من النقد إلى النقدانية


المحرر موضوع: من النقد إلى النقدانية  (زيارة 1088 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل خالد جواد شبيل

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 37
    • مشاهدة الملف الشخصي
من النقد إلى النقدانية
« في: 18:13 06/04/2016 »


من النقد إلى النقدانية

خالد جواد شبيل

ظل مصطلح النقد دهراً وحتى يومنا هذا يعني بشكل رئيسي نقد الشعر، وإن أضيفت له في غضون القرن الماضي ممارسات في النقد شملت فنّي الرواية والقصة، ناهيك عن دراسات شملت الواناً متعددة في شتى مناحي الآداب والعلوم .. ومع هذا التقدم فإن للشعر فيه حصة الأسد، فلا عجب ولا غرو، فإن الشعر هو ديوان العرب وهو خزين كنوز لغتهم وأفكارهم وعواطفهم ومجمل إبداعهم في عديد الأغراض من وقوف على الأطلال ووصف حياة العرب بدواً وحضرا، والتشبيب ووصف الخمر والفخر والمدح والهجاء على مرّ العصور...الخ.
كان الحدث الأهم في تاريخ الشعر العربي هو انتقاله من الشفاهة الى مرحلة التدوين(1)، أي من الخطابة الى القراءة المتمعنة، فقد كانت المرحلة الأولى منه هي الجمع حيث يخرج الجامعون الى مضارب القبائل يجمعون من شعرائها وحفظتها وكانوا يجوبون الصحراء ليلتقطوا ما يسمعون، ثم بدأت مرحلة الفرز والتدوين  من رواة مشهورين(2).. اعتباراً من بواكير العصر الأموي، أمثال: الشعبي ت 103ه، وقتادة ت118ه، والزهري 124ه، ومحمد بن السائب الكلبي ت 147ه..وغيرهم. ونجد أن أبرز الشعراء في العصري الأموي كان من رواة الشعر الجاهلي كالفرزدق الذي ورث الدراية بالشعر وروايته عن أبيه غالب بن صعصعة ورواية شعر امرئ القيس وأخباره من جده؛ أما جرير فإنه تلقى الشعر وروايته عن جده حذيفة بن بدر الذي كان شاعرأ وعارفاً بأخبار الشعر والشعراء..
ليس من المستغرب أن يزدهر تدوين الشعر في العراق بالتوازي مع ازدهار علوم النحو والفقه والعروض فقد لعبت كل من البصرة والكوفة أدوار تأريخية فللأولى غلبتها في علوم اللغة والثانية في الفقه..ولقد اغتنت أساليب التدوين وخضعت لميزاني الجرح والتعديل! ومع ذلك بدت المنافسة  تصل الى نزاع بين الحاضرتين في العلوم الدينية وشتى العلوم الدنيوية الأخرى وخاصة علوم اللغة ولاسيّما النحو وفي تفسير القرآن وفي علوم الكلام وما إلى ذلك.. وحيث أن دراسة الشعر وفهمه ونقده تعطي ذخيرة ووسيلة هامة في فهم القرآن وتفسيره وكذلك الأحاديث النبوية ..
منذ نشأة النقد كان ميدانه الشعر وظل يعيد نفسه قروناً، مهملاً النثر بشتى فنونه من خطابة ومراسلة ومقامات..وكان منطلق النقد ومرجعيته الأولى هو الشعر الجاهلي، وحيث إن هذا الشعر هو انعكاس للحياة الصحراوية بطبيعتها وناسها وحيوانها ونباتها... أي إن الشعر الجاهلي كان انعكاساً صادقاً لتلك الحياة وقد اعتمد التصوير وكان هذا التصوير أقرب الى التصوير الفوتوغرافي لحياة غير مستقرة مجدبة عمادها الترحال والحروب بين القبائل، تذكيها روح الانتقام والثأر..
وبهذا كان الشعر يفتقر الى عنصري الخيال والأفكار، التي لا تتعدى الحكمة وينأى عن الفلسفة نأياً كبيراً وإن سجلت لها ملامح أولية لدى بعض الشعراء كطرفة بين العبد والهذلي، وكانت صفة الشعر النبرة الخطابية التي تعتمد الجزالة اللفظية والأسلوب البلاغي، والصوت العالي على البحور الطويلة بما يتلاءم مع أغراض الشعر..
لهذا فإن ما ُيسّمى " نقداّ" عند روّاد النقد القدماء هو نقد بلاغي شكلاني أقرب الى المنطق الصوري الأرسطي في أسلوب المعالجة النقدية، من حيث اعتمد البلاغة البيانية التي " تهتم بطرق البيان والبديع و"فن القول"(3) دون الاهتمام بالقول، أو بالمضمون والمحتوى الإنساني – الاجتماعي والفكري.." لكن لا يمكن مطالبة النقاد المتقدمين " بالمرجعيات التي لا يمكن أن يقوم "نقد" من دونها، مثل علم النفس وعلم الاجتماع واللغويات والأساطير..."(4)  لسبب بسيط ان هذه العلوم حديثة في نشأتها  التي لا تتجاوز القرن إلا بقليل وهي مازالت في قيد التطور وتعج بالنظريات والفرضيات المتفاوتة والمتناقضة في كثير من الأحايين!
وحيث أن البلاغة في نشأتها كسائر بقية علوم اللغة هي من أجل فهم النص القرآني وتفسيره من دون مناقشته باعتباره نصّا مقدساً منزّهاً لذا كان الاهتمام منصبّاً الى كيفية القول أي الى الناحية الفنية، وهذه المعالجة ذاتها  كُرّست لفهم الشعر بلاغياً من أجل فهم القرأن فهو المصدر الثاني للغة بعد القرآن.
لقد ظلّ النقد أسير البلاغة، وحتى وإن أُخِذ بالحسبان تمايز النقاد القدماء المنهجي الجزئي، الذي لم يخترق حجاب البلاغة البيانية الى ما ورائها نافذاً الى طيّات اوتضاريس النص الذي هو في غالبه الأعم الشعر إلى منتصف القرن التاسع عشر وحتى قبلها مع دخول المطابع الى مصر مع حملة نابليون على مصر، والبعثات المصرية إلى أوربا في عصر محمد علي باشا الكبير والخديوي إسماعيل وكذالك عن طريق أدباء المهجر.
 وكانت الومضات الكتابية الأولى في مجلة المقتطف 1876 حاملة لواء التجديد التي خصصت باباً للنقد أسمته " باب الانتقاد والتقريظ" وبعدها مجلة "الهلال" 1892، حيث بدأت أنفاس جديدة في النقد تنأى بنفسها رويداً رويدا عن البلاغة البيانية الى الفكر واستنباط  معاني النص وربطه بحياة صاحبة وتأثير الوسط الاجتماعي فيه، ومع ذلك استمر بالتركيز على الشعر مع اهتمام تدريجي بأجناس أخرى من رواية ومسرح.. ثم لتشرع أبواب النقد أمام اتجاهات حديثة غربية في النقد الحديث وأهمها الاتجاه الإنكليزي الذي تزعمه العقاد والمازني والذي اهتم بالنص أولاً ومن خلاله معرفة الشاعر، كما في كتاب العقاد عن ابن الرومي  وحياته من خلال شعره(5)، ومعالجة موضوع وحدة البيت ووحدة القصيدة في نقده لأحمد شوقي،  والاتجاه اللاتيني الفرنسي الذي تزعمه طه حسين ومن ثم محمد مندور وآراؤهم الجادة التي عكسوها في مؤلفاتهم النقدية  وما شجر بين المدرستين من خلاف ومعارك أدبية، وكذلك المجدد لويس عوض ونزعته التجديدية وما خاضه من معارك ضد الاتجاه المحافظ المتمثل بأحد أعلامه وهو محمود شاكر..(6)
وتعمق الصراع الذي بدأ مع بروز الاتجاه الواقعي الذي أعقب الانقلاب الثوري في 23 تموز/يوليو1952 حيث دعا محمود أمين العالم و عبد العظيم انيس وغيرهما الى الادب الثوري الذي يخدم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية في مصر وقد تصدى لهم طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" ناكراً وجود الأدب الثوري، لأن مفهوم الأدب أوسع من الثورة باعتباره أدب الحياة.. لقد أغنت هذه المماحكات النقدية النقد العربي وشكلّلت إضافات هامة، لتمهد الطريق الى الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية والتفكيكية ثم المفاهيم الشاملة للحداثة وما بعد الحداثة!
ولكن هل بوسع النظرية النقدية الحديثة(7)، أن تعاف النقد اللغوي والأخص منه البلاغي البياني؟ أعتقد أن النقد البياني قد انبثق من طبيعة اللغة العربية وتحديداً من القرآن والشعر الجاهلي ورافق مسيرة الشعر في كل عصورها، ويعني هجرانه القطيعة مع تراث نقدي متقدم ومتنوع رافق مسيرة الشعر العربي، وبدونه سوف يفقد النقد العربي دعامة أساسية ويتحول الى تهويمات نقدية أميبية لا شكل لها، وبذلك يترك مردوداً سلبياً على الشعر العربي بكل ألوانه وسيخلق فوضى العبث التي تبدو بعض ملامحها في شعرنا الراهن!
ومن المفارقات الهامة الداعية الى القطيعة مع منهج القدماء في النقد العربي لخضوعة للبلاغة البيانية، هو أننا نجد من الناحية العملية المناهج الحداثوية تعود لتُعلي من قيمة البيان، يبدو هذا واضحاً في الارتكان الى النص من داخله واستكناه ابعاده البيانية والعلاقة بين عناصر النص سواء في البنيوية أو التفكيكية.. ومن يقرأ المطروح من شعر الحداثة سيلتفت الى الغموض والتضبيب ثم يأتي النقد الحداثي ليزيد الغموض غموضاً والتضبيب تضيبا، بسبب التأويل السائب للغة مفرداتٍ وجملا..
ما أريد الخلوص إليه هو أننا بحاجة الى تعريف جديد للنقد الشامل الذي اغتنى بمفاهيم جديدة خلال مسيرته في القرن الأخير لتحرير مصطلح "النقد" (8) من القيود البيانية التي ظلت قروناً مقتصرة على الجانب الشكلي للشعر -من دون إلغائها- الى مجالات نقدية أرحب أتينا على ذكربعضها لتتجاوز حدود الآداب الى مختلف المجالات والانشطة الأسلوبية  بما في ذلك العلوم الإنسانية الأخرى من علم النفس والفلسفة والتاريخ ..الخ، وهذا ما يمكننا من استخدام مصطلح "النقدانية" الذي يقابل المصطلح الإنكليزي Criticism الذي يستوعب كل التطورات التي جرت ومازالت جارية..
هوامش:
(1)   مقدمة للشعر العربي، ادونيس، ف1، دار الساقي بيروت 2009.
(2)   الشعر الجاهلي، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة.وكذلك كتابه الشعر الأموي، عن الدار نفسها.
(3)   نظرية النقد، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، الفقرات1-11 منشورات وزارة الثقافة دمشق2002.
(4)   الهامش (3).
(5)   ابن الرومي حياته من خلال شعره، عباس محمود العقاد، دار المعارف.
(6)   معارك أدبية، وكتاب في الميزان، محمد مندور عن دار المعرف، كذلك طبعت معارك لويس عوض في كتاب يحمل عنوان" لويس عوض ومعاركه" لنسيم مجلي، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة ط1، 1995.
(7)   النظرية النقدية الحديثة، الى هاو، ترجمة: ثاءر ديب، المركز القومي للترجمة، إشراف جابر عصفور.
(8)   ارتبط مصطلح النقد بعملة النقد حيث يقتضي التمييز بين حقيقها وزائفها..
خالد جواد شبيل، 1نيسان/أبريل 2016