" تقرير من أجل الديمقراطية " ... بطرس غالي في مدينة حلب ومن خلال دعوة كريمة من نيافة المطران يوحنا ابراهيم لحضور حوار مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي الذي زار حلب للمشاركة في نشاطات الأسبوع الفرانكوفوني ، حيث لبى دعوة المطران له للحديث عن العولمة في دار المطرانية، ونظراً لأهمية الحديث وحجم المتحدث أردت نشر حديثه، فشخصية بحجم بطرس غالي وهو صاحب فكرة " الولايات المتحدة العربية " وصاحب " أصعب وظيفة على وجه الأرض"، (على الرغم كل الانتقادات التي قد يوجهها له البعض من أصحاب الميول السياسية أو المندفعة ).
العولمة :هي ظاهرة جديدة، اتضحت بعد الحرب الباردة، وهنا لي ملاحظة حولها ، أنه بعد حروب نابليون عام 1815 ، انعقد مؤتمر فيينا لكي يعالج مسألة العلاقات الدولية بين الدول الأوروبية ، وبعد الحرب العالمية الأولى انعقد مؤتمر فرساي وأدى إلى قيام عصبة الأمم ، وبعد الحرب العالمية الثانية انعقد مؤتمر سان فرانسيسكو وأدى إلى إنشاء الأمم المتحدة التي تولت الإشراف على العلاقات الدولية.
أما بعد انتهاء الحرب الباردة سنة 1979-1980 ، فلم ينعقد أي مؤتمر وبالتالي نحن نعيش في الوقت الحاضر أمام فوضى دولية، لأن القطبية الثنائية انتهت وكانت عماد التوازن المنشود داخل الأمم المتحدة وفي العلاقات الدولية، هذه القطبية الثنائية التي ساعدت على إنشاء حركة عدم الانحياز التي انضمت إليها كلٍ من سوريا ومصر .
ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة ، لم ينعقد أي مؤتمر ، ولم توجد أية صيغة جديدة لتنظيم العلاقات الدولية في سبيل العمل على استتباب السلام في إطار الأمم المتحدة وفقاً للفترة الجديدة التي من سماتها الرئيسية هي" سيطرة دولة واحدة على العلاقات الدولية ".
ظاهرة العولمة :هي ظاهرة لها عدة أشكال مثل: عولمة المشاكل البيئية، عولمة المشاكل الإئتمانية، عولمة الأمراض، عولمة الإرهاب، ....الخ.
وأمام هذا الوضع الجديد، ماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعله من أجل احتواء الظواهر السلبية للعولمة؟ ، ماذا يستطيع من أجل العمل على إيجاد نظام دولي جديد تستقر فيه الدول ؟.
والدولة الكبرى التي انفردت بالسلطة وهي الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أنها قررت أن من خلال فرض النظم الديمقراطية المختلفة في كافة أنحاء العالم سوف يتحققُ السلام المنشود ، السلام الدائم على أساس أن دولة ديمقراطية لا تحارب دولة ديمقراطية أخرى، طبعاً هذه الفلسفة التي دافع عنها " إيمانويل كنت " منذ أكثر من مئتي سنة هي غير صحيحة لأن الجيوش الديمقراطية تُحب أن تحارب الجيوش الديمقراطية الأخرى.
المهم أن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت أن تفرضَ الديمقراطية على مختلف أنحاء العالم !!، فماذا كان الرد ؟
كان الرد هو أننا أصبحنا أمام ظاهرة جديدة وهي ظاهرة العولمة وهذا يعني : أن السلطة ستنتقل من الدولة إلى جهاز دولي جديد ، وبالتالي ليس هناك أي فائدة أو ضرورة من فرض الديمقراطية على مستوى الدولة ، إذا لم توجد ديمقراطية على المستوى الدولي!! .
بمعنى آخر ، كما أن هناك عولمة الإرهاب، عولمة المشاكل البيئية، عولمة المشاكل المالية، عولمة الأمراض، يجب أن نعمل على عولمة الديموقراطية، حيث سنجد هناك أن عولمة الديمقراطية هي التي ستساعد على استتباب السلام ، وبمعنى آخر : نرفض أن تنفردَ دولة واحدة بإتخاذ القرارات الدولية، وأن عولمة الديمقراطية يمكن أن تأتي بعولمة الأمم المتحدة أو الديمقراطية في الأمم المتحدة.
كيف يمكن أن نحقق هذه الديمقراطية في الأمم المتحدة؟قبل أن أتركَ الأمم المتحدة بتاريخ 15/01/1996 ، كنتُ قد نشرتُ تقريراً اسمه " تقرير من أجل الديمقراطية " ، هذا التقرير الذي اختفى بعد أن تركتُ الأمم المتحدة لأنه لا يتماشى مع صالح سياسة الولايات المتحدة، قلتُ فيه لابد أن نعمل أولاً على ديمقراطية الأمم المتحدة ومن خلال هذه الديمقراطية نستطيع أن نعقد ديمقراطية العلاقات الدولية، والفكرة بسيطة :
فإلى جانب ممثل الدولة ينبغي أن يوجد ممثل للمجتمع المدني، والمقصود بالمجتمع المدني هو: المنظمات الدولية غير الحكومية، الجامعات ، المراكز الدينية، مراكز الأبحاث العلمية، وهذه الفكرة ليست فكرة ثورية، فهيئة العمل الدولي لديها ثلاثة ممثلين هم: 1- ممثل عن الدولة، 2- ممثل عن العمال، 3- ممثل عن أصحاب العمل، أي إلى جانب ممثل الدولة هناك ممثليْينِ اثنين لاينتمون إلى الدولة، والفكرة الأساسية والتوجه الجديد هو أن المجتمع الدولي سواء البرلمانات ، الأحزاب السياسية، المراكز الدينية، والتيارات الفكرية الجديدة تبقى ممثلةً حتى نستطيع أن نوفر الحد الأدنى من الديمقراطية في العلاقات الدولية.
وهنا سيظهر أهمية عامل الدين سواء الدين المسيحي أو الدين الإسلامي أو البوذي أي كافة الأديان التي تستطيع أن تلعب دوراً جديداً في العلاقات الدولية إلى جانب المنظمات غير الحكومية، إلى جانب الجامعات، إلى جانب البرلمانات، وسوف نحقق السلام، ويمكن الاعتقاد بأن هذا الكلام هو كلام نظري أو متعلق بال " يوتيبيا " ، وأنا أرد بأن "اليوتببيا" ( افتراض ماليس مفترضاً ) هي حقيقة الغد ويجب على السياسي أن يستعد للمستقبل القريب ، والاستعداد يتطلب في أن نفكر في تدعيم المجتمع المدني داخل الدولة في المستقبل القريب وتمثيل هذه الدولة في كافة التنظيمات الدولية ،ومنذ الآن فالمشاكل المحلية والمشاكل الوطنية سوف تعالج دولياً في المستقبل ، وهناك عشرات المشاكل التي تعالج على المستوى الدولي مثل : انتشار الأمراض ، الطيران ومشاكل توزيع خطوط الطيران وترددات الإذاعات كلها تتم على المستوى الدولي ، وبالتالي يجب أن نستعد لتمثيل الدولة في مختلف المحافل الدولية ، والرسالة التي أقدمها إلى مختلف قيادات العالم العربي هي :
أرجوكم الاهتمام بالعالم الخارجي، فهو يكاد أن يكون أهم من المشاكل الداخلية الوطنية من حيث الأهمية ، لأنه وخلال السنوات القادمة سوف تُعالج المشاكل الوطنية والمشاكل المحلية على المستوى الدولي، فلو لم يوجد هناك مندوب سوري ( سواء مندوب غيرحكومي أو سواء مندوب كنيسة من الكنائس أو فكر سياسي ) فلن نستطيع أن نملئ هذا الفراغ وسنجد أن القرارات سوف تُفرض على الدول التي ليس لها وجود في هذه المنظمات أو المحافل الدولية.
وبعد انتهاء الأمين العام السابق من سرده البسيط المرتجل (وهو واقف أمام جميع الحاضرين الجالسين كدرس من دروس التواضع الجم الذي يصرعلى إيصاله للآخرين )،
اقترح بطرس غالي أن يبدأ في الحوار مع الحاضرين مع رجاءه بأن لاتكون الأسئلة دبلوماسية حيث أكد بأن الأجوبة ستكون غير دبلوماسية أيضاً.
وهناك احتمالين لانهاء القطبية الواحدة في المستقبل القريب أو البعيد في رده على أحد السائلين :
ان نجد رئيس اميركي مقتنع ان الولايات المتحدة لاتستطيع ان تسيطر على العلاقات الدولية وليست لها القوة للسيطرة على العشرات من النزاعات الدولية والمشاكل ، وليست من مصلحة الولايات المتحدة أن تتولى بمفردها في معالجة المشاكل عن طريق الشورى والتداول ، وهناك سابقة هي أن الذي عمل لإنشاء الامم المتحدة هو رئيس اميركي الرئيس ويلسون والذي عمل على إنشائها هو الرئيس روزفلت .
أن هناك دول أخرى كبرى غير مهتمة بالشؤون الخارجية كالصين مثلاً عندما تنتهي من مشاكلها الداخلية ستلتفت إلى معالجة المشاكل الدولية، فرغم قوة الولايات المتحدة ولكن هذه القطبية هي ناتجة عن سلبية بعض الدول الكبرى الأخرى، ولو استعادت هذه الدول من دورها فتستطيع أن تلعب دوراً في السياسة الدولية، ولاشك أن الدول العربية لو استطاعت في الحد الأدنى من الاتحاد والترابط تستيطع ان تلعب دورا الى جانب الاتحاد الاوروبي او الدول الكبرى.
الثقافة التي لدينا هي أن نرجع إلى التقاليد عند حل مشاكلنا ، وكيف تم حل هذه المشاكل قبل خمسين سنة ، وأن الرد هو أن هذه المشاكل التي تواجهنا حالياً هي جديدة وليست لها سابقة في التاريخ وبالتالي لابد من فكر جديد حتى نستطيع ان نحتوي الجوانب السلبية للعولمة
وعن النظرة التشاؤمية في المستقبل الحالي للمنطقة ، ونتيجة للصراعات الطويلة المختلفة في المنطقة فالإنسان سيدفع ضريبة هذه الصراعات ، وهل يمكن للإنسان أن يتوقع أن تنتهي الصراعات وأن يتفاءل الانسان بمستقبله ويبدأ ببناء كيانه واستعادة هويته التاريخية،
وقال إنني متشائم، أننا نحتاج إلى جيل جديد ربما أولادنا أو أولاد أولادنا هم الذين سيتطيعوا أن يجدوا الحلول المنشودة للسلام والاستقرار في المنطقة ، ولكن في الوقت الحاضر إنني متشائم بالذات بين المواجهة بين العرب وإسرائيل، وهذا احساسي .
وفي سؤالين لمعد هذا الموضوع تم طرحهما على الدكتور بطرس غالي :1-هو في عام 1996 وعند اعادة انتخابك كأمين عام للأمم المتحدة ( 14 دولة صوتت لك ودولة واحدة استخدمت حق النقض الفيتو وهي اميركا ونجحت في إبعادك) بصراحة شديدة هل كان سبب عدم انتخابك هو كشفك لحقيقة يهودية مادلين أولبرايت؟
الجواب : عدم انتخابي كان لعدة اسباب هو أنني اتهمت بأنني جنرال أكثر من سكرتير ، وأنا جنرال اجنبي ولست جنرالاً أميريكياً، والأمر الآخر هو: طُلب مني أن امتنع عن نشر التقرير الذي أرسله جنرال بلجيكي وهولندي ، كشفا فيه أن مجزرة قانا كانت انتقامية قام بها الجيش الإسرائيلي وطُلب مني من قِبل جهات مختلفة بأن امتنع عن نشر هذا التقرير كونه سيؤدي إلى عدم إعادة انتخاب حزب العمال الاسرائيلي على أساس أن مصر لها مصلحة في إعادة انتخاب حزب العمال الإسرائيلي ( كوني مصري الجنسية )، لأنه أقرب في أفكاره من السلام ، ثم قُدم لي اقتراح آخر بأن أكتفي بتقديم تقرير شفهي أمام مجلس الأمن ، لكنني رفضت وأصريت على تقديم التقرير كما هو لمجلس الأمن وهذا كان العامل الأساسي لعدم انتخابي ، كذلك كان هنالك اسباب أخرى مختلفة كقضية النفط مقابل الغذاء، ليبيا، ميلي إلى الجانب العربي، أتت فترة إعادة انتخابي مع الانتخابات الأمريكية التي تتكرر كل 25 سنة .
2-ترأس حالياً المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في مصر، ماهو رأيك وانطباعاتك عن حقوق الانسان في كل الدول العربية بشكل عام من خلال خبرتك؟أولاً: في مؤتمر فيينا الذي انعقد عام 1993 ، كنتُ قد طالبتُ بإنشاء لجان وطنية في كل دولة، تتولى الدفاع عن حقوق الإنسان ، هذه اللجان تُؤسسها الدولة ووظيفتها استشارية ، وأنا كُلفت برئاسة هذه اللجنة بعد عودتي من الأمم المتحدة .
الرأي العام المصري : أفاد بأن هذه اللجنة هي " ديكور وبطرس غالي هو كرسي ذهبي لها " لإرضاء الجانب الأميركي ، ورأي آخر أفاد بأنها أؤسست كي تنافس منظمات حقوق الانسان الأخرى الغير الحكومية وعددها حوالي 20 منظمة في المجتمع الأهلي ، وأنا أرد عليهم بالشكل الآتي: لكي أستطيع أن اكون شخصية دبلوسي أو سياسي أو جراح فأنا محتاج لحوالي 20 أو 30 سنة فثقافة حقوق الانسان " ثقافة الديمقراطية " لانستطيع أن نحققها في خلال سنتين أو ثلاثة ، بل نحتاج إلى عدة سنوات ، ومع الأسف أن الثقافة المنتشرة الجديدة ، ترفض المدى الطويل وهناك رغبة في ايجاد الحلول السريعة ،هي ثقافة " الدايجست" أي ملخص التقرير ، بينما ثقافة حقوق الانسان بحسب خبرتي الواسعة محتاجة إلى عدة سنوات حتى تستطيع أن تحقق الهدف المنشود ، وهذا ليس بالنسبة إلى مصر فقط بل لمختلف أنحاء الدول ، ولو حققنا الديمقراطية المنشودة فقد تقع الكارثة، كما حصل في اليونان ( الدولة الأوروبية) التي حدث انقلاب عسكري فيها، أو في تايلاند ( دولة آسيوية ) أيضاً حصل منذ شهرأو شهرين تقريباً حيث وقع فيها انقلاب عسكري ، فالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان هو عمل مستمر لأنه قد تقع كارثة وحرب أهلية جديدة وهناك عشرات الحروب الأهلية حالياً في عدة أماكن من دول العالم، فإذاً العملية تحتاج إلى العمل المستمر ولابد أن تستمر العملية إلى ما بعد تحقيق حقوق الانسان ، أو التنمية أو الديمقراطية.
ريمون جرجي _ كلنا شركاء في الوطن
Ray11968@gmail.com