المرواتي صائغ الكلام* ( عود ينزف في حقل أنغام )


المحرر موضوع: المرواتي صائغ الكلام* ( عود ينزف في حقل أنغام )  (زيارة 816 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 943
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

المرواتي صائغ الكلام*
( عود ينزف في حقل أنغام )


 نقد: كريم إينا

   صدر للمرواتي د. عمار أحمد مجموعة إلتماعات جديدة بعنوان: " أنزف على عودي في حقل أنغام " الطبعة الأولى سنة 2016 مصمّم الغلاف: صدام الجميلي طبعت المجموعة في مطبعة وراقون للنشر والتوزيع في البصرة- العشار يقع الكتاب بـ (99) صفحة إحتوت المجموعة على إلتماعات وهي بمثابة نصوص ضمّت مراو قصيرة جداً والكتاب من الحجم المتوسط بقياس(16x24) المرواتي د.عمار أحمد أستاذ السرديات المساعد في كلية الآداب- جامعة الموصل بدأ مجموعته بكلمات عذبة لا يشبع منها القارىء كونه يطرح في هذا الكتاب أفكاراً فلسفية كما كان غاندي يترنّم بها فهو يصرّح بذاته والآخر لهذا العالم الغير المتوازن فيثور على الواقع الفاسد لجعله لبنة طيبة للأجيال لتسير الحياة بخط مثالي قريب من الزمان والمكان، تراهُ يبوحُ للبشر سرّ سجن الليل الذي شبّهههُ بالقفل بينما النهار إعتبرهُ المفتاح الضائع. الزمن منهوك بالصبر ربّما يصحّح أخطاءهُ بالحبر الأبيض. سلامٌ طرحهُ المرواتي من قلب مجروح يهوى وينوح إلى حبيب الروح، يربط د. عمار إلتماعاته التي تتكوّن من لحم ودم ببريق المعزوفة التي تتحكّم بالإيقاع والنغم. وفي ص13 ما زال يردّدُ" سأظلّ أحبّك مستنشقاً صوتك، مرتوياً بإسمك، ومترعاً بهذا السرور!!". يزدادُ تردّد الإيقاعات من الأسى لوزنه البيات والحجاز كلاهما يشمّان ألوان الحياة من عطر النفس، صورته الطفولية ثرية بنظراتها تراها تنثالُ كأوتار عوده المميّز. اللغة راقية فيها شعرية رائدة لعمل سردي حيث ينتقل بدرجات مرنة وناعمة للفظة دون الإطناب والترهّل وهذا يرجع بفضل إستعمال لغة الفصحى لصناعة إلتماعاته. إنّ لغة الحوار تفوق الإسلوب النفسي للكاتب وهذا الشيء لا ينطقهُ إلاّ فيلسوف وجودي أنا موجود أو غير موجود، تظهر لفظة المدوزنة كأداة تستعمل لتحكي لنا عدّة توافقات من الأنغام لا يسعها الرمل الموجود في البحر وبهذا قد يوظف نعرة إسلوبية جديدة قد لا يستسيغها المتلقّي ربّما يحاربها بسلب أو بإيجاب، دائماً يردّدُ كلمة عينيك بإسلوب ممتع بعيداً عن أساطير وتاريخ العراق المعقّد. تظهرُ نفحة المرواتي بإسلوب مشبّع بالعاطفة والخيال ولكن تكاد تكون العاطفة حارقة. أحياناً يستخدم مصطلح الممكن والمصالحة في أنغامه كضرب لمعة متّقدة بوجه القارىء قد تصدمه وتشغل باله بهذه التقنية المتفرّدة. يظهر كاتبنا المشاعر الجياشة المطعمة بالألم والحب والشهوة والخوف والإكتئاب ربّما الحزن والكراهية، وبعداً ثانياً قد يرتقي إلى سيمفونية متناغمة عميقة وهادئة. إستطاع الكاتب أن يحتفظ بقارئه رغم تعقيد نصوصه المطروحة لما يعتريها من غموض يقول في ص19 / أنا كلّما نظرتُ في عينيك يا حبيبتي تعطّلت مدهوشة لغة الـ...كمان..!!. هناك فراغ شاسع لزمن مائل يضيء قلب الظلام بإكتناز السرور. هذه الألحونات لم تأت إعتباطاً بل أخذت من روحه دماً ولحماً وأصبحت زاداً معرفياً يطلقُ التنوّع للملحنين في موسيقى السكون. وفي ص22 يحكي عن الشتات في الشتاء ويغلي فناء النداء بسبب إنجماد الصوت. يتساءل أنّه يعرفُ البحر الشاسع لكنّه يغرق في بحيرتين ناعستين يستذكر المؤلف أناقة الأنوثة كإمرأة تشبه مدينة السليمانية المطعّمة بالضحك المثلّج. ما أجمل الموجة التي تلتمع كالزبد على ضوء مصباح وهي تغمز بأعذب الأغاني، إنّ كشف مواطن الجمال أو القبح في هذا العمل قد يبرر في نفس المتلقّي شعوراً أقصى ما يلمّح إليه الناقد فكلّما كان تأويل العمل الفني وتفسيره رغم إختلاف وجهات النظر قد يستطيع المرواتي كبح جماح الإلتماعة الهاربة من خزانة النص. من العناصر الأساسية التي فكّر بها ملياً في نصوصه هي العاطفة التي يحدد بها موقفه تجاه ما يعرض، أمّا لغة الخيال فهي خصبة يبعثها في نفس القارىء منهمرة مستوية والإيقاع فهو الصورة الطبيعية لإنفعالات النفس الإنسانية وعواطفها. المعرفة العقلية لدى المرواتي هي الأساس في بناء الإسلوب العلمي لما يعرض من حقائق رائعة وجميلة خدمة للتعلّم والمعرفة وإنارة العقول. ما زالت إلتماعاته تشخّص أسقام المجتمع بألفاظه المبتكرة ذات القدرة على الفعل، والإغتراب والتشيؤ،وصناعة الثقافة. تنزل كلماته كالمطر تمنح القارىء قيثارة الشعر فهو عازفٌ مطبوع بالفطرة ومصدرٌ أصليٌ لأعذب الأنغام وأشجاها وهذا بفضل ما يمتلكه من إذن موسيقية عظيمة فنراهُ يتأمّل الغيوم المتحركة بعدّة أوتار سواء الحب، الدين،الوطن، الحكمة،الوصف.. تظهر شعرية اللغة لدى المرواتي بمستوى عالي التقنية مشروطة ببنائها الصوتي والنحوي والدلالي. تأتي فرادة الأدب حسب رأي جاكوبسن في كونها رسالة تتجه إلى ذاتها. تظهر هنا إضاءة لامعة في الأوصاف النصية المفردة وهي مازالت تنزفُ على أوتار العود في حقل أنغام وهذا ما يشكل هوية النص سواء بالإختلاف أو الإئتلاف، فالإيقاعات مندمجة ذات مستويات متفاعلة تظهر فيها شعرية الخطاب ذات نسق فردي وليس جماعي كما هو معروف لدى النماذج المدروسة مثل نازك الملائكة، أدونيس،وكمال أبو ديب،يظهر الشعر لدى نازك بأنّه ظاهرة عروضية قبل كلّ شيء ذلك لأنّه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة بما يتعلّق بعدد التفعيلات في الشطر. حيث تصرّ لدى مناقشتها قصيدة النثر بأنّ الوزن هو الروح التي تكهرب المادة الأدبية وتصيرها شعراً فلا شعر من دونه مهما حشّد الشاعر من صور وعواطف وبحق ينطبق كلامي على عمل المرواتي أنّ الصور والعواطف لا تصبح شعرية، بالمعنى الحق، إلاّ إذا لمستها أصابع الموسيقى ونبض في عروقها الوزن فالشعر حسب رؤية نازك كلام عاطفي موزون. فالوزن روح الشعر والعمود الفقري لهُ أمّا القافية كونها ذيلاً لهذا الكائن الحي، ولا حياة لكائن بلا عمود فقري أمّا ذيلهُ ممكن الإستغناء عنه ويبقى كائناً حياً. ما عدا الحصان إذا قطع ذيلهُ يموت. هناك أناس يتذوقون الشعر بغير الوزن تظهر نصوصه بإسلوب مرهف ومحاكاته للطبيعة تجعله يحتل مرتبه وسطى بين العراف والمجنون كون الشاعر إنسان غير عادي يأتيه إلهام من الله. تدورُ حواس الكاتب بقدرة أدواته على التحرر من تعاسة الزمن هذا الحشد من الكلمات المحترقة تضعنا أمام سؤال: هل المرواتي إستطاع أن يرسم حدود نظريته الغير مرئية بإكتشافه للإلحونات النازفة على عوده. تظهر في ص42 خفقة كلمات يتراءى للمتلقي عدم فهمه الغاية والوسيلة لإنقاذ الحبيبة. أيضاً يظهر تعبير غير واضح بقوله: / قالت: / لأنّ الفرق بيني وبينك، هو أنّني أحببتك وأنّك أحببتك..!!. يظهر أنّ المرواتي إستطاع أن يوازي بدر شاكر السياب ونزار قباني بما فيه الكفاية لأنّه ببلاغته الخاصة وهو يخاطب حبيبته إستطاع أن يجدّد ويتفرّد كحدّ قوله: / عيناك نافذتان أرى فيهما فراشات ضوء.. / تغريني عيناك- الشاسعتان أحلاماً، وألحاناً، وفضاءات ساحرة- بضياع..أحبّه..!!. يتغنّى المرواتي في ص55 بغربة الوطن ويتساءل عن حالة العراق المحترق والمنتحب شوقاً من هول العاديات. مضيفاً ترسبات الماضي من دكتاتورية الحكم الزائل. يحكي المرواتي عن نظرته الذائبة بدليل وصف كلّ النساء وردات وحبيبته حدائق. دائماً تمرّ على لسانه كلمة العرب. أعتقد هناك تناص غير مألوف سواء لمسة أبي نؤاس أو قدحة من قدحات رباعيات الخيام بقوله: / صادك الليل إذا الليلُ رمى... يا عراق الضيم والمنتكس/ لم يكن عمرك إلاّ ظلماً.. ونزيز الحزن في درب قسي/. لقد وفّق بمفردات البيت الأول أمّا البيت الثاني كانت القافية ثقيلة على اللغة وفق كلمة قسي كان من الأجدر إدراج كلمة قاسي ولكن لضرورة الوزن أصبح ملزماً بذلك. أجمل ما ذكره المرواتي في هذه المجموعة عندما قال: في ص68 /  الليلُ يا وردتي صوتٌ والنهار صدى/ والنهارُ في بلدتي موتٌ والليلُ مدى/ وأنا وأنت دمعنا فرح ما إنتهى.. ما إبتدا/ غريبان يا حبيبتي صرنا في عرس عشاق الردى...../. حيث يوظّف الطباق والجناس في نصوصه. هذا التمنطق بالكلمات بحاجة لثورة عابثة تتيحُ الفرصة للتشبّث بالحكمة. كلّ الأسماء القبيحة إختلطت فتحولت إلى أسماء جميلة وإبتسامات عابرة تستنشق أولى نسائم الخريف رغم ضبابية الواقع وعناد نواميس الحياة نرى في إلتماعاته ليونة وإسترخاء يكشفُ كلاهما خبايا الأبالسة. ربّما يعودُ يوماً التوازن الحقيقي للنفس البشرية. إن كل هذه القلائد الرنّانة نجحت في أن تبقى في منطقتها هي فلم تكن قصة قصيرة جداً ولا كانت شعراً هي طريقة المرواتي بالكتابة السردية هي كما يسميها ( فضاء كتابي شخصي).  صورة جميلة تظهر في ص79 فيها جزالة اللفظ والإيقاع عند قوله:/ صمتي ناحل وندائي قاحل.. والوقتُ يمشي كسيراً مثقلاً بالتثاؤب/ تعبت أصابعه بمسبحة خرزاتها أوهامي/. هناك تشاؤم من الذات غير مرئي قد باح به المرواتي بلفظة (عمّوور.. عمّوري). لقد إختلفت نظرة المرواتي للحياة وإكتمل الإختلاف بابتكاره جنساً أدبيا جديداً هو فن المرواة ( والإلتماعات مراوٍ قصيرة جدا فن يوازي القصة القصيرة جدا) الذي إحتار به زملاؤه الأدباء – يوما ما - وفق مجادلاتهم له بإعتباره نوعا غريباً من الأدب يدخل الساحة الأدبية بلغة وحداثة راقية أتمنّى لهُ الموفقية والنجاح في عمله خدمة للمشهد السردي في العراق خاصة والعالم العربي عامة.
..................................................
*صفة صائغ الكلام أطلقها عدد من أصدقاء المرواتي من الأدباء والأديبات العرب. وأنا أوّل من يثبّته بمقال من الأدباء.