إنسان سهل نينوى ومستقبله


المحرر موضوع: إنسان سهل نينوى ومستقبله  (زيارة 1068 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
إنسان سهل نينوى ومستقبله
« في: 13:38 25/03/2007 »
إنسان سهل نينوى ومستقبله

سهل خصب يضم بين حناياه شعب عريق يمتد في الحضارة إلى أعماق التاريخ، الأرض والإنسان فيه يتفاعلان معا حيث كان الإنسان قبل مائة عام يفلح الأرض بطرق بدائية ويستخدم الحيوانات لكي يحرثها خطاً خطاً وكان يقضي الساعات الطوال في هذا العمل المضني منذ خيوط الفجر الأولى وحتى أول الظلام بغية أعداد أرضه أعدادا جيدا لينتظر منها حاصلا وفيرا يفيده باستمرار حياته إلى أن أصبحت الأرض هي كل حياته.

وتدريجيا وبعد تعقيد أوضاع البلد وحدوث المشاكل في هذه المنطقة أو تأثرها فيما يجري من أوضاع حولها وخاصة بأحداث الشمال حيث نزح من أهالي هذه البقعة الآلاف نزولا نحو الجنوب ليجدوا العمل الأسهل والوارد الأوفر.

لكن السهل لم يفرغ من أهله وبقي جزء من أهله بين حناياه وفيا وخاصة بعد تطور الزراعة وتوفر الأدوات والمكائن اللازمة ليصبح موضوع الزراعة أمرا ليس بعسير، ووفر لإنسان يمتهن الفلاحة وقتا مضافا يمكن أن يستغله بأمور مختلفة كالتجارة أو تربية الماشية أو أمور أخرى.

وكان لمنتجات هذا السهل السمعة الطيبة لدى عموم العراق؛ فمثلا (راشي تلكيف) كان علامة فارقة والجميع يبحثون عنه، والجبن المثَوَم ذو النكهة التي لا تجدها في أي جبن آخر، أما البطيخ فكان طعمه رائعا وطعم كل بطيخة يختلف عن طعم الأخرى، وكل ذلك كانت الزراعة تعتمد على مياه الأمطار فقط. وبالمطر كانت الأرض تنتج أنواع كثيرة من البقوليات؛ الحمص والعدس والباقلاء و ... أضافة إلى الحنطة والشعير المحصول الرئيسي في الزراعة، والإنسان بتربيته للحيوانات كان ينتج الصوف واللبن والحليب والجبن وكذلك اللحوم من خلال الأبقار والأغنام الكثيرة العدد التي كانوا يعتنون بها.

وإنسان سهل نينوى وفيٌّ لأرضه ولوطنه ورغم كل ما تعرض له من هجمات بربرية على مرّ التاريخ، لكنه ظلَّ صامداً وواصلَ الحياة إلى يومنا هذا حيث بدأت الهجرة العكسية بعد انقلاب الأوضاع في عموم العراق ليعود جزءاً مهما من أهل هذا السهل إلى قراهم وبلداتهم ومعهم الحِرف التي مارسوها في مناطقهم التي نزحوا منها، ولكن عودتهم واستقرارهم في المنطقة التي تشهد طبيعة شتوية قاسية وهندسة العمران فيها ليست كتلك التي في بغداد مثلا، ولوجود الحيوانات في ذات البيوت التي يسكنها البشر، تجد الأمر صعبا لتأقلم العائدون من المدن إلى الريف والحياة الجديدة المختلفة كليا عما اعتادو إليه.

إن هذا الإنسان العائد لم يعد بذات القوة التي كان عليها في المدينة بل ترك خلفه مقتنياته وترك منزله وأتى هاربا من العنف والقتل ليجد منطقة تركّز فيها شعب أكثر مما تتحمل خاصة في وضع لا توجد أية مشاريع وأعمال تجارية أو صناعية لتستوعب هذا الكم الهائل من البشر، ومع ذلك فهي ليست آمنة تماما لأنها محاطة بمنطقة ملتهبة مع حافات الموصل، حتى يمكننا القول أن شعبنا في هذا السهل هو محاصر ويعيش على ما استطاع جمعه من الغربة السابقة، لكن البعض بدأ بالعمل وخلق فرصا للحياة وللتواصل، لكن البطالة هي ديدن الغالبية والأسعار ملتهبة في كل شيء والموارد كما قلنا محدودة إن لم تكن معدومة.

هذا هو حال إنسان سهل نينوى، ولهذا الإنسان أهلٌ وأقارب قد استقروا في دولٍ عديدة مستقرة ونتيجة ذلك يفكر هؤلاء بصورة صائبة، وبدأوا يتذكرون أهلهم في هذا السهل وشرعوا بالمطالبة بحل سياسي أو جغرافي محدد لهذه المنطقة وبدأوا للأسف من الخطوة الأخيرة ألا وهي (الحكم الذاتي) أو المنطقة الآمنة إلى ما ذلك من التسميات، وتناسوا أن شعبنا لا يمكنه الاستقرار والاستمرار إن لم يكن هنالك مشاريع زراعية أو صناعية أو تجارية تثبِّت هذا الشعب على أرضه وتساعده لكي يتمسك بها لأنها توفر له المورد اللائق لحياة كريمة، فما فائدة حكم ذاتي والشعب لا يجد عملا؟

أليس من الأجدر أولا أن نبدأ بمشاريع صناعية على هذه الأرض ونستغل الإمكانيات المتوفرة وكما ذكرنا في البداية كان لهذه المنطقة منتجات يطلبها الجميع، فلماذا لا نعمل على تطويرها بإدخال أجهزة اصطناعية ونبدأ بمصانع للألبان والأجبان وتصنيع الحبوب، وتصدير الجريش والبرغل والحبية وكذلك البقوليات المعلبة والمشروبات بأنواعها والراشي وغيره كثير... من الأعمال التي لو بدأنا بها لجعلنا العيش في هذا السهل أسهل وأيسر مما هو عليه اليوم، وعملنا في ذات الوقت على استقرار الإنسان فوق أرض آبائه وأجداده. والفرص متوفرة وممكن أن نبدأ بها وبرأسمال ليس كبيرا، فقط شعب هذا السهل بحاجة لدعم ومساهمة المتمكنين كي ينطلق. وباعتقادي أن هذه الخطوة يجب أن تكون الأولى لتليها خطوات سياسية أخرى وبذلك نخلق كيانا معتمدا على ذاته ولا يكون بحاجة لغيره بل الآخرين سيحتاجون له ليتم تبادل المصالح والتعامل مع الآخرين من موقع الاقتدار لأنه سيكون لنا علامات تجارية وبضاعة نصدرها كما أننا سنستورد ما نحتاج إليه من جيراننا.

وبذلك نخلق منطقة منتجة ومفيدة لأهل السهل أنفسهم وبالنتيجة للمنطقة ككل وعندها سيكون مصير السهل أهم لأهله حيث سيفكرون بجدية بكيفية حماية أنفسهم وتجارتهم وأعمالهم ويقررون مصيرهم بحكم ذاتي مرتبط بالمركز؛ بالقوة الأكبر في العراق التي هي الضمانة الأكيدة لهذا السهل، وعندما يصل اقتصاد المنطقة إلى هذا الحد فإنه سيفرض نفسه بقوة على مركز القرار وسينال حتما المكتسبات التي يستحقها، أما إن بقينا على المعونات وكم ورقة يبعثها هذا أو ذاك لأهله هنا!!! فسنبقى تابعين ذليلين لهذه الجهة أو تلك وتكون النتيجة استمرار الهجرة وتناقص أعدادنا ويوما سيكون هذا السهل لغيرنا وسيطوينا التاريخ في بقاع العالم المختلفة فيسمون هذا تلكيفي وهو في ديترويت وذاك من تللسقف وهو في نيوزيلاند، وثالث ألقوشي لكنه في سدني، ... وعندها ستكون خسارتنا كبيرة ونهائية، النتيجة التي لا نريد الوصول إليها مطلقا، فأين من هذا العقلاء ومتى نفكر بصورة صحيحة؟

عبدالله هرمز النوفلي

باقوفة 3 كانون الثاني 2007