصمة مضيئة في مسار القصة العراقية لجزالة اسلوبها, وتنوع الاحداث, والتكثيف اللغوي الذي اغنى مراميها,  اما الراحل الاخر فهو صاحب رواية (دابادا) هذه الرواية التي فتحت ابواب المغامرة على مصراعيها وبسطت ميدان التساؤل دون حدود , هو صديقي وزميلي الراحل (حسن مطلك) هذا المبدع هو اول من استطاع ان يؤسس لغة خطابية حديثة ومدهشة وجريئة في الحوار والوصف وتداخل الاحداث ودقة التصوير ,وشاهدنا الاخر  هو الراحل(ابراهيم حسن ناصر) الذي حصلت روايته(شواطئ الملح شواطئ الدم) على المرتبة الاولى في مسابقة وزارة الثقافة والأعلام العراقية من بين  اكثر من  مائة عمل روائي قدم الى المسابقة القطرية لعام 1988 هذه الرواية جسدت بل رسمت صورة المحارب من أجل البقاء في ساحة المعركة  والموت الأكيد الذي ينتظره وفعلا قد تحقق الموت  اي الشهادة لهذا الكاتب في نفس الميدان الذي شهد ولادتها ,كما واصل الدكتور محسن الرملي رحلته الروائية العالمية في المهجر(إسبانيا تحديدا) بأعمال متعددة أولها كان مجموعة قصصية بعنوان(هدية القرن القادم)واخرى عنوانها(أوراق بعيدة عن دجلة)ورواية(تمر الأصابع) وأخرى( حدائق الرئيس)..ولكاتب هذه السطور مجموعتين قصصيتين(إنتهاء المواسم)و(المرأة الجدار)ورواية(آدم لايشبه جده)..
مايميز هذا العمل الجباررواية(شلال في عنق الزجاجة) الذي أخذ من وقتها الكثيروإستنزف الجهد على حساب أسرتها وظروف عملها وهي بعيدة عن بيتها الأم وقد نزحت قسرا عن قريتها( الجميلة) الى كركوك ثم الى تكريت ,هوكثافة اللغة وسهولة الإتصال بالمعنى, ووضوح الفكرة, لا أقول  أن السرد طبع بلغة تقريرية, مباشرة بل أن الأفكار الواقعية  والحوارات الزاخرة بالمعلومات التي إستنطقت فضاءات البيئة المحلية لقرية  تكاد تكون نفسها قريتها, لقرب أحداثها عن مدينة الموصل, ونظرة الكاتبة ورؤيتها للوقائع بنظر إمرأة ,الأمر الذي جعلنا نكتشف مكنونات وطاقات جديرة بالمراجعة والقراءة, ثقافة قرى جنوب الموصل والقواعد المشتركة للتقاليد والسلوكيات,حتى كانت هذه الحوارات تعزز العامل المحرك لأحداثها, ولذلك نقول انه بإمكان المتلقي أن يعثرعلى حافظة للصور الملتقطة عن المكان,أو يتصفح ذاكرة حية تعرضت لخرق ايدلوجي ممنهج أشتركت فيه عوامل عديدة ,خارجية وداخلية وما رافقها من ممارسات بعد دخول القوات الأمريكية وإحتلالها للبلد في سنة 2003,حتى طغت على المشهد الروائي , وهي نفس المظاهرأو المآسي التي عاشها مجتمعنا بجوانبه الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعسكرية..نقرأ في الصفحة134..
(ازاح نور النهارظلمة الليل العتيق, المدجج بأضغاث أحلام, ووسائد محشوة هموما, ويكشف عن نهارملؤه ضبابا, يناجي وريقات الزهر المتشوقة للدفء كي تورد,ويؤذن الشيخ طارق آذان الفجر ويستفيق راجي على ديوك أمه التي نفشت ريشها, وإعتلت الأكواخ الصغيرة, لتنبأ بآذان الفجر الذي ينبثق من كل مكان.).. هذه الصورة عندما نريد تفكيك شفرتها نجد أن المآل والهدف يرمز الى الفضاء الارحب بزوغ شمس الحرية. كما في الأغنية الثالثة والعشرين الذي بدأ بها ( دانتي)في الكوميديا الإلهية(«كالطائر الذي جلس طوال الليل في عشه المظلم بين أوراق الشجر، ومعه صغاره الجميلة، يتحرق شوقاً إلى رؤية نظراتها الحلوة،وإلى أن يسعى سعيه الحبيب ليأتي إليها بطعامها غير شاعر بما يلاقيه في سبيلها من مشقة، جلست تستبق الزمن على الغصن المعلق فوق عشها، يقظة تترقب أن تطلع الشمس فتطرد من الشرق ستار الفجر)..المصدر الكوميديا الإلهية, الموسوعة الحرة
..هي ذاتها الكاتبة تصف مشروعها بأنه(مدونات حزن..أوربما هو الشقاء, أحرف موجوعة,كلمات معتمة صفحات مدونة بالدمع)..الصفحة4.
أشاطرها فيما ذهبت اليه وهي تتسائل تارة ,وتضع أمامنا جملة من الحقائق والوقائع,هذا إذا لم نغفل عن جنوحها وهي تحبر أوراق واقعنا المرير بلغة صريحة,إذ لم تقف عند حد معين في كشف كل الأوراق التي لوثتها السياسة والتي جلبت لنا سيل من المآسي والأحزان والإنقسام وتقطيع الأوصال والى ذلك. وتسرد ملفات عن المتخمين من المال العام الذين إستباحوا حرمات الوطن حتى إستحالت الأرياف الى أرض متصحرة جرداء, والمدن الى مستنقعات للأوبئة والأمراض..
(أفكر في القائد الثوري وهوعلى كرسيه المذهب, وأبكي على النبي الذي مات وهو يرعى الغنم,كنت أظن أن النبي عيسى أغنى من كل الولاة على الارض, وحين قرأت الكتاب وجدته فقيرا ولايملك دينارا بحوزته) الصفحة5..
ونلحظ أن الأدوار التي منحتها لأبطال هذه الراوية,قد رسمتها بعناية فائقة حتى إستطاعت إقناعنا لتصفح حقبة من الزمن غلب عليها سواد الليل الحالك الذي مازال ينتظر تباشير الصباح, كانت بائسة للكثير,تذكرني هذه الرؤية برواية( العشق والموت في الزمن الحراشي)للكاتب الجزائري الطاهر الوطار رحمه الله والتي صدرت في السبعينيات من القرن المنصرم.. الذي امتعنا بصناعة سيناريو جديد, ورغم  أن السرد غلبت عليه اللغة الصحافية المباشرة, غيرأن الواقعية التي هبطت في متنها لتشريح الواقع السياسي ,من خلال الثورة الزراعية التي قادها مجموعة من الشباب لتصحيح مسار البيئة المتصحرة. إن الاسماء التي إختارتها الروائية منى الحسين,هي لصيقة هذا المجتمع الأمر الذي جعلنا نقترب الى الفكرة الأساسية من خلالها, شلال, حسنية,عزاوي,راجي,عبود,نعيمة,سالم,خولة, ريمه,كريم,أحمد,ابو بكر,طارق,والجدير بذكره هو أن كل هذه الاسماء قد توزعت على خارطة الزمن السياسي والإجتماعي العراقي, فلكل واحد منهم قصة مع السلطة, والمجتمع ومارافقها من عذاب وحرمان وسجون وإحتلال وأمراض وهجرة وحصار,وحروب مستمرة, لقد أتخمت الرواية بحوارات ومساجلات ومناقشات ومواقف وصور متنوعة وأحداث دامية,ولفرط ماعانى المجتمع من تكرار هذه المشاهد في حياته والتي سجلتها الكاتبة بحرفية مدهشة بدءا من ستينيات القرن المرتحل وحتى هذا اليوم, أجد أن الجيل القادم بعد عقدين أو أكثر سيقرأها بإحساس غريب ومدهش,لأنها حتما ستكون جزء حي من تاريخ مجتمع مازال يئن تحت وطئة الحرمان..
وهنا لابد من الإشادة بروح الصبر التي زينت هذا العمل وطريقة تقصي الحقائق حتى أقنعتنا وهي تسبر أغوار العمل الروائي القصصي الحساس,إستطاعت أن توثق لنا الكثير من القصص القصيرة داخل هذه السيرة, وتطلعنا على وقائع ليس بالأمكان الحصول عليها أو التعرف على جوانبها في مجتمع تعرض لهجمة عدوانية متخلفة قاسية, رسالتها,هي إستخدام الدين لتخريب منظومة القيم الإجتماعية والإقتصادية وزرع الشك واليأس في خلد الناس في طريقة أيمانهم وعلاقتهم بالدين والقيم السماوية العليا وتكفيرهم وتشويه تاريخهم والمحاولة لترسيخ مفاهيم الإنتقام وإذلال الناس والإعتداء على المقدسات وانتهاك الأعراض والخطف والسلب والأسترزاق,وتجريم الديانات الأخرى, أضافتها بنكهة حكائية ممتعة حتى شدت وثاق المتابعة لما رسمت من أحداث,ومايرتقي الى الذهن من صور باهرة تجعلنا نناشدها أن تضع على طاولة القارئ أعمالا أخرى بهذا المستوى وأكثر..