الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن


المحرر موضوع: الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن  (زيارة 2260 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 556
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني




الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن
الجزء الأربعون
اغتيال البطريرك شمعون بنيامين

لم يغفل أعضاء بِعثة كنيسة كانتيربيري الأنكليكانية عن حركات وسكنات مارشمعون، وبطريقةٍ وبأخرى كانوا يُراقبون ما يصدر عنه من أقوال وأحاديث، فعلموا بأنَّه مُستاءٌ من تصرُّفاتهم، وقد انتابه الشكُّ بعدم صُدق وعودهم ولا يهُمُّهم التنصُّلَ منها، فقرَّروا الخلاص منه وأبلغوا مُخابرات بلادهم بذلك، وهي بدورها أوعزت الى ضابط مخابراتها العاملة في ايران المستر كريس لتدبير لقاء مصالحة في ظاهره بين مارشمعون وبين سمكو آغا الشكاكي الكردي إذ كانت العداوة بينهما على أشدِّها. ومن جِهةٍ اخرى، فإنَّ السلطات الأيرانية وبعد الانسحاب الروسي من شمال ايران اخذت تبحث عن كل وسيلة ممكنة لضرب الاثوريين والتخلص منهم خاصة بعد معركة مدينة اورميا واندحار قواتها فيها، فاتصلت باسماعيل اغا المُلقَّب بـ (سمكو) رئيس عشائر الشيكاكي القوية بغية تدبير مؤامرة لاغتيال مار شمعون بنيامين باعتباره رئيس الاثوريين اعتقادا منها بانه سيكون من السهل القضاء على الاثوريين بعد غيابه. ومن اجل ذلك دفعت الحكومة الايرانية مبلغا قدره (مليون تومان) لاسماعيل اغا اضافة الى وعود اخرى لقاءَ تنفيذه المؤامرة، فرأى اسماعيل الأمرَ بصالحه من ثلاثِ نواحيه، أولاً: بحصوله على المال الذي كان بحاجةٍ إليه، وثانياً: سعيا منه لتحسين صورته لدى الحكومة الايرانية وثالثاً: رغبته في التخلص من الاثوريين الذين اخذ يخشى ازدياد نفوذهم وسيطرتهم في منطقة عشائره. بينما كان مارشمعون بنيامين وبناء على نصيحة الكابتن كريسي الانكليزي يريد الاستفادة من نقمة سمكو على الحكومة الايرانية لانها كانت قد اعدمت عددا من افراد اسرته لمعارضتهم سياستها ورفضهم الخضوع لها. وفي نفس الوقت كانت الحكومة الايرانية على اطلاع على الاتصالات التي يجريها مارشمعون بنيامين مع اسماعيل اغا (سمكو) اقوى الشخصيات الكردية في تلك المنطقة بصدد الاتفاق معه لتوحيد قواتهما والعمل معا لصد الهجمات التركية والايرانية. فأرادت السلطات الايرانية ضرب عصفورين بصخرةٍ واحدة اذ ان نجاحها في مؤامرتها سيوصد باب الإتفاق بين القوتين الآثورية والكردية لا بل سيدفع الطرفين الى التقاتل والتناحر فيما بينهما، ويؤدي بهما الى استنزاف ذخيرتيهما واستهلاك قوتيهما، وتكون النتيجة لصالح السلطات الايرانية.
كيفية تنفيذ الخيانة
ومن الجدير بالذكر بأنَّ ضابطي ارتباط للحلفاء هما الكابتن الإنكليزي "كريسي" والملازم الأمريكي "روبرت مكداول" قد قاما بزيارة اسماعيل اغا الشكاكي قبل موعد اجتماع الأخير بالبطريرك النسطوري مارشمعون بنيامين التاسع عشر بزمن قصير. وبعد انتهاء زيارتهما، أعرب المُلازم الأمريكي عن انطباعه عمّا  لاحظه باسماعيل أغا قائلاً: < بأنَّه غير مُطمَئن لنوايا اسماعيل أغا ويراه شخصاً مُريباً >.
وكان شموئيل خان قد عاد من لدن اسماعيل أغا، الذي حمَّله رسالة الى مارشمعون بنيامين طالباً فيها أن يتمَّ الإجتماع في مدينة "كونه شهر" التي تقطنها غالبية أرمنية وبعض العوائل اليهودية. فَطِنَ الأرمن الى نوايا اسماعيل اغا غير الودية والعدائية، فأرسلوا وفداً الى مدينة "خوسراوة" حيث كان مارشمعون بنيامين، وابلغ الوفد مارشمعون ناصحاً إياه بعدم الذهاب الى كونه شهر، لأنَّ اسماعيل أغا لا يؤتمَن جانبُه، وأيَّد  ذلك اليهود والكثير من الآثوريين. إلا أنَّ مارشمعون بنيامين لم يُعِر اهتماماً لهذا التحذير وعّدَّه شعوراً طارئاً، وصمَّم على عقد الإجتماع.

وكأنَّ مارشمعون بنيامين كان على موعِدٍ مع حتفه! إذ بتاريخ 3 آذار سنة 1918 تحرك ركبُه الى "كونه شهر" للاجتماع باسماعيل اغا، وكان الوفدُ مؤلفاً من الرائد الروسي "قوندراتو" والضباط الأربعة الروس أيضاً والذين كانوا يقودون الفوج الاثوري الذي شكله مارشمعون بنيامين من المجندين، كما رافقته قوة حراسته المؤلفة من مائة وخمسين جنديا خيالا تحت قيادة شقيقه داود ومن ضمنهم شموئيل خان وشقيقه ايشا ولدي بيجان. ولما وصل الموكب الى كونه شهر تتقدمه مركبة مار شمعون بنيامين التي تجرها الخيول وسط وابل من الثلوج المتساقطة بغزارة، فاستقبله اسماعيل اغا بترحاب كبير بين صَفَّين من رجاله، وقد تسلَّح الصف اليمين بالسلاح الروسي والصف اليسار بالسلاح التركي، وأثناء استعراض مارشمعون بنيامين حرس الشرف، أعرب عن سروره وإعجابه بمظهرهم اللائق وانضباطهم الجيِّد، فشكره اسماعيل أغا على انطباعِه عن رجاله. ثمَّ دخلا سوية الى قاعة الإجتماع ومعهما الرائد الروسي والضباط الأربعة الروس وتبعهم داود شقيق مار شمعون وشموئيل خان وأخوه ايشا ولدا بيجان. مكث حرس مار شمعون بنيامين في فناء الدار مُنتظرين انفضاض الإجتماع، فيما كان رجال اغا اسماعيل قد أخذوا أماكنهم المُسلطة عليهم جاعلينهم أهدافاً لمرماهم، ولم يخطر على بال الحرس ليأخذوا حيطة وحذراً لحماية انفسهم والحفاظ على سلامة بطريركهم، لوثوق قادتهم بالصداقة الجديدة التي فاجأتهم بتحولها الى خيانة أودت بحياتهم وحياة قادتهم وبطريركهم.

إذ بعد انتهاء الإجتماع ودَّعَ مار شمعون وحاشيته مُضيفهم الخائن اسماعيل أغا، وقبل أن يهُمَّ مارشمعون بنيامين بالدخول الى مركبته وإذا بطلقة تُصيبه صوَّبها إليه الخائن اسماعيل أغا من الغرفة المقابلة للمركبة، وفوراً بدأ رجالُه وحسب الخطة المرسومة بإطلاق الرصاص بغزارة على حرس مار شمعون وخيولهم، فاختلطت دماؤهم ببعضها، ولم ينجُ من ذلك الجمع كُلِّه إلا ستة أشخاص بما فيهم داود شقيق مارشمعون إذ كان قد خرج من الإجتماع قبل انفضاضه، أما الرائد الروسي قوندراتو وبالرغم من إصابته بجرح، إلا أنَّه استطاع أن يمتطي ظهر حصانه ونفذ بإعجوبة من تلك المعمعة، ووصل مدينة خوسراوة ونقل لأهلها الخبر، وعلى الفور تحرَّكت بعض سرايا فوج المجندين ووصلت بسرعةٍ قياسية الى كونه شهر، وما إن علم داود شقيق مارشمعون بوصول السرايا حتى خرج من مخبئه داخل كنيسة الأرمن، واستطاع التعرُّف على على جثة شقيقه البطريرك التي تعرَّضت للتمثيل بها. فنقلوها الى خوسراوة ودفنوها في كنيسة مار كوركيس الأرمنية.  لقد كانت جريمة نكراء راح ضحيتها عدد كبير من أشخاص أبرياء، وبهذا الشكل التآمري المُدبَّر من قبل الإنكليز اغتيلَ البطريرك شمعون التاسع عشر كما دبَّروا من قبل موت سلفه البطريرك مار شمعون الثامن عشر روبين، وجرى ذلك على مذبح أطماعهم الإستعمارية. نقلنا هذه الرواية المُحزنة بتصرف صياغي عن مقالة للسيد بولص يوسف ملك خوشابا، وبالمناسبة فقد وجدت في سرد هذا الرجل لتاريخ أبناء شعبه الكلدان النساطرة المعروفين بالآثوريين صُدقاً ونزاهة لم أجدهما في كتابات الذين كتبوا عن هذا التاريخ من قبل المتأشورين أو عملائهم المُرتزقين! وسأواصل وبتصرُّف صياغي دون المساس بكنه المضمون نقلَ ما سطَّره هذا الرجل في السِّفر التاريخي لأبناء قومه الكلدان النساطرة" الآثوريين" لِما فيه من مصداقية وفائدة ليطلع عليها أبناء الأجيال الصاعدة ولا سيما أحفاد اولئك الأبطال الذين لا نظير لهم اليوم!
وربَّ قاريءٍ أو أكثر من أحفاد الكلدان النساطرة مُنتحلي التسمية الآثورية والتي تحوَّلت مؤخراً الى الآشورية المُزيَّفة أو المتعاطفين معهم المتأشورين من بين  قرّاء هذه المقالات يقول: وما دخل الشماس الدكتور كوركيس مردو بإعادة نشر هذه المقالات وهو كلداني القومية وكاثوليكي المذهب؟ فجوابي لهؤلاء الجهلاء بالتاريج أسرى العنصرية المقيتة المُرتبطة بالمذهبية القاتلة هو: ومن موقعي كباحث ومؤرخ في التاريخين القومي والكنسي أقول: كان آباؤكم وأجدادُكم جزءاً عزيزاً من أبناء الكنيسة الكلدانية النسطورية التي تولَّى رئاستها العليا أبناءُ إحدى العوائل المعروفة بالعائلة الأبوية "آل أبونا" في حقبة من حقبات التاريخ وبالتحديد منذ عهد (البطريرك طيمثاوس الثاني 1318-1332م) وخلفه خمسة بطاركة عن طريق الإنتخاب التقليدية ينتمون الى هذه العائلة وهم على التوالي (دنحا الثاني 1333-1364م) و (شمعون الثاني 1364-1392م) و (شمعون الثالث1403-1407م)، (ايليا الرابع 1409-1437م) ، (شمعون الرابع الباصيدي 1437-1477م) وإنَّ شمعون الرابع الباصيدي شَرَّع قانوناً رئاسياً يقضي بجعل الرئاسة البطريركية حكراً على أبناء عائلته "العائلة الأبوية" دون غيرها، منطلقاً من مغزى الإنتخابات العفوية التي لعبت الصدفة دورَها في اختيار الآباء المُنتَخِبين لأحد آلآباء المتحَدِّر من هذه العائلة للرئاسة الكنسية العليا، معتبراً ذلك دافعاً له لحصر الرئاسة في أبناء عائلته، ملغياً بذلك القانون الكنسي التقليدي الذي دأب أحبارُ الكنيسة من مطارنة وأساقفة على تطبيقه منذ القرن الرابع في اختيارهم لقائد روحي يجدون فيه مؤهلات القيادة ليرعى شؤون كنيستهم وشعبهم، وإن حدث أحيانا تدخُّل من السلطة العليا الحاكمة بتأثير داخلي أو خارجي لفرض مُرشَّح مُعيَّن خارج إرادة الآباء، فيرضخون لإنتخابه امتثالاً للأمر! ولكن في الغالب كان يجري انتخاب الجاثاليق أو البطريرك بحسب القانون الذي أصدره عدد من مجامع الكنيسة وأكَّدت عليه مجامع لاحقة، مُشدِّدة على أن يُراعى الإعتبار والأولوية للآباء الذين يتمتعون بروحانية مسيحانية حقيقية وتتوفَّر فيهم الكفاءة والمقدرة الإدارية للقيام بأعباء الرئاسة العليا للكنيسة، بصرف النظرعن أصلهم وفصلهم.
 ففي الرسالة السادسة للجاثاليق العظيم مارآبا الكبير كما أشار إليها في تاريخه (الأب لابور ص 187) يُبيِّن مارآبا بوضوح تام كيفية تطبيق القوانين الخاصة بانتخاب الجاثاليق بعد وفاته، حيث يَستبعِد من هذا المنصب كُلَّ مِن رُشق بالحرم، ومَن كان مذنباً أومُحباً للمال بجشع، أنانياً مَيّالاً الى اللذة. أما عملية الإنتخاب فتتم كالتالي: بعد وفاة الجاثاليق يجتمع أساقفة الأبرشية الكبرى "أبرشية الجاثاليق" ويدعون مطارنة الأبرشيات الأربع الكبرى آنذاك أو على الأقل ثلاثة منهم على أن يُرافق كُلَّ مطران ثلاثة من أساقفته، ثم يبدأون المشاورات للإتفاق على واحدٍ من بينهم يتحلّى بصفاتٍ حميدة، يكون خالياً من الخبث والأنانية، ثابتاً على الإيمان الحق، دائم السهر عليه، غيوراً متقيِّداً بالقوانين، ويجب أن ينال غالبية أصوات الآباء الناخبين.

إن شمعون الباصيدي لم يُعط أية أهمية للقوانين الكنسية، ولا فَكَّر بما سيُسفرُعنه قانون توريث المنصب البطريركي من تبعيات خطيرة لهذا الإجراء التعسُّفي، ولم يعبأ باعتراضات آباء الكنيسة من المطارنة والأساقفة الذين توقعوا مُسبقاً ما سيُلحقه بالكنيسة من تداعيات سلبية إذ سيزيدها انحساراً وتخلُّفاً، وهو بالنسبة إليهم يُمثِّل ضربة قاصمة ومصادرة لحقوقهم الشرعية. وقد تحقَّقت مخاوف الآباء، باحتلال أفرادِ للمنصب البطريركي بدون استحقاق ولا أهلية! العنصران الواجب توفُّرُهما في شخص القائد العام للكنيسة! وللأسف فقد تعَهَّدَ البطاركة خلفاء الباصيدي بتطبيق نهجه والتمسك بقانونه الوراثي، ومن أجل ضمان سريانه، أقدموا على خفض عدد الميطرابوليطين (رؤساء الأساقفة) في الكنيسة الكلدانية النسطورية بصورة تدريجية مدروسة. وفي آخر المطاف ولدى تولّي المنصب البطريركي ايشوعياب "ناطور الكرسي أي ولي العهد" باسم البطريرك (شمعون السادس بَرماما) قام بمنح درجة رئيس الأساقفة لفردٍ واحدٍ من أبناء عائلتِه لا يتجاوز عُمرُه الثماني سنوات دون أحدٍ غيره، فبقيت الدرجة حكراً عليه لكي لا يُحاول أحدٌ آخر القيام برسم بطريركٍ من خارج أبناء هذه العائلة! عِلماً بأن رسامة البطريرك لا يمكن أن يُجريها إلا رئيس أساقفة.
بعد وفاة خلف شمعون الباصيدي شمعون الخامس خلفه على الكُرسي البطريركي بموجب قانون الوراثة إبن أخيه ناطور كُرسيه ايشوعياب واتخذ لقب (البطريرك شمعون السادس برماما 1538-1558م) يتحدَّث عنه المؤرخون: حبيب حنونا في (كنيسة المشرق في سهل نينوى ص 183) والكاردينال تيسيران في (خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية ص 147) والقس بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج2 ص 89-90) وكوركيس عوّاد في (أثر قديم في العراق/دير الربان هرمزد ص 36) بأنَّ شمعون السادس بَرماما كان ناطور الكُرسي على عهدعَمِّه البطريرك شمعون الخامس ويُدعى آنذاك ايشوعياب، وبعد وفاته اعتلى السُّدة البطريركية تلقائياً استناداً الى قانون الوراثة الذي سنَّه البطريرك الخامس من أبناء العائلة الأبوية شمعون الرابع الباصيدي. كان أقوى شبيه له بحرصه على استمرار الرئاسة الكنسية العليا حكراً على أبناء عائلته وعشيرته، فلم يُقدِم على رسم رئيسٍ للأساقفة مِن خارج أبناء العائلة لكي يضمن عدم إمكانية قيام أيِّ طرفٍ آخر مُناويء مِن رسم بطريرك، لأن رئيس الأساقفة وحده له هذه السُلطة والصلاحية، ولذلك حصر هذه الدرجة بفردٍ واحدٍ لا يتجاوز عمرُه الثمان سنوات. أما البطريرك عبديشوع الرابع مارون خَلَفُ البطريرك الشهيد يوحنان سولاقا، فقد ذكر في إحدى قصائده، بأنَّ بَرماما رسم مطرانَين عُمر الواحد منهم 12 عاماً والثاني 15 عاماً، فلم يسع الأساقفة إلا التنديد بتصرفه اللاعقلاني المخالف للشرع الكنسي واستهجانه، وإذ لم يكترث بَرماما باستنكارالأساقفة، حينها تحرَّكوا لإيقافه عند حَدِّه.
كانت تصرفات هذا البطريرك استبدادية ومنافية للقوانين الكنسية، إذ لم يكن يأبه بمؤهلات آباء الكنيسة من الأساقفة ولا يحفل بآرائهم حول مصيرها. وإذ وصل السيلّ الزُّبى ولم يبقَ منزعٌ في صبر الأساقفة، فكَّرَ لفيف منهم مِمَّن يمتلكون ضمائر حية في البحث عن سبيل لإيقاف تدابير البطريرك المُجحفة بحقِّهم وحقِّ شعبهم المُستعبَد الواصل الى حالة الضنك من العيش. وقبل أن يتخذوا أيَّ إجراء عادوا الى القوانين الكنسية القديمة وثَبُتَ لديهم بأن القوانين التي مارسها بطاركة آل أبونا منذ عهد البطريرك شمعون الرابع الباصيدي الذي سنَّها غير شرعية وجائرة ولا سيما عندما مورست بتعسُّفٍ من قبل البطريرك شمعون السادس برماما. فقرَّروا الإمتناع عن تقديم الطاعة للبطريرك ومقاطعة عائلة آل أبونا الإستبدادية، والسعي الى إقامة بطريرك شرعي للكنيسة بموجب قانون الإنتخاب. وتَستطرد المصادرُ أعلاه مُنَدِّدةً بسوء تصرُّفاته المُنافية للشرع المسيحي، حيث أباح الطلاق وأعطى السماح بالزواج بأكثر من امرأةٍ واحدة.
 
إزاء هذه المجريات وجد الأساقفة أنفسهم أمام وضعٍ خطير ومسؤوليةٍ كبيرة تُجاه الله والكنيسة، فعقدوا العزمَ على مواصلة المُضيِّ في طريق الحقيقة التي اختاروها متحَدِّين كُلَّ العوائق والصعوبات المتوقعة بجرأةٍ وشجاعة، منتفضين على الواقع المرير المُمارَس من قبل الرئاسة العشائرية!

قاد هذه الإنتفاضة التصحيحية ثلاثة من الأساقفة ذوي الإرادة الصلبة هم: اسقف اربيل واسقف سلامس واسقف اذربيجان. دعا الأساقفة الإكليروسَ والشعبَ الى عقد مجمع عام وشامل لغرض استطلاع الآراء، فكان أن عُقِدَ اجتماع تمهيدي في الجزيرة أسفر عن قرار بعقد اجتماع موسَّع في مدينة الموصل، فتوافد إليه عددٌ كبير من منتسبي الإكليروس والعلمانيين من كافة المناطق مزوَّدين بوثائق تخويل من قبل الشعب المؤمن الذي اعتبرهم مُمثِّلين له.

بصلواتٍ وتضرُّعاتٍ نابعة من قلوبٍ مؤمنة بعدالة حركتهم افتتح الأساقفة هذا الإجتماع الكبير مُلتمسين هداية الروح القدس ليُرشدهم الى ما هو صالح في عزمهم لإنتشال كنيستهم من محنتها وعزلتها دينيا وروحياً عن المسار المسيحي العام، ثمَّ تلا ذلك إقامتهم للقداس الإلهي، وبنهاية القداس قاموا بوضع الإنجيل والصليب على طاولةٍ في وسط الإجتماع لينالوا بواسطتهما هدياً ونوراً. وبدأ المجتمعون يُصغون الى شرح من الأساقفة حول عدم شرعية توريث المنصب البطريركي وحصره بأبناء عشيرة أبونا، لأنَّه مخالف لأهمِّ قانون من قوانين الكنيسة الأصيلة، وفي ذات الوقت يُعتَبَر عادةً فرضية دخيلة وغير عادلة ولا بدَّ من نبذها والعودة الى القانون الشرعي الإنتخابي، ومن هذا المُنطلق وللوصول الى الهدف المنشود، فخير سبيل الى ذلك هو اختيار شخص ذي مُمَيَّزات جديرة تؤهله لتحمُّل أعباء الرئاسة العليا للكنيسة والقيام بها على أكمل وجه. وعند البحث عن الشخص المؤهل لينتخبوه، توجَّهت أنظارُ الأساقفة نحو دير الربّان هرمزد القريب من القوش، حيث رأوا في رئيسه الشخص الأنسب والأجدر لهذا المنصب الرفيع لِما يتمتع به من درايةٍ وحكمةٍ وعلمٍ وتقوى، وايَّدهم المجتمعون بالإجماع.
هذه كانت الأحداث التي أدَّت الى انشطار الكنيسة الكلدانية النسطورية الى شطرين في منتصف القرن السادس عشر، فكان أسلافكم يا معشر منتحلي التسمية الآشورية المُعاصرين الجزء الكلداني المتمرِّد المُخالف لإجماع إخوته في الإنضمام الى الحركة التصحيحية لإنتشال كنيستهم من ديكتاتورية العائلة الأبوية المستبدة والخلاص من الهرطقة النسطورية والعودة الى مذهبها الكاثوليكي القويم الذي أثبته مجمع ساليق الثاني المعروف بمجمع مار اسحق المنعقد عام 410م على عهد الملك الفارسي الساساني يزدجرد الأول. وعلى هذا الأساس فإنَّكم الجزء الكلداني الضال الذي آلمنا ما جرى لكم خلال مسيرتكم الإنعزالية ثم التبعية والعمالة للأجنبي الذي كان السبب في كُلِّ ما أصابكم من ويلاتٍ ومصائب وكوارث يعجز القلم عن وصفها. ومن هذا المنطلق لديَّ كُلَّ الحق في إعادة نشر تاريخكم المشوب بالمرارة والألم والإنقسام والتآمر على بعضكم البعض منذ انعزالكم وانزوائكم في مناطق جبال هيكاري في تركيا وهضاب وجبال اورميا في ايران وحتى ترحيلكم من هناك الى العراق من قبل أسيادكم الإنكليز. ونعود الآن الى ما يرويه حفيد البطل التاريخي ملك خوشابا السيد بولص بن مالك يوسف، في مقالاته المنشورة في المنبر الحر لموقع عنكاوا.كوم الأغر.
 الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السيل الجارف . احتلال قلعة جارا وهروب اسماعيل اغا
في: 06:36 01/12/2012
عندما تمكن اسماعيل اغا من الغدر بمار بنيامين وقتله مع مائة وخمسين مقاتلا من حرسه في كونة شهر كانت عشائر تياري السفلى وتياري العليا وباز وغيرها من العشائر بالاضافة الى اثؤريي اورميا تسكن في مدن وقرى اورميا، وكانوا يُمثِّلون القوة المُحاربة الضاربة. ارسلت سرمة خانم المُتنفذة الأولى في العائلة الشمعونية رسالة الى اغا بطرس وملك خوشابا وملك اسماعيل تطلب منهم تجهيز قوة كبيرة لا تقل عن الفي مقاتل على الفور والزحف على مقرِّ قاتل اخيها اسماعيل اغا الشيكاكي، فتم تشكيل تلك القوة بقيادة اغا بطرس وملك خوشابا وشرعت بالتقدم من قرية (قرة لار) الكائنة في القسم العلوي من منطقة القرى الشيكاكية والصومائية والبرادوستية والبالغ عددها اكثر من مائتي قرية. ووقف رجال ا هذه القوة الاثورية خارج قرية من تلك القرى امام كل من اغا بطرس وملك خوشابا اللذين طلبا من الاستاذ شموئيل ان يلقي نيابة عنهما كلمة في تلك القوات وهذا نصها (ايها الاخوة المقاتلون ان اكثرية مقاتلي اسماعيل اغا هم من صنف الخيالة الذين يصعب عليهم القتال في الثلوج، وبالرغم من اننا نقدر مقدار قوته ومناعة حِصنه الا اننا نهيب بكم ان تقاتلوا
بضراوة اولا: من اجل الثار للبطريرك مار بنيامين ورفاقه الذين قتلوا غدرا وثانيا: من اجل انقاذ انفسنا طالبين منكم الاستيلاء على قلعة جارا، لانه اذا فشلنا في انجاز هذه المهمة سيكون مصيرُنا الهلاك على أيدي الأعداء الإيرانيين والأكراد الاتراك، وبعد انتهاء تلك الكلمة، هتف الجميع قاطعين العهد على انفسهم بانهم سوف يقاتلون حتى اخر قطرة من دمائهم ثم اخذوا ينشدون الاناشيد القومية والقتالية الحماسية. وتم وضع خطة لتقدم القوات بثلاثة ارتال: رتل يتقدم من اليمين، وآخر من اليسار، والرتل الاكبر من الوسط. ثم بدأ الزحف نحو قرية كونبت الشيكاكية التي كانت محاطة بالثلوج في صباح يوم 14 اذار 1918 وشرع الرتل المركزي بقصف القرية بالمدفعية، ثمَّ صدرت الاوامر بالهجوم عليها فهرب المقاتلون الاعداء ودخلنها القوات الاثورية وسقط "مقوي" بيت قاشا شمعون المنيانش ابن خال ملك خوشابا قتيلاً في هذه المعركة، ثم جرت محاولة يائسة من قبل خيالة اسماعيل اغا لايقاف القوات الاثورية، الا انهم فشلوا وتقهقروا فارين الى  قلعة جارا، فكانت قراهم تسقط تحت أقدام القوات الآثورية حيث احتلَّت اكثر من خمسين قرية من قرى الاعداء. ثم صدرت الاوامر الى القوات الاثورية بالتقدم نحو قلعة جارا للاستيلاء عليها وتدميرها وكانت هذه القلعة مشيدة على تل مخروطي الشكل تُحيط بها  وديان سحيقة يلتقي فيها نهران وعلى كل منهما قد شُيِّدَ جسر في المنطقة العميقة منهما، وتقع القلعة على جانب ذلك التل من ناحية مدينة اورميا وتمتد حولها السهول بحيث كان يصعب رؤية الوديان المحيطة بها من المسافات البعيدة.

وكان يلفُّ القلعة خندق عميق يتسع لحركة المقاتل وهو راكب حصانه، و هو مزود بذخائر حربية وفراش من اللباد وطعام لسد احتياج المقاتلين المدافعين عنها. وطلب كل من اغا بطرس وملك خوشابا من داود الذي نجا من مجزرة اغتيال شقيقه البطريرك بنيامين ان تقوم تلك القوة المُناطة قيادتها به لدى احتلال كونة شهر قبل وصول قواتهم الى جارا وذلك لحماية مؤخرتها وتامين خطوط مواصلاتها. وبعد ان تم وضع خطة الهجوم على قلعة جارا بدا الهجوم عليها في 16 اذار سنة 1918 بقصفها بالمدفعية والرشاشات والقنابل اليدوية والبنادق. وقاتل المدافعون عنها بشجاعة فائقة واستبسلوا في القتال في اليوم الاول من المعركة مستفيدين من مناعة خنادقهم كما وكانت القوات الاثورية هي الاخرى تقاتل ليلا نهارا في الثلوج الغزيرة والبرد القارص دون كلل او ملل، وفي اليوم الثاني شنت القوات الاثورية هجومها الكاسح حيث تمكنت من خرق الاستحكامات الشيكاكية ووقعت معركة دامية بين الطرفين داخل الخنادق المحيطة بالقلعة التي اجتاحتها القوات الاثورية، فدخل المقاتلون الاثوريون في الخنادق والدماء تترقرق في عيونهم مُصمِّمين على الثار من الذين خانوا كل القيم والاعراف العشائرية، وروى لي عمي المرحوم داود ملك خوشابا بانهم حين دخولهم خندق الاعداء وهو في عمر لا يتجاوز الخامسة عشر عاماً بانهم امتنعوا عن استخدام البنادق واستعاضوا بها بالحراب لكي يروَوا غليلهم من شدة الصدمة التي المت بهم بمقتل البطريرك غدرا والغدر كان امرا مستهجنا في عرف العشائر آنذاك...

      
الحوار والرأي الحر/ المنبر الحر/السيل الجارف. احتلال قلعة جارا وهروب اسماعيل أغا : في 2012/12/01  06:36

عندما وجد اسماعيل اغا نفسه في موقف ميؤوس منه على اثر اقتحام الفدائيين الاثوريين مواضعه، اخذ يفكر بطريقة ينقذ بها نفسه من الهلاك المحتَّم، فامر بنشر النقود الذهبية في ساحة القتال ليلهيَ بها المقاتلين الاثوريين فيتسنى له الافلات من الحصار المفروض عليه. الا ان مساعيه هذه ذهبت ادراج الرياح لان ملك خوشابا كان قد اصدر اوامر صارمة الى جميع المقاتلين مسبقا بانه اذا شوهد احدُهم يحاول السلب او النهب قبل انتهاء المعركة سيكون عقابه الموت رميا بالرصاص. وبعد ان قتل عددٌ كبيرٌ من المدافعين عن تلك القلعة ضاقت باسماعيل اغا السُبُل، فامر قواته الخيالة بالهجوم على احدى النقاط المُسيطر عليها من قبل قوة سلامس الاثورية التي كانت بامرة دانيال مالك اسماعيل فتمكنت من فتح ثغرة بموقع الحصار المفروض عليها، ففرَّ اسماعيل اغا والناجون معه من خلالها بسبب اهمال المدافعين عنها... سقط في معركة جارا الدموية اثنا عشر مقاتلا من اقرباء ملك خوشابا ومنهم توما بيت يوانس الذي كان من اشجع قادته واذكاهم، كما سقط  قتلى في هذه المعركة عددٌ كبيرٌ من الابطال من عشائر باز وتخوما والبروار وجيلو وتركاور وغيرهم ممن اشتركوا في تلك المعركة، فيما قتل المئاتُ من الشيكاكيين من اجل هزيمة اسماعيل اغا مما ادى الى تلون مياه النهرين بلون الدم لكثرة عدد القتلى منهم.
وفي المساء اجتمع قادة الاثوريين في قصر اسماعيل اغا في القلعة وهم داود شقيق مار بنيامين وملك خوشابا واغا بطرس ومالك اسماعيل واوو بن شموئيل خان والمطران سركيس من عشيرة جيلو حيث امر ملك خوشابا بان تجمع الغنائم لتوزع على عوائل الذين استشهدوا في تلك المعركة فتم تنفيذ ذلك. وبعد تدمير جارا تحركت القوات الاثورية نحو مدينتي ديلمان وخوسراوة في 19 /3/ 1918م . وكان في ديلمان التي كانت مركز لواء سلامس لجنة امريكية لتوزيع الارزاق والملابس على المهاجرين الاكراد الهاربين من تركيا بسبب الجوع، يُشرف عليها الدكتور دات الامريكي ويُعاونه قاشا كينا البازي ومساعداه كل من الاستاذ اسماعيل شوو البازي والقس خندو التخومي والدكتور داود حيث كانوا يسكنون في هذه المدينة . وكانت قوة الجيش الايراني الموجودة في ديلمان تراقب نتيجة معركة جارا لكي تقوم بتصفية المُقاتلين الاثوريين فيها في حالة اندحارهم في تلك المعركة، لذا قامت هذه القوة باسر أعضاء تلك اللجنة والاستيلاء على ما كان لديها من الأموال المخصصة لشراء الملابس والحنطة للاكراد اللاجئين. ولكن ما إن وصلت القوات الاثورية الظافرة في معركة جارا الى مشارف ديلمان حتى باشرت القوات الايرانية بالهروب منها، وطلبت القوات الاثورية لدى وصولها من حاكم المدينة فتح ابوابها وعدم ابداء اية مقاومة لكي لا تضطر الى قصفها بالمدفعية، ففتِحت وتدفقت القوات الاثورية الى داخل المدينة بعد ان تم القضاءُ على كل من ابدى مقاومة فهرب اهالي المدينة ودخل قسم منهم الى دار اللجنة خوفا من تعرض الاثوريين لهم اما القوات الايرانية التي غادرت المدينة فانها التحقت بالقوات الاخرى التي كانت الحكومة الايرانية قد ارسلتها الى منطقتي خوي وسلامس لتكون على استعداد لضرب ضربتها القاضية على بقية الاثوريين في حالة اندحارهم في معركة جارا. وعند وصول كل من ملك خوشابا واغا بطرس الى ديلمان نزلا في دار اللجنة المذكورة للاطمئنان على اعضائها. وبعد ان تمت السيطرة الكاملة على مدينة ديلمان ذهبا الى خوسراوة التي كانت تسكنها عائلة مار بنيامين برئاسة سورمة خانم بعد مقتل شقيقها مار بنيامين. تم عقد مؤتمر في دار سرمة خانم حضره كل من اغا بطرس وملك خوشابا والعقيدان قوندراتو وخان الروسيان وضباط روس اخرون ومالك برخو وبارونان أرمنيان هما سمسون وقسطين وداود شقيق سرمة خانم ومالك اسماعيل. وفي هذا الاجتماع أبدى كل من اغا بطرس وملك خوشابا برأي موحَّد للمؤتمرين مفاده:  بان اسماعيل اغا وبعد هزيمته في جارا سيمر حتما في طريقه بمدينة خوي للانتقام من الاثوريين الموجودين فيها، وان الحكومة الايرانية سوف تفسح له المجال حتما للتنكيل بهم، لذا اقترحا بان يحجز الاثوريون جميع رؤساء ديلمان الايرانيين كرهائن عندهم، وان يطابوا الحكومة الايرانية بالسماح لجميع الاثوريين الموجودين في خوي للالتحاق بهم مقابل اطلاق سراح الايرانيين المحجوزين وذلك لضمان المحافضة على حياة الاثوريين الموجودين في خوي...
 
 الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حتى لا ننسى .. سرمة خانم ومقتل اكثر من خمسة الاف اثوري
   في: 07:46 05/12/2012    في: 07:46 05/12/2012
إلا ان سرمة خانم رفضت ما اقترحه القائدان أغا بطرس وملك خوشابا على المؤتمر بتاييد من شقيقها داود ومالك اسماعيل واولاده مدعين بانَّهما (اغا بطرس وملك خوشابا) قد خربا كافة المدن الاخرى التي دخلاها، ولذلك فانهم لن يسمحوا لهما بتخريب مدينة ديلمان التي كانت تحت سيطرتهم. لكنَّ الدافع الحقيقي لم يكن سوى الحسد والغيرة التي كانت تغمر قلوبهم من جراء الانتصارات الباهرة التي تم تحقيقها بقيادة هاذين البطلين! وبالرغم من ان انتصارهما الاخير كان من اجل الثار لمار بنيامين. فلما رفضت سرمة خانم واعوانها اقتراحهما نهضا وقالا للمؤتمرين بانهما سيغادران الى اورميا وليس لهما ما يقولانه لهم سوى (البقية في حياتكم) لانهما أدركا يقينا ان رفضهم لاقتراحهما سيؤدي حتما الى هلاك جميع الاثوريين الموجودين في خوي! ولم تمضِ الا فترة وجيزة على ذلك الاجتماع حتى وردت انباء بقيام اسماعيل اغا وبتاييد واسناد من الحكومة الايرانبة بذبح جميع الاثوريين الموجودين في خوي والبالغ عددهم خمسة الاف نسمة، ذهبوا ضحية غرور وانانية وحسد سرمة خانم ومن التف حولها ممن ساقوا هذه الامة الصغيرة الشجاعة الى المصير الماساوي. وفي مؤتمر خوسراوة تمت مناقشة الموقف العام للوضع الاثوري وطرحت فيه ثلاثة آراء كانت:
1 - مقترح سرمة خانم : ان يتوجه الاثوريين نحو القوات البريطانية المتقدمة من العراق .
اعترض كل من ملك خوشابا واغا بطرس على هذا الاقتراح بسبب طول المسافة حيث ان القوات البريطانية كانت لاتزال في جنوب الموصل بمسافة تزيد عن مائة كيلومتر اضافة الى ان الطريق كانت محفوفة بالمخاطر لتواجد اعداد كبيرة من الاعداء الاتراك والايرانيين والعشائر الكردية الموالية لهم...
2 - مقترح ملك خوشابا : قال ملك خوشابا ان وضع الاثوريين قد اصبح خطيرا جدا بالرغم من انتصارهم في معركة قلعة جارا لان القوات التركية تتحشد على الحدود الغربية، ونحن محاطون بالاعداء من الايرانيين وحلفائهم العشائر الكردية من كل صوب، وان جبهتنا واسعة ومفتوحة من كل الجهات لذا ارى من الاصلح ان نقوم فورا بانقاذ الاثوريين الموجودين في خوي اولا، ثم باخلاء سلامس من كافة الاثوريين ونقلهم الى لواء اورميا ثمَّ نغادر اورميا باتجاه الحدود الروسية الايرانية لاسيما ان الطريق لا يستغرق اكثر من ثلاثة ايام وبذلك تصبح جبهتنا ضيقة نتمكن من الدفاع عنها وتصبح ظهورنا مسنودة بالحدود الروسية فلن يداهمنا اي خطر من ورائنا ونبقى مُحافظين على شعبنا لان نهاية الحرب اصبحت وشيكة ..
3 - مقترح اغا بطرس : في البداية كان مقترح اغا بطرس ان يجتمع الاثوريون في اورميا والبقاء فيها الا انه بعد سماعه مقترح ملك خوشابا ايده كما ايده غالبية المؤتمرين باستثناء سرمة خانم وشقيقها وبعض القائلين ( لبيك لبيك خادم مطيع بين يديك ).
لم يرغب ملك خوشابا واغا بطرس بالدخول في مشاحنات مع المعارضين خوفا من ان يؤدي ذلك الى فقدان الانسجام في الموقف الاثوري الحرج، فانصب اهتمامهم على ايجاد وسيلة لانقاذ تلك الالوف من البشر من الفناء المؤكد.وبعد ايام قليلة من انعقاد المؤتمر المذكور وعودة كلٍّ من ملك خوشابا واغا بطرس مع قواتهما الى اورميا قامت القوات الايرانية من مدينة خوي وبمُعاونة اهالي ديلمان المسلحين بالهجوم على الاثوريين الموجودين في لواء سلامس وكذلك اخذت طلائع الجيش التركي والعشائر الكردية تتقدم من الغرب كما سبق وتوقعه ملك خوشابا في المؤتمر المذكور مما ادى الى قتل واسر عدد كبير من الاثوريين الموجودين في لواء سلامس اثناء انسحابهم الى اورمبا...

يقول ريموند كوز: بعد مقتل مار شمعون بنيامين افتقد الكلدان بشقيهم النساطرة والكاثوليك قيادتهم الشابة على صعيد المُقاومة، فلجأ قسمٌ منهم الى الأراضي الروسية، وانضمَّ إليهم عددٌ كبير من أرمني تلك المناطق، فيما استطاع الجزء الأكبر منهم شقَّ طريقهم بإحداث ثغرة في صفوف الأعداء مُستصحبين معهم أفراد عوائلهم ومعهم اليسير من ممتلكاتهم وقطعان مواشيهم، كانت هجرة مأساوية كما وردت تفاصيلها في إحدى وثائق عصبة الأمم، حيث جرت في عِزِّ حرارة الصيف وانتشار داء التيفوس والإسهال والكوليرا والجدري أدّى ذلك الى فقدان الشيوخ والأطفال لأرواحهم، وتبعثرت جثث الموتى والمُحتضرين من جرّاء التعب والإرهاق على جوانب الطريق. وإنَّ التقرير الفرنسي في وصفه للوقائع المُفجعة لتلك الحال المأساوية تهز حتى مشاعرالأعداء.
ويستطرد كوز بالقول: بأنَّ 100 الف شخص من قاطني هيكاري وسهل اورميا نزحوا قاصدين همدان، لقي نصفهم حتفهم أثناء الطريق، أما النصف الباقي على قيد الحياة فقد وصلوا في 15 ايلول عام 1915م، وعلى الفور جرَّدهم الإنكليز من سلاحهم، فانخرط البعض منهم في صفوف الجيش الإنكليزي بصفة أعوان لُقِّبوا بالليفي الآثوري، ورُحِّلَ المدنيون الى مُخيَّمات في بعقوبة شمالي بغداد كلاجئين يُبتُّ بأمر مصيرهم بعد أن تضع الحربُ أوزارَها. أما الأربعون الف المقيمون في اورميا الذين لم يتمكنوا من الإلتحاق بالركب، فقد أبادهم الأتراك عن بكرة أبيهم وبضمنهم المُرسَلون الفرنسيون والأمريكيون. والى الجزء الواحد والأربعين قريباً.

الشماس د. كوركيس مردو
في 17 / 11 / 2015