التعصب الديني في العمل و اثره على المرأة و الاقليات و الوطن


المحرر موضوع: التعصب الديني في العمل و اثره على المرأة و الاقليات و الوطن  (زيارة 1573 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ماري مارديني

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
ان العمل هو طاقة و مجهود و  نشاط  فكري و اجتماعي و انتاجي يصب في مصلحة الفرد و المجتمع معا ، و ان كلا الفرد و المجتمع يتبادلان التأثير ببعض ، و كلما كان المجتمع اكثر تفتح و مساواة و موضوعية كلما كانت نتائج  العمل افضل على الفرد و المجتمع معا ، و كلما تم العمل بموضوعية و ابتعاد عن جميع انواع التعصبات و التحيزات كلما تم الازدهار و التطوير  بمستوى افضل، لكن التعصب و منه التعصب الديني يسيء لكلا المجتمع و الانسان و لا سيما المرأة و الاقليات . المجتمع السليم هو المجتمع الذي يعدل بين المواطنين حسب قدراتهم و لا ينظر لانتمائاتهم لا الدينية و لا القومية لانهم جميعا مواطنين يحملون ذات النسب لذات البلد حتى و ان كان لبعضهم جذور من قوميات سابقة، او يمثلون اقليات دينية.ان التعصب عندما يوجد فإنه لا يؤثر الا بشكل سلبي على العمل و على المجتمع ، و عندما يكون الدين مسيطرا على ادارة ما في العمل بشكل علني او بشكل خفي على السواء ، فإن العمل يكون متدني المستوى و النتائج،  ويكون فيه تجني على الاقليات و على المرأة و بالتالي تراجع و ضعف بنوعية و مستوى العمل بالمجتمع .

هناك دول تجاوزت التعصبات ، و ساوت بين جميع الناس قانونا و تعاملا، و قولا و تطبيقا، و بكل المجالات و الامور. تلك الدول تطور العمل بها و الانتاج، ،  لان تلك الدول تمكنت من الارتقاء و الاستفادة من طاقات و امكانيات افراد المجتمع، بأكمله و بعدل،  و سعت للعمل على راحتهم و تأمين شروط عمل و اجور مناسبة و معقولة ، تلك الدول خضعت لمطالب العامل و للنقابات التي لها دورها الايجابي، وقد  تم سن قوانين للاضراب عن العمل و تمت حماية من يقومون  بالاضراب عن العمل لان لهم حق بذلك . و اشتركت كل طبقات المجتمع بغض النظر عن الانتماء او الجنس  بذات الحقوق و الواجبات و المزايا بالمجتمع.

ان المرأة بطبيعتها عاملة، فهي عاملة في البيت ، و كانت عاملة منذ البداوة في الصحراء بما يناسب طبيعة حياة الناس الصحراوية ، و في عصر الزراعة عملت في الحقل ، الى ان عملت في المعامل ، و التجارة، و مع الزمن وصلت الى الادارات والسياسة و  مراكز اتخاذ القرار.
ان دور المرأة واضح بالدول التي تجاوزت مسألة الحديث عن حقوق المرأة او مساواتها.. فهي كانت و مازالت و ستبقى عاملة، ، فعلى الرغم من طبيعة المرأة ، و حساسيتها ، و دورها في الحياة ، و الاسرة، الا انها مع ذلك  استطاعت ان تثبت وجودها و قدراتها بمساعدة الرجل لها و القانون و القرارات السياسية الادارية المنصفة و المساوية بينها و بين قدرات الرجل بأي مجال، و مازالت المرأة بجانب الرجل ، و كذلك الرجل ما زال بجانبها بتلك الدول التي نهجت العقل و الحلول الواقعية لتطوير العمل و  الحياة و المجتمع من خلال التعاون بالعمل للعيش برفاهية و كرامة انسانية تحمي حقوق الجميع،  و تساعدهم على اداء ادوارهم في الحياة. و مازالت المرأة و الرجل يعملا  معا لاجل تحقيق حياة اكثر طمأنينة و نجاح و نحو مجتمع افضل و افضل، خاصة ان تلك الدول تجاوزت التعصبات بكل انواعها ، و فصلت الدين عن الدولة، و احترمت كل فئات المجتمع و اعطتهم ذات الحقوق و عليهم ذات الواجبات، و كذلك عاملت كل الدخلاء عليها بغض النظر عن اديانهم او اصولهم فعاملتهم  على انهم من افرادها، فأعطتهم ذات الفرص و الحقوق و بكافة المجالات  دون اي تفرقة اواي نوع من انواع التعصب، مما ساعد على دمج المجتمع و النهوض بسوية العمل و نوعيته ، وساد الاحترام المتبادل بين جميع العاملين، و تقدير الجهود المبذولة من الجميع ، و العمل المستمر للتطوير نحو الافضل للعامل ليمكنه ان يُطور العمل و يُقدم اقتراحات جديدة تستمع ادارات العمل له و تعمل به.و ذلك ساعد على ان النقابات اخذت دورها الفعال، و الذي ما زال يدعم العامل و حقوقه. فالعمل بالاضافة لانه مصدر دخل فهو بيئة اجتماعية تتسم بالوعي و الاخاء و الاحترام و التقدير لاي اضافة و تجديد او اقتراح.

لكن المشكلة تقبع بالعالم النامي، الذي لم يخرج بعد من تحت سيطرة الفكر الديني المتفاوت في  مستويات  النظر للاقليات الدينية، و  للمرأة ،و دورها ، و الذي لم يخرج من القبلية في تفكيره و تعامله ، و مع ذلك .فإن بعض الدول طورت دور المرأة بالمجتمع اكثر من بعضها الاخر ، و تفاوتت حقوق المرأة و واجباتها في المجتمعات النامية من بلد الى اخر و لا سيما بالنسبة لمجال العمل الذي هو محور الكلام هنا، لكن  دور المرأة في  العمل بشكل عام  بقي محدود للغاية ، و شكلي للغاية  في معظم تلك البلاد . التعصب الديني يؤثر على المجتمعات النامية حيث مازال الدين فيها هو المسيطر على المجتمع، مما يؤثر على المرأة سلبا. و عندما يكون بتلك الدول اكثر من دين فإن ما يحدث هو ان الادارات و المراكز و المناصب الاولى غالبا محدودة بأفراد دين دون غيره اولا، ان ذلك يكون بشكل خفي غالبا و ليس علني،  ثانيا مرتبطة بإعطاء الرجل مهام اكبر و اعلى من مهام المرأة.. فالمرأة تابع حتى بالعمل و الادارة و السياسة و القيادة. بكلمة اخرى كلما سيطر الدين على مجتمع كلما أبعد رجال الاديان الاخرى عن ادارات العمل،  و كلما أبعدت المرأة اكثر عن الادارات و بعض الاعمال،  و كذلك ابعدت المرأة الاتية من اقلية دينية اكثر عن مهام القرار بالعمل و مناصبه الادارية .
 ان التعصب الديني بالمجتمع  بالطبع  يسبب تفرقة في توزيع المناصب عندما يتم تفضيل طائفة على اخرى،  او دين على اخر ،و حجب بعض الاعمال و الوظائف و المناصب عن افراد  دين معين، و تخصيص اخر بها.
 فقط ببعض المجتمعات النامية  قد سمعت ان هناك دول لها دين و يستعملون  مصطلح "دين الدولة !"،  من المعروف عادة ان الافراد لهم دين ، لكن ان يكون للدولة دين فهذا يعني تفرقة،  و اعتبار الاديان الاخرى في البلد  اديان درجة ثانية ..، ان ذلك التعصب  يبطئ التقدم و التطوير في المجتمع الذي يرى الانتماء الديني قبل ان يرى القدرات و العقول،  فالوظائف و الفرص و الاعمال يجب ان تقوم على الكفاءات و القدرات، ليس على الانتماءات و القبليات او الطائفية و السعي لوضع عراقيل امام الاخر  في عمله او عملها، و احيانا يسبب ذلك سرقة جهود و افكار الاخر الاتي من اقلية بدل من تشجيعه على العمل المميز الذي يقوم او تقوم به ، لكن التعصب يجعل سلوك الافراد  نحو الاقليات و نحو المرأة سلوكا شبه اجرامي احيانا.
ان المرأة هي المتضرر الاكبر عندما يكون الفكر الديني مسيطر" بشكل مرئي او غير مرئي" على مجالات العمل. و البعض يستغل بتعصبه الديني بعض النصوص و يسعى الى ان   يقلل من اهمية دور المرأة  و قدراتها العقلية و النفسية و الجسدية بالنسبة للعمل و يرون فروق كبيرة بين المرأة و الرجل  ، فيرون ان الرجل هو الاساس و لا يرون ان الرجل و المرأة معا هم الاساس لبناء المجتمع و تطوير العمل ، و هو صاحب المشورة، فهناك اعمال  بالمجتمات النامية موقوفة تقريبا على الرجال دون النساء،  او محبذ بها ا لرجال اكثر من النساء كالقضاء و الحكومة و الاحزاب، فالقيادة غالبا  للرجل، و الرجل يقرر، و المرأة بالعمل تأتي بالمرتبة الثانية بعد الرجل ، و هذا يعطي مجال للرجل الغير سوي،  و قد  يظهر بسلوكه  تناقض ناتج  عن بيئة تعصب في النظر للمرأة و التعامل معها ، فالرجل الذي يبيح له الدين من جهة  الخوف على المرأة و حمايتها في البيت هو ذاته الرجل الذي من جهة ثانية  قد  يستغل المرأة و يسيء لمسيرتها و حريتها، او  قد يحاول ان يتجاوز حدوده معها بمجال العمل،  لانه من جهة اخرى يراها اقل منه،  او يراها خُلقت لاجله، فإما تستجيب لنزواته و ازعاجاته لها او تتحمل عقوبات في العمل او غير مجال ، و احيانا، والكلام لا يعني  تعميم،احيانا  تظهر سفاهة بعض الرجال بتعاملهم مع نساء من غير اديان بطريقة تعكس تعصب الرجل و نمط تربيته!،  و تدني مستوى ثقافته و  عمق تعصبه الذي يجعله يستغل وجود المرأة المغايرة له بالدين بمجال عمله فيعكس عليها امراض نفسه المتعصبة، لانه غالبا غير معتاد على رؤوية نساء اقليات  متحررات فكريا ، و ثقافيا ،و اجتماعيا ،  و المتجردات روحيا بشكل يفوق تعصبه و تخلف مستوى تفكيره ، و هذا ما لم يعتاد عليه في بيئته التي ربته بشكل  قمع له ،  و عزل للمرأة عن الرجل و المجتمع، مما يجعله يعتقد انه ممكن ان يستغل عمله ،  و يبرهن على جشع نفسه اتجاه امرأة من اقلية دينية لا تعنيه، بل يسعى بسبب تعصبه الى ازعاجها و ازعاج ما تنتمي اليه من اقلية كدليل على تعصبه المريض ضد اقليتها، و دليل على غياب احترام النفس لدى البعض من الرجال ضمن اعمالهم اذا لم يراهم احد. و  البعض يغيب عن باله  ان الاقلية هي  اقلية بالعدد فقط سواء اقلية دينية او قومية  ، و لكن  ليس بالفكر و الثقافة و العلم و القيم و المكانة و الاهمية. و ان المسألة مسألة نوع و ليس فقط عدد. ان ذلك النوع من الرجال موجود بأماكن العمل لكنه طبعا يمثل اشباهه السيئين  فقط  و لا يتم من خلاله التعميم على الجميع.
 ان الاقليات الموجودة بالمجتمعات النامية لم تحصل على حقوق كاملة بشأن الحصول على المناصب و الوظائف بشكل عام ،سواء كانت  اقليات قومية او اقليات دينية، و  يُعاملون معاملة درجة ثانية بعدد من المجالات ، فإن تعامل الاكثرية مع الاقلية بتلك المجتمعات على انهم درجة ثانية بالمواطنة  يزعج حرية الاقلية، و يتم النظر لهم من البعض  على انهم غرباء بالمجتمع المتعصب، و هذا بدوره يسيء لنسيج المجتمع و لمصلحة العمل، لان الاكثرية تنظر لهم على انهم ليسوا من المجتمع فينظرون للمسيحي مثلا على انه غربي مع انه المواطن الاصلي ببلده الذي صاروا هم فيه اكثرية مع الزمن،  و يتناسون انه هو من ترجم الكتب، و ارشف الدواوين،  و وثق ، و نظم دوائر البلدان التي تم غزوها و احتلالها عبر التاريخ، و هكذا تاريخيا ازداد الغزاة  الى ان صار صاحب  المكان الاصلي  اقلية مع الزمن،  و تم ابعاده عن مناصب القيادة الكبيرة في بلده،  و من بلده. اما المرأة من الاقلية فهي نشأت  حرة و متحررة، في بيئة متفتحة الفكر و الثقافة و عالية القيم، و لان الجو العام بأماكن العمل حولها متعصب و غير قادر على استيعاب تعدد الثقافات في العمل فهي تحترم عادات الغير ، و لانها تعرف انهم متعصبين فإنها لا تضع نفسها بجو يمكن ان يتم من خلاله فهم تحررها المسؤول بطريقة خطأ من بعض المتعصبين،  اوغير الفاهمين لان التحرر هو قيمة و مسؤولية و تربية اعتادت المرأة المتحررة عليه و بكل احترام لنفسها و عقلها حصلت عليه من مجتمعها و بيئتها، و هي مستحقة له ،و لا تقبل ان يُساء فهم تحررها من متعصب او محاول لاستغلال تحررها فهي تحترم حريتها التي هي قيمة و مستوى فكري عالي، فتتجنب من لا يستوعب فكرها و تحررها، او من يسعى لاستغلال تحررها او من يفهمه خطأ، فأقليتها تحترم فكرها المتحرر و لا تسيء لتلك القيمة ، و بذات الوقت  تكون المرأة بالطبع سعيدة و فخورة بما حصلت عليه من ثقة اقليتها  و تبادلهم الثقة و المحبة، فهي لها اقليتها التي تحترم وعيها و عقلها و لا تسيء التعامل مع وعيها و حريتها،  فالمرأة المتحررة لا تقبل بمجتمع اقل تحرر من مجتمعها اذا كان ذلك المجتمع سيقيد حريتها و ينظر لتحررها نظرة خطأ، و لا يحترم فكرها و قيمها. ففي العمل  انها تؤدي عملها بثقة بنفسها و تعتمد على قدراتها العقلية و العلمية و الانسانية و الاجتماعية التي تمكنها من العمل بشكل جيد ، و من التعامل مع الاخرين بإحترام ، ولا تقبل بالطبع ان يسئ  احد فهم تحررها و ثقافتها خاصة اذا كان متعصب و غير مستوعب لثقافتها، او متقصد لمضايقتها لانها من اقلية ففي هذه الحالة تضع حد لمثل اولئك الافراد.

ان التعصب يعيق التقدم و الازدهار بالعمل ،  و  يؤدي الى نزاعات و عراقيل في العمل قد تكون ظاهرة و علنية ، و قد تكون مخفية و غير علنية او غير مباشرة، و قد تصنع عداءات بين الموظفين عندما لا تكون الادارات نزيهة و عادلة و متسامحة،  و بسبب التعصب فإنه يصبح من السهل ان  يقوم مبدأ المحاباة على حساب المساواة ، و اعطاء العمل لمن لا يستحقه في بعض المجتمعات المتعصبة مع العلم انه يوجد من هو احق به، و اكثر اهلية و فائدة، و لكن بسبب انتمائه الديني قد لا يحصل عليه.و هذا من شأنه ان يسيء الى الثقة و الاحترام في العمل بين العاملين . كذلك يسيء الى  الثقة و الاحترام  بإدارات العمل عندما تكون طائفية و متعصبة او غير نزيهة. فيصبح مكان العمل مصدر مضايقات و تحيزات تسيء لعلاقات الافراد و بالتالي  للعمل و المجتمع.فيصبح التعصب من عوامل الفساد في العمل. ويشيرالتعصب الى ضعف في الثقافة.

اذا كانت المجتمعات المتقدمة ما زالت تسعى بقوانينها ، و نقاباتها ، و عمالها ،  و ستسعى اكثر الى تطوير و تحسين العمل و شروطه،  و مستواه و تحسين ثقافة ،و صحة ،و راحة ،و دخل  العامل ، فإن امام المجتمعات النامية الكثير من العمل على ذاتها لكي تتمكن من الرقي بثقافتها اولا ثم بالعامل، و العمل، ولكي يتطور  دور النقابات و تتطور قوانين العمل اكثر. فعندما نتحدث عن العمل و العمال فهناك فروق جذرية  بين مجتمع و اخر  لها اثرها الكبير على العمل و العمال و النقابات و قوانين العمل. و طالما هناك مجتمعات ما زال التعصب الديني او الطائفي فيها موجود فلا تطور ملحوظ ينعكس على العامل نفسيا او اجتماعيا،و لا على المجتمع،الذي يحتوي نقابات غير حرة من تسلط او اخر. و ان التعصب الديني هو من سوء فهم الانسان للدين،  و هو دليل على الابتعاد عن القيم الدينية ، و دليل على اخطاء تربوية تلقاها المتعصب ، فهو جهل بقيم الدين الصحيحة، و نتيجته اساءة للانسان ،و العمل، و بالتالي المجتمع. كما ان التعصب دليل عدم نضج، ودليل  عدم اكتراث بمصلحة الوطن.

ماري مارديني