في ذكرى غائب طعمة فرمان


المحرر موضوع: في ذكرى غائب طعمة فرمان  (زيارة 862 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل طالب عبد الامير

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 7
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في ذكرى غائب طعمة فرمان
« في: 23:29 10/08/2016 »


في ذكرى غائب طعمة فرمان



طالب عبد الأمير


(في 17 آب هذا العام تكون قد مرت 26 عاماً على رحيل صاحب "النخلة والجيران". وهذه المقالة نُشرت في الثقافة الجديدة، العام الماضي، بمناسبة مرور ربع قرن على رحيل غائب طعمة فرمان)

"لم يلحق ظلم بأديب عربي مثلما لحق بغائب طعمة فرمان. منذ نهاية الاربعينات وهو يكتب. وكل ماكتبه متميز الى حد كبير، يعرفه الذين يعرفون ادبه "قصصه القصيرة ورواياته".. لكن الغربة جعلته بعيدا عن ان ينتشر، كما انتشر ادب من هم دون مستواه"..
أن ابدأ الحديث عن الروائي الكبير غائب طعمة فرمان، في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيلة، بهذا المقطع للكاتب الفلسطيني وليد ابو بكر الذي كتبه، في "الوطن" الكويتية" شباط عام 1983؟ ذلك لأن غائباً مازال "مظلوما"، حتى بعد مرور ربع قرن على رحيله الابدي في الـ 17 من آب، العام 1990، حيث عاش منفيا ومغتربا اكثر من نصف عمره، وقد حمل على اكتافه الوطن حنينا مزمنا، عبر محطات ترحاله المتعددة: من القاهرة ودمشق وبيروت، مرورا بعواصم اوروبية عديدة، الى هانوي و بكين ومن ثم موسكو، مرساه الأخير. اذ لم يجد له في عراقه  حتى مثوى أخير له، فدفن في موسكو، المدينة التي عاش فيها مايقرب من اربعة عقود، رغم انه لم يتآلف معها، بل هو لم يتآلف مع اي مكان سوى العراق، ولكن في ذاكرته واحاسيسه وكل كيانه. فـ"هو البغدادي الذي حمل بغداده معه اينما ذهب، ولا يتعب من النظر اليها كما ينظر الطفل الى لعبته.. هو بحاجة الى رائحة بغداد وشمسها " كما كتب عنه الروائي عبدالرحمن منيف، مجلة البديل، العدد 17 عام 1991.  و" لم يحمل مغترب وطنه كهم يومي وحنين دائم كما حمل غائب وطنه العراق"، كتب عنه سعيد حورانية في نفس العدد، او كما وصفه  الفنان احمد النعمان في كتابه "غائب طعمة فرمان.. ادب المنفى والحنين الى الوطن" بأنه "المثال الاكثر تراجيدية للمغتربين من ابناء وطنه رغما عنهم". " كان غائب قلقاً اثناء النهار واكثر قلقا اثناء الليل، فما يرقد على سريره بعد عمل مُجهد حتى يتقلب كسمكة اودت بها امواج القدر الى الساحل خارج  البحر، فلا خيار لها الا الموت على الحصى المضني او العودة الى البحر- الوطن. وغائب لم يعد الى الوطن... فقد اختار الموت على ارض غريبة لكي لا يبيع الكلمة لسلطان وحشي احمق".

ولكن السلطان الوحشي الاحمق انتهى ونظامه منذ عقد ونصف، ومازال غائب لم يحظ بذكرى في وطنه، يجسدها نصب او اسم شارع او حتى ركن في مكتبة عامة.. و"ما يحز في النفس أن روائيًا كبيرًا ومهماً مثل غائب طعمة فرمان لا يجد من يدعم اقامة تمثال له في وطنه. وعندما يبادر أصدقاء الكاتب ويناشدون من هم جديرون بالاسهام لإقامة تمثال له في بلد أوروبي تقديرا لمكانته، لا يجدون أية معونة أيضاً". كما كتب ياسين النصير في صحيفة طريق الشعب.
فكرة اقامة تمثال لغائب، جاءت من قبل اصدقائه في موسكو،  وبأن يتم نصبه بمناسبة مرور ربع قرن على رحيله، في مقر اتحاد كتاب روسيا، يأتي تكريماً لاسهاماته في رفد الثقافتين العربية والروسية باعمال ادبية قصصية وروائية وترجمات عن الادب الروسي انجزها غائب. غير ان  نصب التمثال يحتاج الى مال، ومناشدة الجهات المسؤولة في العراق للاسهام في تكاليفه لم تلق اذانا صاغية. ولكن "مع ذلك سيقيم أصدقاء الروائي التمثال بعد أن اسهموا بجمع تكاليفه، وهم يستحقون بهذه المناسبة الثناء والتقدير". كما كتب النصير.
 
 اذاً، تمر الآن ذكرى ربع قرن على رحيل الروائي العراقي القدير غائب طعمة فرمان، الذي ولد في احد احياء بغداد الفقيرة في العام 1927، واكمل دراسته في كلية الاداب بالقاهرة العام 1954، وعاد الى الوطن، في نفس العام، لكنه لم يجد له فيه وظيفة يعتاش منها، فقد رفضت السلطة انذاك تعيينه، اذ لم يكن على وفاق معها. كان قد عاد الى العراق وهو يشعر بالظلم، لأنه عندما كان في القاهرة يدرس على حسابه الخاص، كان ثمة طلبة بعثات يتمتعون بامتيازات، فيما كان يحاول جمع قوته اليومي من الكتابة في عدة صحف. اشعرته تلك الحالة بكثير من الظلم، "اعتقد ان هذا الظلم ترك اثره على حياتي كلها"، كما ذكر غائب في احد حوارته مع مجلة الثقافة الجديدة. فغادر العراق الى سوريا ولبنان، بحثا عن عمل، لم يجده، ومن هناك اضطر للتنقل بين رومانيا والمجر والنمسا والمانيا متشردا وبوضع مادي بائس، و"كان يحاول دائما الرجوع الى العراق.. ويحلم بالعودة، او حتى بالعيش في بلد عربي"... "غائب يدور في دوامة.. والدوامة تقذف به الى العديد من عواصم العالم.. ولعنة انه وطني و تقدمي (اي، مشبوه) تطارده، وهو لا يهرب منها ولا يتهرب"، كما كتب عنه الكاتب اللبناني محمد دكروب. وبعد سنوات الترحال المضنية تلك عاد غائب الى وطنه العراق ثانية في العام 1958، بعد ثورة 14 تموز، لكنه لم يمكث فيه سوى عام واحد، حتى غادره مجددا. وفي روايته الخامسة "المخاض" التي صدرت في العام 1974 تحدث الروائي عن شخص مغترب عاد الى وطنه، ولم يجد احدا في استقباله، رغم رسالته التي بعثها الى اهله يخبرهم فيها بمجيئه. وعندما ذهب الى محلته لم يجد لها اثرا.  "رحت وكأنني ابحث عن أهلي، وخلال بحثي عن اهلي كنت ابحث عن وطني.. اين مني وطني الآن؟ وأين انا منه؟" يقول غائب في حوار اجريته معه عام 1988، نشرت "البديل" مجلة رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين، جزءا منه في العدد 13 العام 1989. وهنا انشره باستفاضة، لأول مرة، مع بعض ذكريات بسيطة جمعتني به قبل ما يقرب السنتين، قبل رحيله الابدي، اذ تعرفت عن قرب على هذه الشخصيته، التي حملت كل الصفات الطيبة للانسان، ذي الابتسامة المميزة رغم الالم الذي كان يحمله في دواخله، وكأنه احدى شخصيات قصصه ورواياته، التي كنت شغوفا بقراءتها، والتي جسد فيها حياة الناس البسطاء، امالهم. وتطلعاتهم، ابتداءا من "حصيد الرحى" مجموعته القصصية الاولى التي اصدرها ببغداد عام 1954، حتى رواية المركب، أو "ام الخنازير" التي اراد ان يكون اسمها، والتي صدرت في بيروت العام 1989. وما بينهما "مولود آخر"، "النخلة والجيران"، " خمسة اصوات"، المخاض"، "القربان"، "ظلال على النافذة" "آلام السيد معروف" و "المرتجى والمؤجل"، حتى عد اهم اعمدة كتاب الواقعية المعدودين في بلادنا.

كان ذلك في اكتوبر العام 1988، عندما شارك الروائي غائب طعمة فرمان في مؤتمر عالمي للكتّاب في بلغراد، دعا اليه اتحاد كتاب صربيا. وكان ذلك تقليدا سنويا اقيم تحت عنوان " لقاء أكتوبر" وشارك فيه كتاب من مختلف انحاء العالم. كانت موضوعة لقاء ذلك العام "الادب والمنفى". ومن كان الصوت الاكثر تمثيلا للكتاب العراقيين في المنفى، حينئذ، سوى غائب طعمة فرمان؟ كانت تلك اجابتي للبرفيسور رادى بوجيفتش، الذي كان حينها يعمل استاذا للغة العربية ورئيسا لقسم الاستشراق في كلية اللغات في بلغراد، عندما سألني عن رأيي عمن  يمكن دعوته من الكتاب العراقيين، بل والعرب ايضا، للمشاركة في ذلك الملتقى. وعبر اتحاد الكتاب الروس وصلته الدعوة.
وفي مساء اكتوبري معتدل البرودة في مطار بلغراد، استقبلنا الروائي غائب طعمة فرمان. كان هناك الشاعر سعدي يوسف وام حيدر، زوجته حينذاك ، (حيث كانا يسكنان في بلغراد، خلال تلك الفترة)، بالاضافة الى احد ممثلي الكتّاب الصرب، من منظمي اللقاء وانا. وبعد وقت قصير قضيناه معا في الفندق الذي اقام فيه غائب خلال ايام المهرجان، قبل ان ينتقل الى بيت الشاعر سعدي يوسف، ليقضي فيه يومين او اكثر، على ما اتذكر، ومنه غادر عائدا الى موسكو، ذهبنا الى مقر حفل الاستقبال الذي اعده اتحاد الكتاب الصرب للمشاركين في المؤتمر للتعارف فيما بينهم. كان غائب اكبر الكتّاب المشاركين سناً، وكان يعاني من امراض شتى، حيث صعد درجات السلم الى القاعة متكئا علينا سعدي وانا، واستقبله منظمو الملتقى والصحفيون بكاميراتهم باهتمام مميز.
 
ولسبب تقني، لم تتح لغائب امكانية قراءة كلمته المؤثرة التي كان قد اعدها لتلك المناسبة، وكان من المفترض ان يقرأها في الافتتاح. الكلمة سطر فيها واقع ما كان يعانيه الكتاب والفنانون العراقيون، الذين توزعوا في المنافي، بعيدا عن بيئتهم واوساطهم، وقد بدأها بالحديث عن ان الديمقراطية، كانت "المطلب الرئيسي لأجيال المثقفين في العراق، تقف في مستوى واحد مع الاستقلال الوطني، والكرامة الوطنية والعدالة. وفي سبيل هذا المطلب المعترف به عالمياً، والمثبت بدساتير الدول المتحضرة لقي المثقفون العراقيون كل انواع الاضطهاد والمضايقات، ومن بينها النفي.سواء اكان ابعادا رسميا باسقاط الجنسية، وبالمناسبة اسقطت الجنسية عني مرتين، او اضطراريا بالملاحقة، وحرمان المثقف من مورد عمله ومنبر لكتابته...". الكلمة تركها غائب عندي لارسالها، مع جزء من حوار اجريته معه، الى مجلة البديل، ونُشرت مع جزء من الحوار في العدد 13 لسنة 1989، كما تضمنهما كتاب "غائب طعمة فرمان..أدب المنفى والحنين الى الوطن" الذي حرره الفنان احمد النعمان، واصدرته المدى العام 1996.

اتذكر، في احدى جلسات المؤتمر، اصيب غائب بوعكة صحية، نقل على اثرها الى المستشفى. علمت بذلك بعد ساعات، وعلمت بأن احد المسؤولين في اتحاد الكتاب الصرب، كان قد اتصل بالسفارة العراقية في بلغراد ليخبرهم بأن كاتبا عراقيا يشارك في مؤتمر عالمي للكتاب، اصيب بوعكة صحية، ظنا منه، انهم سيهتمون بالامر، باعتبار غائب كاتب عراقي مرموق، وانه سيكون بالضرورة محط اهتمام السفارة العراقية. ولم يكن يعلم ذلك الشخص بان النظام الذي تنتمي اليه السفارة، كان هو المسؤول عن تشريد غائب واعداد كبيرة من ادباء العراق وفنانيه و مثقفيه الى المنافي وقسوتها، بل هو المسؤول عن مآسي العراقيين ودمار بلدهم. المهم عندما اتصل هذا الشخص بالسفاره ليخبرهم عن غائب، كان الرد بانهم لا يعرفون كاتبا بهذا الاسم. وعندما علم غائب، بمسألة السفارة، وكان قد تعافى قليلا طلب منهم ان يتصلوا بي، وتم اخراجه من المستشفى على الفور. مكث غائب في بيت الشاعر سعدي يوسف ليلة او ليلتين، ربما اكثر، ان لم تخن الذاكرة، وبعدها جئته فجرا ورافقته الى المطار، عائدا الى موسكو. وبعد سفره من بلغراد بفترة قصيرة بعث لي معايدة، مازلت احتفظ بها اعتزازا، اذ كتب على ظهرها:

 " عزيزي طالب! انتهز الفرصة لأهنئك بالعام الجديد. شكراً على مساعدتك في تلك الفترة (القلقة) والجميلة في نفس الوقت مع كأس طيبة وصحبة جميلة. لا اعرف هل ارسلت المواد الى (البديل) كما اتفقنا، وبأية صورة. لقد ابلغت الاخوان هنا بذلك. رائع ان تكون لك هذه الهمة، وانت في ظروف غير طبيعية، ولكن العزم شئ رائع وهو ماتتحلى به. مرة اخرى اهنئك والعائلة بعامنا القادم عام 1989. ودمت لاخيك غائب طعمة فرمان".
     
خلال زيارته الى بلغراد تلك، حظي غائب طعمة فرمان بترحاب كبير، من قبل الاوساط الثقافية والادبية، فقد نظمت له محاظرة في قسم الاستشراق حاور خلالها طلبة الدراسات الشرقية، كما تحدث عن ذكرياته مع الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ، الذي صادف ذلك العام حصوله على جائزة نوبل في الادب. وفي واحدة من لقاءاتنا خلال تلك الفترة، اجريت معه حوارا، كان مخصصا لمجلة "ثقافات الشرق" ونشرت جزءاً منه في مجلة البديل، كما ذكرت وهنا انشره، لأول مرة، باستفاضة.

"المؤلم هو ان تحس الغربة وانت في وطنك. وهذا ماكنت احسه فعلا". غائب طعمة فرمان

في بداية ذلك اللقاء تحدثنا عن الثقافة في العراق في ظل الاوضاع الراهنة، التي كان يعيشها الوطن في تلك الفترة العصيبة، وحال الكتاب والفنانيين والمثقفين العراقيين في المنافي. وفي معرض تناولنا الحديث عن الادب العراقي طرحت على غائب سؤالا، ربما كان تقليديا، عن قلة الروائيين العراقيين، بينما هنالك الكثير ممن يكتبون القصة القصيرة، فكان جوابه:

-   "أعتقد ان هذا السبب في كثير او قليل منه مرتبط بالمصادفة. أنا عندي رأي هو أن الرواية تحتاج الى استقرار.  وطوال وجودي و وجود الكتاب الآخرين في العراق، كان هذا الاستقرار معدوماً.  ولكن بعد ذهابي الى الاتحاد السوفيتي، عام 1960، وبالفعل كان عندي مدخل الى رواية "النخلة والجيران". وكنت  نشرت فصلها الأول في مجلة "المثقف" سنة 1959. في موسكو، وجدت نفسي عندي وقت، وعندي استقرار، فانجزت هذه الرواية خلال ثلاث سنوات. حيث اصبحت جاهزة سنة 1964، وبعدها بسنتين انجزت رواية "خمسة اصوات"، وبعدها بسنتين اخريين، انجزت " المخاض" ومن ثم بعد سنتين أخريين انجزت "القربان".  وهكذا استمريت كل سنتين الى ثلاث سنوات اصدر رواية، بالاضافة الى عملي كمترجم.  اترجم، على الاقل ثلاثة الى اربعة كتب في السنة. وربما هذا هو دليلي على أن الاستقرار يشكل شيئا اساسيا  في تكوين الرواية. الادباء العراقيون لم يحسوا بالاستقرار نهائيا. فهم عاشوا حياة مضطربة. كانت السلطة دائما تنظر اليهم نظرة عدم رضا. ودائما يشعرون ان الوظيفة التي يمارسونها اليوم، ربما لم يستمروا بها غدا. 
هذا الاحساس الداخلي جعل معظم الادباء العراقيين ينفرون من الرواية. فالرواية يحتاج لها وقت وتفكير وتتبع مصادر معلومات ومتابعة.. الخ. رغم ذلك، بدأت في الستينات تظهر روايات على استحياء. روايات، تختلف عن النخلة والجيران،  لكتاب كانوا في الاصل قصاصين وجمعوا قصصهم وحاكوها رواية. بالاضافة الى ذلك، في الستينيات شهد العالم العربي ظهور روايات جيدة. مثل روايات الطيب صالح.  فالرواية اصبحت لا بد منها، على الرغم من عدم وجود هذا الاستقرار".

مفهوم الواقعية في الأدب ظهر لدى الكتاب الروس، وله ارضيته هناك،  لكن تأثر به ادباء عراقيون، في مقدمتهم محمود احمد السيد، ومنهم غائب طعمة فرمان. هل يمكننا اطلاق صفة كتاب الواقعية في العراق، ام يمكن تسميتهم بكتاب الأدب الشعبي، كما اطلق السيد؟
   
-   "  في الحقيقة يمكن ان تطلق عليهم هذا وذاك. لأن القصاصين العراقيين الاوائل دائما كانوا على احتكاك بالمشاكل الاجتماعية، حيث كان يخيم عليهم ظل المجتمع بشكل دائم. لأن المجتمع وما فيه من تعب ومكافحة من اجل لقمة العيش، جعلتهم بالطبيعة يكتبون عما يعرفونه عن الشعب، عن الواقع، عن المجتمع. فهذه يمكن ان نسميها واقعية ام شعبية او كذا. ولكن اثار انتباهي من قولك شئ،  هو ان الواقعية جاءت من الادب الروسي. اعتقد ان الادب الروسي اثر كثيرا. فنحن منذ الخمسينيات، نستخدم كلمة الرجل الصغير، حيث قالوا رجل صغير، هؤلاء هم ابطال تشيخوف، كلهم صغار. وفي الحقيقة ان الكتاب الروس تشبعوا كثيرا في الواقعية، التي كان بوشيكن رائدها الاول في روايته "مدير محطة تبادل الخيول". كانوا عادة يبدلون الخيول. ياتون بخيول متعبة فيتم استبدالها باخرى نشطة، حتى تستريح، ومن ثم يجري استبدالها من جديد وهكذا. هذا الموضوع تناوله بوشكين لاول مرة. وكان يتناوله فقط النبلاء والضباط، وهم كلهم طبعا نبلاء، او ملاك الاراضي، وهي كلها اقطاعيات، وملاكو الاقنان. جاء بوشكين وجلس مع مدير محطة تبادل الخيول، الذي روى لبوشكين قصته المشجية عن ابنته التي سرقت منه، على يد ضابط سافل، طبعا ضابط نبيل. وكيف انها ماتت وهو لم يرها. الصلة الموجودة بين بوشكين وغوغل بتبادل الموضوعات الواقعية تبين كيف ان الواقعية عميقة الجذور في الادب الروسي. كان بوشكين يقترح على غوغل موضوعات لكتابتها، فهو الذي اقترح على غوغل رواية "المفتش العام"، و"النفوس الميتة". وكان غوغل دائما يطلب من بوشكين مده بموضوعات، بعض هذه الموضوعات يحتفظ بها بوشكين لنفسه، في كتابة قصة".

يغلب على روايات غائب طعمة فرمان الطابع الشعبي، اي ان المواضيع التي يعالجها مستلهمة من حياة الناس البسطاء وكفاحهم ضد البؤس واللاعدالة، وهنا نجد تشابها في تناول المواضيع التي يعالجها فرمان مع المواضيع التي يطرقها نجيب محفوظ. هل نحن محقون في ذلك؟ وان كنا كذلك هل جاءت هذه صدفة ام تأثراً بنجيب محفوظ الذي عايشه اديبنا عن قرب ابان دراسته في مصر؟ .

-   " الحقيقة انني قرأت لنجيب محفوظ وانا في الثانوية، وتاثرت كثيرا برواية " خان الخليلي" واعتبرته مثل "الان برتر" في الادب الكلاسيكي الرومانسي، ادب الحب .. الخ. وفعلا في بداياتي كنت ابحث عن مواضيع اجتماعية واقعية، واحب الكتاب الواقعيين. نجيب محفوظ كاتب واقعي، محمود الورداني كاتب واقعي، وحتى رواية "المعذبون في الارض"  لطه حسين، والكتب التي كانت تترجم لمكسيم غوركي كنت احبها، لكن الظاهرة التي بدأت تنمو في العالم العربي، وهي ظاهرة نجيب محفوظ، بدات تجلب الانظار. وعندما ذهبت الى مصر، كان لابد لي ان اتعرف على نجيب محفوظ. وسرعان ما نمت بيننا صداقة جميلة. كنت انا طالب في العشرين من العمر، في السنة الاولي في كلية الاداب، وهو في الخامسة والثلاثين، اوحوالي الاربعين كان يعمل في دائرة الاوقاف، كان له مجلس يأتي اليه كثيرون، كنت انا لا افوت اي مجلس منه. وكنت قد تأثرت كثيرا بنجيب محفوظ، ولكن ليس لذلك الحد الذي صوره بعض الظالمين الذين قالو ان غالبا يقلد نجيب محفوظ.  النخلة والجيران اعتبروها رواية من روايات نجيب محفوظ، وحتى " المخاض" قالو هذه هي "الطريق".  انا لم اهتم لهؤلاء، حتى ان احدهم كتب بأن رواية " ظلال على النافذة" تشبه " الصخب والعنف" لفولكنر. فقلت له ياعزيزي كيف؟ قال: لانه في كلا الروايتين هناك عائلة تتكون من اربعة اشخاص. وهنا واحدة تهرب. طيب وبعدين؟، هذا حاجي طه عبد الواحد يشبه تومسون؟ هل حسيبة التي هربت في رواية الضلال على النافذة تشبه كوينتر التي هربت في القصة الامريكية؟ كل القصص تبدأ بعلاقات حب وعوائل، وفيها اجرام وقتل وغيرها".

النفي موضوعة حاضرة في جميع روايات غائب طعمة فرمان. منذ " حصاد الرحى" الصادرة عام 1954، حتى رواية "المرتجى والمؤجل" (وهي الرواية الوحيدة التي الفها عن شخصيات خارج الوطن، عن المغتربين والمنفيين).. هل نستطيع ان نطلق على غائب لقب كاتب المنفى؟

-   " اذا كان المنفي غير موجود فكيف تسميني كاتب المنفى؟ هنالك نوعان من النفي. اذا كان الكاتب مضطرا على مغادرة بلده ويكتب ادبه، فهو يكتب عن مواضيع وطنه. مواضيع وطنية، فهذا يمكن ان نسميه ادب مغترب اكثر من نفي. النفي اذا كان فعلا، يكون الانسان قد اجبر على النفي. احيانا الاجبار لا ياتي على شاكلة قرار او سن قانون، وانما يحيطونك بمظاهر وحواجز وقيود الى حد يتعذر عليك ان تعيش وتكتب، فتاخذ قلمك ودفاترك وتسافر الى بقعة لعلك تجد لك امكانيات لتكتب اكثر. فانا بالنسبة لي المنفى موجود فعلا في احساسي الداخلي، باعتبار انني طوال حياتي لم اشترك في حياة وطني. دائما كنت مبعد عن الاشتراك فيه. ودائما كنت اعامل بانني رجل، احسن ما يمكن ان اكون خارج العراق، وهذا امر جيد له بقدر ما هو جيد لنا. "المرتجى والمؤجل"، هي الرواية الوحيدة التي كتبتها عن المهاجرين، المهجرين والمهاجرين، وصورت فيها الظلال التي يمكن ان تتركها الغربة عليهم. مجرد احساس. انا انُتقدت لأن ليس ثمة بطل ايجابي في المرتجى والمؤجل، فاجبت بأن الغربة ليست ايجابية. الغربة، النفي ظرف استثنائي، انا اجبرت على الغربة، اجبرت على  النفي، وهذا الاجبار ليس ايجابيا. اذ لا يمكنك ان تجبر احدا على مغادرة وطنه  وتطلب منه ان يخرج ايجابيا. الا اذا وفق بتجارة رابحة. وهذا الامر لايخص الادباء والفنانين.

-   النوع الآخر للنفي هو الاحساس به وانت داخل وطنك. هذا المنفى هي تلك الاحلام التي لم نستطع تحقيقها، تلك الافكار التي تذوي ولا نستطيع ان نسطرها على الورق. هؤلاء الاصدقاء الذين نحبهم وليس بامكاننا ان نصور صداقتنا معهم. تلك الاماكن التي نحبها ولكن قليلا ما نرتادها. ما نفكر به ولا نستطيع البوج به، وكل الاشياء التي نحبها ونكرهها، الاحداث، التي مررنا بها خلال فترة النفي الداخلي، ستبرز يوما الى الذهن. انها ستصبح ذكريات طبعا، لكنها تتدفق على الورق. فكل ما اكتبه، هو عبارة عن تصوير لذكريات قديمة ادخرتها في منفاي الاول (لوطن)".         
     
هل هنالك من تأثير للمنفى (الخارجي) على الاديب؟ في الصياغة الادبية لعمله الابداعي؟

-   اكيد، ان هناك تاثيرا ملحوظا جداً. فالأديب الذي لا يتغذى، يوميا، مما تنشره الصحف والمجلات، وما يغنّى من الحان وما يقال من فكاهات ونكات وكل ماهو جديد، فأن هذا الكاتب سيخسر الكثير. وربما تتكون عنده لغة لا يفهمها الناس. ساعطيك مثالا عن " جيمس جويس" وهو كاتب ارلندي الاصل ترك بلاده وعاش فترة طويلة في اوروبا. اصفى لغة كانت عنده، هي لغة (اهل دبلن). عندما بدأ يكتب روايته "صورة الفنان في شبابه" وقد استغرف في كتابتها سنوات، اخذت لغته بالاهتزاز، بحيث اصبح "كوسموبوليتي" في اللغة واخذ يستخدم الانجليزية واللاتينية واليونانية واليونانية والفرنسية. هنا فقدت اللغة ارتباطها المكاني. اعتقد ان هذا دليلا على تأثير المنفى في لغة الكاتب. ومن هنا تبرز ضرورة التواصل مع الوطن بكل معانية.

وعن سؤال فيما اذا كانت هناك رواية من الروايات التي الفها ،هي الاحب الى نفسه، رواية يرتبط معها بصلة خاصة؟  اجاب غائب اذا كان لابد من ان تكون لي رواية تربطني بها صلة خاصة فهي "المخاض".

لماذا "المخاض" بالذات؟
- لأن ذلك متصل بالشعور بالمنفى، ذلك الاحساس الذي ظل يراودني على الدوام. تتحدث المخاض عن شخص مغترب اراد ان يعود الى وطنه، فبعث الى اهله رسالة لكي يكونوا في استقباله في المطار. ولما وصل لم يجد احدا في استقباله، فاخذ سيارة اجرة وذهب الى محلته التي لم يجد لها اثرا، لقد هدمت بيوتها وشق وسطها شارع عريض. هذا الحدث حقيقي، حيث قامت امانة العاصمة في بغداد بقص الاحياء القديمة وجعلت منها شارع الجمهورية. حاولت في هذه الرواية أن أثير حالة المنفي المفجوع بوطنه واهله. رحت وكأنني ابحث عن أهلي، وخلال بحثي عن اهلي كنت ابحث عن وطني. أين مني وطني الآن؟ واين انا منه؟ هذه الاحاسيس كانت عاطفية بحت، لانها ارتبطت بمستقبل ما بعد الرواية. في المخاض كنت اعبرعن ضعف الاستقرار في العراق. هذا الامل الذي كثيرا ما كان يراودني، بعد روايتي "النخلة والجيران" و "خمسة اصوات"، كأن احصل على وظيفة في وزارة الاعلام اعتاش منها مستقرا. الا ان هذه الامنية خفتت. في المخاض كنت اتحدث عن فترة حكم عبدالكريم قاسم. وكان البعض الذين درسو هذه الرواية عاتبوني، لانني كنت فيها سياسيا اكثر مما يجب. وكنت ارد بأن الفترة كانت سياسية للغاية، تجسدت فيها هوية الفرد العراقي، من خلال ممارسته السياسة. في هذه الرواية سكبت بالفعل عصارة اعماقي، حتى ان بعض المشاهد تعبرعن مونولوج داخلي. البطل الذي يتذكر فترة مكوثه خارج الوطن، وكيف كانت تراوده المخاوف من الغربة.  الغربة مغامرة تخضع للفشل والعذاب. وكل شئ جائز في الغربة. انك تستطيع ان ترمي كل فشلك وكل موبقاتك في مستنقع الغربة. ولكن الشئ المؤلم هو ان تحس الغربة وانت في وطنك. وهذا ماكنت احسه فعلا".