مدونات للغائب الآخر... ومجموعة أمنيات معطلة للأديب سداد هاشم البياتي


المحرر موضوع: مدونات للغائب الآخر... ومجموعة أمنيات معطلة للأديب سداد هاشم البياتي  (زيارة 783 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 130
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


مدونات للغائب الآخر... ومجموعة أمنيات معطلة للأديب سداد هاشم البياتي


فهد عنتر الدوخي

ليس بعيدا عما تناوله, الأديب سداد هاشم البياتي من أفكار ورؤى فإن مجموعته الشعرية( أمنيات معطلة) التي إكتنزت بعناوين مثيرة للتداول ولتحريك الرقية الأدبية الى مطاف التساؤل والبحث والتنقيب والتشريح, وكما سنرى أن كل المعالم الرئيسة لكل لوحة تخفى وراءها سر, وهو الأديم الراسخ الذي يتحرك عليه الأديب ليخرج الى عالم التأويل والقص والتدوين ويغادر القوالب المباشرة ليضع الكلمة بموضع القصيدة, والجملة بمكان الدلالة, والعنوان بصيغة التواصل الحي الجميل مع المضمون, ولكن هذا التوافق هو سر التوغل بين مدارج البناء, لغة, وفكرة, وتجديد, حتى أصبحت الأردية التي فصلها لها مقاسات متعددة, تستر كل عرى اللوحة, وما رسمه في هذه المجموعة من عناوين.. هي(أسئلة,إعتراف,,إفتراض,أمنيات,أوجاع,تجليات,إنتظار,دعاء,هموم, تداعيات,حوار,حيرة,ندم, أمل ,معذرة, خرافة,ذاكرة, رسالة,سيدة الاحلام,,صورة,ليلة, مناجاة,مكاشفة,هدنة)..
(كلماتك الآن تسقيني قبلات الصبح,
بعد أن ظلت تطاردني ,
نحو ضفة الوهم والسراب
...أعواما كثيرة)
الصفحة21 هذه  المجموعة(أمنيات معطلة) التي احتوت على تشكيل نثري من الخواطر والقصائد والبوح الجميل , ورغم أنها لم تصلني الى وقت متأخر,إذ كانت قد طبعت بمناسبة إختيار كركوك عاصمة الثقافة العراقية في العام2010, وقد تابعت منذ أن توطدت علاقتي الأدبية بالأخ الاديب سداد هاشم البياتي, إهتماماته بقصيدة النثر, وما دأب عليه مؤخرا من نشر غزير على صفحات التواصل الإجتماعي وقد تابعت لوحاته التي جاءت وهي تصوغ مضامين جديدة في تناول الأفكار والرؤى, إذ طغى عليها, الآخر الغائب, وقد أعطاه رموزا متنوعة ومتشعبة, وجعل المتلقي يبحث عن التأويل بما تشتهي نفسه, ولايصرف جهدا ولايذهب بعيدا لتفسير مخارجها ومداخلها, فكان قريبا من وجودنا, ملتصقا بمشاعرنا حد الدهشة,حتى أنني وجدت من المناسب أن اعرض إستحقاقه لما دونته في مواضع أخرى سابقة على متصفحه, وليطلع المتلقي على صيغة العرض الذي وضعته, في محاولاتي المتواضعة إدناه..
رغم تشظي التشبيه ودورانه في فلك الفكرة،إلا أنه قد نثر على أديم المشهد ، بصورة حسية،ملتقطة من تجاذب الأرواح وتقارب الوجوه والتي تلتقي عند مرمى واحدا،وهو ليس ماتقره نهاية اللقاء،إذ أن الذكرى تبقى محطة للتواصل والعتاب،هذا ما أراه..
كل الإجابات جاءت متأخرة جدا,
فالأبواب ظلت على حالها
لإن مفاتيحها قد صدأت
والأوراق لم تعد صالحة ...
الترميز في هذه اللوحة الشعرية،يرتقي الى تأويل مباشر،يبدو فيه المتلقي جزءا حيا ومتحركا في تقنيات المشهد،الذي رسم بمهارة، بل  إنه خطاب متقن تتوفر فيه كل عناصر الكلام،بكلمات مقتضبة،إستطاع الاديب سداد هاشم البياتي أن يودع رسالة صريحة ناطقة وجريئة في فضاء التمني،لقد وثق هذه المغامرةفكانت،تبحث عن متسع لسمو آخر.بين السطور  حتى تتحرك الأحاسيس بشكل مؤلم،كنا قد عمنا في أبجديات هذا التشكيل،فكانت العاطفة وحدها تلجم السكون،حتى غدت أرواحنا تصوغ الأماني لرحلة سايرتنا في يوم ما،وما إستفز من بقايا لقاء لم يكن عابرا،كان مدويا،وعندما نراجع اوراقنا بعقل هادئ،تطفو خطوط قد رسمناها بوعي الفطرة،فكانت أجوبة على كل الاسئلة التي تعتلج في الوجدان،وما ينحدر تحت هذا المشهد الذي اتقنه الاديب سداد هاشم البياتي،هو انعكاس مصغر للصلة التي تربطنا بالآخر،كلنا يختزن عنوانا من هذا التشكيل..أجزاء اللوحة تشكل مشهدا حسيا يأخذنا الى حيث الدروب السعيدة المعلقة بالألم والذكرى والترحال وكلها مسودات مخزونة في وعينا الماضي وتمضي وهي معلقة بأمل الوصول الى حافة البقاء،لنلتمس مراميه بنفس القلب حتى وأن استبدت به الشيخوخة فهو ينطق بالحب والحياة وينبض بصورة التواصل الحي الجميل مع أيام خلت،أيام كانت مشرقة في الذاكرة ومازالت تمنحنا مزيدا من التشبث بأثر الاخرين،الاديب سداد هاشم البياتي،كل المديات التي صنعتها قد حصلت على براءة تميز عما نحن عليه،عليك أن تتقن مداراة مشاعر الأفق القادم وأنت وحدك تدركه بإمتياز.
كل التأويلات محتملة لتلاشي غياب الاخر والذي يشكل المعادلة الصعبة في تفسير ضياع موروث من الأحاسيس توزعت على خارطة الزمن،ويبقى الترميز المصطلح الوحيد اللاعب في هذه اللوحة وبكلمة أخرى فإن الماضي قد انحسر وتداعت كل الصلاة التي تربطه بإرثه،وكما نرى التنوع الجميل في صيد الاحداث وقد ابدع فيها الاديب سداد هاشم البياتي،رغم سوداوية المشهد..
(1)صدرت أول مجموعة عربية من نوع (الشعر المنثور) عام 1910م, وهي بعنوان (هتاف الأودية) لأمين الريحاني, اشتملت على النصوص التالية (ريح سموم- رماد ونجوم- الثورة- غريبان- عند مهد الربيع- هتاف الأودية- غصن ورد- معبدي في الوادي- عشية رأس السنة- الى الله- هجروها- بلبل ورياح- المليك الشحاذ- الزنبقة الذاوية- الخ. المصدر.(مفهوم قصيدة النثر) علي المتقي..
ولذلك لم نذهب بعيدا عن المسميات التي وشمت  قصائد هذه المجموعة,إذ كانت عناوينها تتوافق مع كل أبجديات الشعر النثري الذي ساد في القرن المنصرم ومازال المنهل السهل الذي يلبي رؤية المتلقي حتى يخرجه من قانون قصيدة التفعلية والشطروالعجز والمصفوفة الرياضية وتساوي الجمل والأحرف والأيقاع الموزون والى الكثيرمن التفعيلات وتعقيدات النحو والصرف والكثير الذي يقال, حتى تتأرجح الموهبة تحت سطوة المعرفة والمهارة عند إكتساب الدروس النظرية والعملية للغة خصها الله بالقداسة وهي لغة القرآن الكريم..
نقرأ في لوحة( إلتماس بلاقيود)ص9
 للطيور طقوسها عندما تهاجر كأسراب,
 وللقديس والتائب في الصلاة,
المدينة الملغومة بالعشاق,
وتحضير الأرواح وإستنساخ أنواع الفصائل في عرف جدتي يعد خرافة)..
ويطالعنا في لوحة أخرى( إعتراف)..
(في مرافئ القلب,
أحاديث الأمس, تزداد ألقا
, كلما بدأ النهر يجرف أسماكه الملونة
, ويسبح في جزر عينيك)
وحتى  يكون التنوع  حاضرا وجاهزا لإستقطاب  أواصر القصيدة النثرية, والخاطرة معا,والإحساس بتطويع المكتنزمن الحوار الداخلي الذي يتدافع بصمت في خلد الكاتب..ففي لوحة(أمنيات معطلة),ص12 يغامر في الوصف والترميز ويدخل في عوالم الوجه الآخر
كنت أتمنى أن تحلق أنوثة نهديك
 فرحا بين كفي,
وأن تعلميني فك إزرار قميصك
المطرز بدمي,
كنت أتمنى أن تتركي رغباتي المتأججة لتنتحر,)..
وهكذا, فقد إختزنت في ذاكرتي القريبة صورا مشوبة بالهم والألم والمعاناة,ولم أعثرعلى عكس ذلك,غيرأن مايثير الدهشة هو طريقة تدوين الأثر وإستجابته النفسية والزمنية التي عبرت عن حال الكاتب,وللتأكيد على ما ذهبت اليه, اورد ما جاء بلوحته(مناجاة)..
أيها المثقلة بالهواجس والهموم-
أين أنت الآن؟..تعالي!
لقد أرقني صمت التعب والإنتظار,
تعالي قبل أن تذبل أجنحة الأيام
تعالي, فلم يبق في قاموس كلماتي..
سوى حروف التمني,
تعالي فقد طال إنتظاري,
فهل تلبين النداء؟؟...
ما اريد ذكره هنا هو أن هذه المناجاة التي تعصف بذهن الشاعر, وقد تداعت كل مشاعره على شاكلة أمنيات وأحلام وعواطف, وكلام يخاطب الآخر, كما أشرت في مواضع سابقة من هذا المقال,لم تدون لضرورة شعرية حسب بل أن الدافع الإنساني الذي إستأسد على أركان هذه المجموعة بأكملها, ولم تأتي من فراغ, الأمر الذي يجعلنا نقول  أن وراء هذا التشطير النثري وإظهاره بمواقف شعرية, وتجارب حياتية,تمس ذائقة المتلقي ليجد أرضا تسعه ولغة يخاطب بها جمهوره.
نقرأ في لوحة(تداعيات)ص18..
سيدتي هل تظنين بأنني أعلنت صمتي؟
وذبحت شريان ثرثرتي..
تعالي فقد مضى عام وأكثر,
وجروحي المتجذرة لم تهدأ..
ونحن معك نشاطرك النداء,لقراءة مجموعة( أمنيات معطلة), وعسى أن تجد من يجد لها إستجابة ويصلح ماتبقى منها..
(1)   مفهوم قصيدة النثر...دراسة للأستاذ علي المتقي..