صحوتي الفكرية: تأليف الدكتور ريمون شكوري


المحرر موضوع: صحوتي الفكرية: تأليف الدكتور ريمون شكوري  (زيارة 2079 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. ثائر البياتي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 38
    • مشاهدة الملف الشخصي

صحوتي الفكرية: تأليف الدكتور ريمون شكوري
مراجعة الدكتور ثائر البياتي
4-30-2016
صدر حديثا كتاب باللغة العربية للدكتور ريمون نجيب شكوري تحت عنوان:
“ صحوتي الفكرية”، بتـَصدير الدكتور مجيد القيسي، أستاذ الكيمياء في كلية العلوم في جامعة بغداد وعميدها الأسبق الذي حدد موقع محتوى الكتاب في الفكر العالمي، كما عرَّف فيه المؤلف الدكتور ريمون شكوري. كتاب “ صحوتي الفكرية” يتضمن ثلاثة أبواب، باب النشأة، فيه سيرة ذاتية موجزة للمؤلف مقصورة على نشأته بدءاً من مرحلة الطفولة الى سنوات الدراسة الجامعية، وباب آراء وأفكار، وباب مغالطات وحجج، ويتكون من 398 صفحة من النوع المتوسط . يمكن إقتناء الكتاب عن طريق الأنترنيت من الموقع الأليكتروني لامزون، تحت الرابط: http://www.amazon.com
والكتاب تحت عنوان:
My Intellectual awekening
By: Dr. Raymond N. Shekoury

مؤلف كتاب “ صحوتي الفكرية” الدكتور ريمون نجيب شكوري أستاذ متقاعد في جامعة بغداد، إختصاصه الرئيسي موضوع الرياضيات، وعمل استاذا في الجامعة الأردنية الهاشمية وجامعات أمريكية مختلفة لحين تقاعدة في عام 2002. عرفته منذ اكثر من اربعين عاماً، أستاذاً بارعاً ، تتلمذت على يديه في قسم الرياضيات، كلية العلوم جامعة بغداد، كان من الأساتذة اللامعين في الرياضيات، ملماً بمختلف مواضيعها، مهتماً بفلسفة العلوم ومنطقها، فدرَّسها لطلاب قسم الرياضيات والفيزياء. أشرف على بحوث دراسات عليا لدرجتي الماجستير والدكتوراة لأكثر من خمسة وثلاثين طالباً، ونشر كثيراً من البحوث العلمية في مجلات عالمية وكان عضواً ناشطاً في جمعيات علمية محلية وعربية وعالمية مختلفة طيلة فترة عمله.

من الواضح ان العنوان الفرعي لكتاب ” صحوتي الفكرية” : “ لا يفهم ظاهرة الدين مَنْ أعتنقَ ديناً ، بلْ مَن ْ إنعتقَ مِن الأديان” يكشف نكهة محتواه. ورغم ان الرياضيات هي اختصاص المؤلف الا ان كتاب “صحوتي الفكرية” ليس بكتاب في الرياضيات، بل أنه كتاب حواري ممتع، بين المؤلف وأحد قراء مقالاته المنشورة سابقاً في الحوار المتمدن، تدور مواضيعها حول التطور الفكري للمؤلف وخاصة بما يتعلف بظاهرة الدين.

عند سرد المؤلف سيرة حياته، يسلط الأضواء على ما تعرَّض اليه من برمجةِ غرسِ مبادئ الدين . وهي برمجة يمارسها معظم أولياء الأمور على عقول أطفالهم وثم تعمـِّقها المناهج التربوية في المدارس، خاصة ً تلك التي يديرها رجال دين.

يتطرق المؤلف في سيرته الذاتية الى حوادث فذة، شكـّلت في حياته انعطافات فكرية حادة كان لها الأثر الأكبر في كبح ِ مفعول تلك البرمجات عليه. ويركز في النشأة على مراحل دراسته قبل الجامعية، مبيناً قراءاتهُ المتنوعة والغير منهجية حول مواضيعَ الفلسفة والتاريخ والعلوم التي ساعدتْ على تنضيج وبلورة أرائه ومواقفه في الحياة، خاصة في الشؤون الدينية والتي عرضها في البابين الثاني والثالث من “ صحوتي الفكرية”.

تناول باب “الأراء والأفكار” واحد وعشرين مقالاً مستقلاً الواحد منها عن الآخر، جميعها تعالجُ أموراً متنوعة، لكنها تتعلقُ بالأديان بشكل ٍ أو آخر، وقد سبق أن نشر بعضها في موقع الحوار المتمدن. لقد عالج د.شكوري هذه المقالات بأسلوب موضوعي أكاديمي. فمثلاً إستهل مقاله عن الإلحاد بتعريف ٍ مقتبس ٍ من موسوعة ويكيبيديا، بأن المـُلحد هو ليس المرء الذي يدَّعي عدم وجود إله، إنما الذي لا يؤمن بوجود إله بسبب عدم توافر أدلة عقلانية كافية على الزعم بوجوده. واعتمد المؤلف في مقال” هل الإلحاد دين؟” على موسوعة الفلسفة في توصيفِ مقومات وابعاد ظاهرة الدين والتدين، مبيـَّناً عدم إنطباق تلك المقومات على الإلحاد.

وكتب في بداية مقال ” مسيحيو الشرق الأوسط بعد الفتوحات الإسلامية” نظرتي ( الى هذا الموضوع الحساس) نظرة نسرٍ مـُحلقٍ ٍ في أعالي السماء، يرى من علِّوه قمم الجبال وأعماق الوديان وسعة الغابات ولا تسترعيه الصخور المبعثرة ولا الروافد الصغيرة ولا الأشجار المنفردة، أي يتجاوز بنظرته الأمور والأحداث الصغيرة التي يركز عليها عموم الناس. وفعلاً نظر المؤلف، بتجرد موضوعي، على أطر تفكير الطرفين( المسيحي والإسلامي) من أعالي ذلك البعد حول وضع مسيحي الشرق الأوسط زمن الفتوحات الإسلامية وأسباب التناقص الكبير في أعدادهم، وعزى اسباب ذلك، لظروف موضوعية، تختلف عما ذهب اليه كثير من المسيحيين أو إعتقده معظم المسلمين.

أرفدنا المؤلف في مقاله ” تأملات حول الحياة والموت” برأيه الخاص حول الحياة- بعد الموت. وارجع فكرة الإعتقاد بالحياة الثانية التي لا تسندها العقلانية الى غرور الجنس البشري بنفسه وشعوره بالتسامي فوق الأنواع الحياتية الأخرى. وبين ان هذا الغرور ادى بالبشرية الى مآزق لم تستطع الخروج منها الا بتضحيات جسيمة. ثم ختم مقاله معبراً عن رأيه بمقطع محوَّر من أغنية لفريد الأطرش “ كلنا في الفنا سوا” ويقصد ان لا مكانة متميزة في الكون للجنس البشري. وهنا اراى المؤلف يتفق مع الشاعر ابو العلاء المعري في قوله:

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة           وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام حتى كأننــــــــــــا            زجاج ولكن لا يعاد له سبـــــك

وبعد ان أعطى في الفصلين “ تناقضات قرآنية” و”تناقضات في الكتاب المقدس” عشرات من الأمثلة على تناقضات من شتى الألوان والأنواع في الكتب المسماة مقدسة، ختمها بالمقولة التلخيصية الآتية: إن مجرَّد وجود تناقض واحد فقط في كتاب( يفترض انه منزل من الله أو انه موحى من روح القدس) كافٍ كي يقوِّضَ الإدعاء بالتنزيل وبالإحاء وبالتقديس.

ومن بين مقالات هذا الباب: يسوع الناصري، الإقتداء بالمسيح، هل حمل المسيح سيفاً؟، إنجيل يوحنا يروي قصة إحياء يسوع ليعازر من الموت، محمد نبي الإسلام، القرآن.

أما الباب الثالث فيحتوي مقالاتٍ تختلف طبيعتها عمَّا سبقتها. تشكلُ الأربعة الأوَلُ منها تمهيداَ توضيحياً لمقالات الحجج التي تليها. فيسلط مقال “ مغالطات منطقية” الأضواء على عدد من مطبات منطقية التي يقع فيها كثيرون من دون وعيهم عند مناقشاتهم الفكرية والبرهانية.

من الملاحظ ان إدعاء المؤمنين أن ما يشعرون به في قلوبهم من إيمان ديني يغنيهم عن البراهين المنطقية العقلانية. ولهذا إحتوى هذا الباب مقالاً بعنوان” الأيمان الديني” يبين فيه د. شكوري أن الأيمان يجعل إستبعاد الفكر فضيلة. وثم يقول إن الأيمان الديني ليس بريئاً كما يدعي البعض، فقد يكون في بعض الحالات ( مثل أحداث 11 سيبتمبر وجرائم داعش ) قنبلة موقوتة لا يعلم متى تنفجر.

أما المقال “ البينة على من إدَّعى “ عنوان يشير الى مبدأ منطقي عام، وضعه المؤلف - على ما يبدو- رداً على تحدي المؤمنين لمناوئيهم بأن يأتوا ببرهان على عدم وجود الخالق. لكن المنطق يقتضي ان على المؤمنين أنفسهم أن يأتوا ببراهين على وجود الخالق، هم الذين يزعمون بوجود خالق. وفعلاً قد قدّمَ فلاسفة ولاهوتيون عديدون خلال الواحد والعشرين قرتاً الماضية ما لا يقل عن ثلاثين محاولة برهانية. لكن لمْ يصمد أي منها أمام محكات المنطق.

ولقد أختار المؤلف ان يتاول في كتابه عينة من أحد عشر محاولة جميعها معروفة في الأوساط الفلسفية واللاهوتية، هي:
الحجة السببية، الحجة الوجودية، الحجة من التصميم الذكي، الحجة من التعقيد الاإختزالي ، الحجة من الثغرات العلمية ، الحجة من التنغيم الدقيق للثوابت الكونية، الحجة من الأنفجار العظيم ، الحجة من المعجزات، الحجة من الأخلاق، الحجة من الأستجابة للصلوات، واخيراً عرض ما يُسمى” المقامرة الباسكالية” التي لا تشكل بحد ذاتها حجة برهانية، إنما تحاول ان تبين فقط على أن من العقلانية ” المراهنة” على الإيمان بوجود الله لـِمَنْ كان حائراً في موضوع وجوده.

حرص المؤلف على ان يشرح كلاً من تلك الحجج شرحاً وافياً ومن وجهة نظر دعاتها وبموضوعية أكاديمية. وبعد ذلك يضع الحجة على طاولة التشريح فيبرز ما فيها من مواطن خلل يفسد البرهان. وقد أكـّد أكثر من مرة على ان فساد البراهين على وجود الخالق لا يضمن مطلقاً برهاناً على عدم وجوده.


لا يعني كلامي الأتفاق التام مع كل ما ورد في كتاب “ صحوتي الفكرية” ، بل هناك بعض المآخذ البسيطة على الكتاب، ولا ارى انها تقلل من شانه أو تنتقص من قيمته الأكاديمية، لكن أشعر ان من واجبي كناقد مراجع للكتاب ان أثبتها هنا:

اولا: أقتصر الدكنور ريمون في كتابه على الأديان الأبراهيمية التوحيدية، وخاصة الدينين المسيحي والإسلامي. صحيح ان الكتاب موجه الى القارئ العربي ، لكني أعتقد ان من المفيد للقراء العرب الإلمام بمواطن الشبه والخلاف بين أديانهم وأديان أخرى كالبوذية والهندوسية وغيرها ذوات الأنتشار الواسع بين ملايين البشر.

ثانيا: على الرغم من إتفاقي الكامل مع رأي أستاذنا الفاضل الدكتورعادل غسان نعوم الوارد على الغلاف الخلفي للكتاب، بأن لدى د. شكوري قدرة رائعة في التحكم باللغة مما جعل أسلوب عرضه لــ “ صحوتي الفكرية” واضحاً ومقنعاً وممتعاً للقراءة، أقول – على الرغم من ذلك - كنت اتمنى أن يتحفظ د. ريمون عن أسلوب التهكم ومعالجة الأمور بالصعقة الكهربائية، الذي استخدمها في مواقع عديدة من الكتاب، فبدى وكأنه يستهين بمعتقدات الأخرين . صحيح أنه اسلوب زاهٍ بالألوان ومليئ بالصور المثيرة للدهشة ويطرق الأفكار في مكانها لغرض بلوغ الغاية المطلوبة. لكني أخشى من إحتمال ان بعض القراء يصدهم هذا الأسلوب عن الأستمرار في قراءة الكتاب.وهو من المؤكد إحباط لهدف الكتاب.

إن هدفي من هذه المراجعة ان الفت إنتباه القارئ العربي الى ضرورة الأنفتاح الفكري والإطلاع على الآراء والأفكار المطروحة في الكتاب وان يفكر ملياَ ويتفحص مدققاً بعقل متحرر وفكر نير ما ورد فيه من آراء وأفكار للدكتور ريمون شكوري. وسوف لا يتم ذلك الا بعد قراءة كتاب “ صحوتي الفكرية” .