عدواني او مسالم


المحرر موضوع: عدواني او مسالم  (زيارة 2279 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ماري مارديني

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
عدواني او مسالم
« في: 22:00 22/03/2016 »
عدواني او مسالم
من نظريات علم النفس ما  يرجع العدوان الى اسباب تتعلق بالاحباط و الخيبة ، فيصدر سلوك العدوان  غالباً عن الفرد المحبط و الخائب ، فبعض التجارب تدل على ان قيام  فرد او افراد  بعدوان ما يكون نتيجة احباط او خيبة و ان المعتدين يعوضون بعدوانهم شيء من خيبتهم و احباطهم ،  و عندما لا يراهم  احد ولا يحاسبهم فإنهم قد يسعون الى تكرار العدوان..
و من النظريات ما يقول ان العدوان يأتي من خلال التعلم الاجتماعي اي الملاحظة و المحاكاة و التقليد ،  حيث ان  الفرد يسلك سلوكاً معيناً عندما يتوقع ان سلوكه  سيحقق له تدعيماً معيناً لما يرغب به ، لذلك يكرر المعتدي عدوانه احياناً.  ان مسؤولية السلوك تعود لكلا البيئة و الفرد ذاته، و المقصود بالبيئة بيئة خارجية محيطة و بيئة داخلية ترتبط بالفرد ذاته،  فالناس يتفاعلون مع المواقف الاجتماعية بطرق مختلفة يؤثر بها طبيعة الفرد و خبراته السابقة او المشابهة، والسلوك العدواني  مثل اي سلوك قابل للتطوير و قابل للتعديل و قابل للالغاء  اذ اراد الفرد و ساعدته بيئته،  فسلوك الفرد بتأثر بالبيئة من خلال ادراك الافراد للمثيرات و قيمتها و نظرتهم لها و هنا يظهر دور المعرفة و الادراك و يتبين ان الافراد الذين يتصرفون بشكل شاذ أنهم لا يثقون بقدراتهم على السلوك السوي لضعف  نفسي  بهم و لاسباب بيئية ايضاً  و لصعوبة تحقيقهم رغباتهم بطريقة ايجابية فيتجهون للاسلوب السلبي العدواني.

العدوان هو سلوك منحرف يسبب الايذاء للاخر،  و للعدوان اشكال متعددة قد تكون فردية او جماعية ، قد تكون نفسية او جسدية، فيمتد من المضايقة  بالنظر او الحركات او الكلام او التهديد و يصل  الى العدوان الجسدي. و من الناحية الاخلاقية يعد العدوان قائم على قوة غير مبررة  لايذاء الاخرين سواء نفسياً او جسدياً او مادياُ .و  قد يطال الانسان او الحيوان او النبات او  المكان على السواء , و يعد العدوان متضمناً للعنف حيث ان العنف هو مجرد جزء من العدوان.و يكون العدوان  منشراً اكثر في البيئة المتدنية ثقافياً،

معظم العدوانيين يفتقدون القدوة الحسنة،  و محيطهم فيه مشاكل و احباط ، و بيئتهم لا تخلو من سلوك العدوان و لا حتى  تربيتهم . ان العدوان و العنف الصادر من الانسان نحو الانسان الاخر،  او من مجموعة نحو  انسان او  نحو مجموعة اخرى بالمجتمع غالباً يكون اتي من ترسبات ناتجة عن قمع و احباط و ضغوط و مشاهدات مر بها الافراد العدوانيين عبر حياتهم سواء في بيوتهم او مدارسهم او عملهم ، حيث ما زالت أسر بالمجتمع العربي  تلجأ للعنف و القمع بتعاملهم و علاقاتهم . و مازالت المدارس العربية تعتمد مبدأ العنف بالتعامل مع الطلاب ، و ما زالت العلاقات بالعمل بالمجتمعات العربية  قائمة على الرئيس و المرؤوس و العلاقة الفوقية بالعمل و التعليمات  الفردية الاتجاه،  فيكون رأي الفرد غير مسموع  و الضغوط عليه عديدة و مجاله لطرح و تجربة شيء جديد يكون قليل الحدود ، اي ان حريته ضيقة  في عمله او مدرسته. مما يجعل الفرد سريع الغضب او التصرف الانفعالي قبل ان يفكر ما فيه الكفاية قبل اي تصرف يصدر منه، و ان ذلك يكون شديد الوضوح بالمدارس في علاقة بعض المعلمات او المعلمين بطلابهم حيث ان اولئك المعلمين الذين يستعملون العنف في المدارس العربية و الذين ما زالوا يشكلون نسبة غير قليلة  فإنهم  يعتمدون العنف لدرجة الضرب احياناً ، او الاهانة النفسية للطالب فقد يستعملون الفاظاً تهين الطالب و تجرحه دون التفكير بأثر الفاظهم عليه ، غالباً يكون اولئك المعلمات و المعلمين اصلاُ من بيئة تعرضوا فيها الى عنف او شاهدوا بها العنف و اشكال معينة من العدوان في محيطهم او خبروها بشكل شخصي، و يستعملوا ذات الاسلوب مع طلابهم، و ان بعض من طلابهم قد يسلكون مثلهم . و المعتدي يعتقد احياناً  انه يحقق هيبة او نفوذ او سيطرة من خلال تعدياته على الاخر في حين ان عدوانه هو  سلوك منحرف و غير صحي و ينم عن صاحبه و بيئة صاحبه. قد  يكون للمعتدي مشاكل و ضغوط مختلفة  تجعله يسيء التصرف مع غيره او من هو اقل قوة منه كنوع من التعويض او الانتقام من مشاكله بشكل لا شعوري احياناً فيسلك بعنف او يتكلم بعنف .. ان العنف و العدوان الذي اصبح لغة التعامل اليوم بالبلاد العربية في ظل ظروف ربيعها ..العربي ما هو الا نتيجة لثقافة ساد ت بها الاحباطات او الخيبات او القمع في البيوت و المدارس و امكنة العمل و الادارات ..  و تكون العلاقات بين الافراد غالباً هي علاقات تسلطية فوقية و مساحة الحرية و الحوار بها ضيقة لان العنف و العدوان هو ما يستطيعوه ، و من يلجأ للعنف و العدوان هو من لا يقدر ان يستخدم الكلمة و الحوار لان ثقافته ليست ثقافة حوار و عقل، لذلك يكثر العدوان و الاساليب السلبية المعبرة في حقيقتها عن ضعف نفسي و اجتماعي و ثقافي تصل احياناً لاكثر من الانحراف
 
اذا نظرنا الى المجتمع الغربي و ما يسوده من علاقات هادئة و مسالمة و مريحة في التعامل بين افراده فإن ذلك يعكس نمط التربية المنتقاة في المجتمع بشكل عام و اهمها المدرسة القائمة على اولوية الطالب و اعطائه حريته بالتفكير و البحث ، و تعامل المدرسين و المدرسات مع الطالب برفق و احترام لفكره و عقله و مشاعره و هذا يبين ان البيئة بشكل عام تهيء الفرد لان يكون عقلاني و ليس انفعالي و ان يكون مسالم و يتعامل مع الغير بصداقة و مساواة لانه تعلم ذلك من القدوة التي هي الاسرة اولا ثم  المدرسين من خلال طريقة كلامهم و تفكيرهم و تصرفاتهم البعيدة غالباً عن العدوان او العنف او الشدة ، و كذلك الحال في امكنة العمل حيث ان كل فرد يقوم بعمله و دوره و يمكن لاي عامل "او موظف "ان يقدم اقتراحاته او رأيه  لتطوير العمل و بكل احترام و سهولة و بساطة و تتصف العلافات بالمودة و الثقة لان بنية التربية و اسسها بعيدة عن العنف ، و لان المجتمع يوفر الشروط الاولية للمواطن بالعيش فلا ضغوط اجتماعية او سياسية او اقتصادية او دراسية عليه او على من يتعامل معهم لذلك فإن العدوان اقل بكثير بشكل عام في المدرسة او العمل او المجتمع  بشكل عام،  و ان ما يؤثر على ذلك هو طبيعة المجتمع و الخدمات المقدمة للفرد فيه،  و الاولويات المتبعة في كافة المجالات ، فمجرد مثال بسيط نرى الاعلام حيث ان  الاعلام يتميز بوعي و اهتمام لما يقدمه فيتجنب  ما يضايق مشاعر المتلقي فلا يعرض مشاهد او صور عنف قوية  لاسباب تربوية تعود  لمصلحة المتلقي النفسية و الاجتماعية و بالتالي لمصلحة المجتمع . و مثال اخر   يومي كتعامل الدوائر الرسمية مع المواطن  فيتصف انه سلس و يقوده النظام و الاحترام المتبادل بين المواطن و الموظف مهما كانت وظيفته و بأكثر الطرق راحة للمواطن ..ان الحياة السهلة الغنية بالثقة و الاحترام تحقق للفرد راحته دون مضايقات ..  فأنماط  المجتمعات و سياساتها بشكل عام تختلف فيما بينها و تختلف  بتأثيرها على الافراد،.فالمجتمعات المسالمة الهادئة و المنظمة و المساوية بين افرادها  على اختلافهم يكون افرادها غالباً مسالمين و هادئين و منظمين يحترمون بعض و يثقون ببعض  .كما ان التنظيم و التخطيط بالمجتمع يكون شامل و ساعي  للنهوض بكل افراده من كافة الجوانب الثقافية و الاقتصادية و العلمية و المهنية ليؤمن لهم مستوى انساني و  معيشي مناسب و متناسب مع وضع و امكانات كل فرد فيهم،  فالضغوط عليهم ليست كثيرة لان لديهم متطلباتهم الاولية و لان تعاملهم يحكمه العقل فتكون نفوسهم مطمئنة و علاقاتهم لا تشوبها عداءات بشكل عام ، و سلوكهم اكثر مسالمة .

المشكلة هي عند انتقال افراد معينين  ـ تربوا على القمع و نتج لديهم احباطات و مشاكل بسبب بيئتهم ، وتربوا بإسلوب العنف،  و عايشوا العنف و العدوان او قاموا به  ـ هاربين  الى مجتمعات مسالمة قائمة على العقل و القانون و احترام الحريات و حدود الاخرين و حياتهم و ثقافاتهم ، فعلى الرغم من ان تلك المجتمعات استضافت اولئك الافراد و هيئت لهم الحياة السليمة و الآمنة و قدمت لهم ما يساعدهم للعمل على ادماجهم بشعبها و نظامها  الا ان عدد منهم يسلك  العنف و العدوان في  المجتمعات المضيفة و يقدم عن مجتمعه الاصلي ما يسيء له من خلال تصرفاته المتمثلة  بأنواع سلوك غير لائقة، و مخالفة لقيم المجتمع المستضيف و ادابه و ثقافته،و يسعى الفرد " الضيف"  لفرض تقاليده و افكاره  مهما كانت سلبية و غريبة على المجتمع المستضيف ، فيسيء لنفسه و لغيره و للمجتمع و ليعكس  بذلك ما عاناه من اثار  قمع تربوي او تخلف حضاري بمجتمعه الاصلي،  و ليثبت انه غير قادر على التكيف و الاندماج بطريقة سليمة و ايجابية مع المجتمع الجديد الذي احتواه بعقل و احترام و انسانية .

فالسلوك الانساني ثقافة و فكر و تهذيب، و هناك ثقافات تعد ثقافات عدوانية و تتسم بالعنف و تحيط بالفرد و تطبعه بالعدوان و العدوان بدوره يتفشى بمزيد من اشكال  العدوان المختلفة . و بالمقابل فهناك ثقافات مسالمة ، يتسم افرادها بالمسالمة ، لكل مجتمع ثقافته و تربيته و اثره على افراده . و كما يوجد افراد و مجتمعات تتسم بالعنف فهناك افراد و مجتمعات يتسمون بالمسالمة . و الثقافة العدوانية تنشئ صانعين للشر و المشاكل و الحروب  ، اما الثقافة المسالمة فتأتي بالخير و السلام  و الاستقرار لان افرادها مرتاحين نفسياُ و متأقلمين مع ذاتهم و محيطهم فلا يسعون للشر، انما يتعاملون مع الشر بمسالمة ، فالمسالم يملأ  نفسه السلام و ينشره حوله لانه حر من الاحقاد و الشرور، اما العدواني فنفسه ليست بسلام فهي مثقلة بالخيبات و الاحباط و المشاكل الاتية من بيئته و عمليات القمع التربوي و الاجتماعي التي مر بها و سلك العدوان ، فينشر حوله الكدر و المشاكل .  فكل انسان يمثل ثقافته من خلال سلوكه.
ماري مارديني