ارسطو والفلسفة الواقعية


المحرر موضوع: ارسطو والفلسفة الواقعية  (زيارة 1564 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1787
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ارسطو والفلسفة الواقعية
« في: 19:05 28/12/2016 »
ارسطو والفلسفة الواقعية

بقلم يوحنا بيداويد

سيرته
في العدد السابق تحدثنا عن نظرية المُثل للفيلسوف الاغريقي افلاطون، الذي قسم الوجود الى جزئين، العالم الخالد، الكامل، الابدي، والعالم الأرضي الناقص، الفاسد، المتغير او الوقتي. في هذا العدد سوف نتحدث عن الفيلسوف ارسطو، أشهر تلاميذ أفلاطون، الذي وضع فلسفة مختلفة عن استاذه، فلسفة واقعية، فيها بذور الفكر المادي والتجريبي، وبعيدة عن الفكر المثالي.
يعد ارسطو المقلب بالمعلم بين أوساط المفكرين، الفيلسوف الأول في تاريخ الفلسفة الاغريقية والعالم قاطبة، حيث استطاع ان يختزل أفكار كل الفلسفات الاغريقية التي سبقته واخرجها بثوب جديد تحمل اسم "الفلسفة الواقعية".
 
ولد ارسطو في اسطاغيرا احدى مدن شمال اليونان عام 384 ق.م. كان والده طبيبا في بلاط الملك فيليب "والد إسكندر المقدوني". يبدو كان تعلم التشريح منه لهذا نجده ملما بعلم الحياة كثيرا.
 التحق بأكاديمية افلاطون في أثينا حينما كان في الثامنة عشر من عمره، وغادرها في عام 347ق. م بعد موت افلاطون على الرغم كان اوفر الحظ بين المرشحين لتولي رئاستها. طلب منه الملك فيليب ان يشرف على التربية وتعليم ابنه إسكندر المقدوني حينما كان في الرابعة عشر من العمر، فقام بتعليمه لبضع سنوات، الا ان علاقتهما شابت بالفتور بعد تولي إسكندر مقاليد الحكم، لعدم التزام الملك الشاب بتعاليم ومبادئ الأخلاقية لأستاذه.
عاد الى أثينا في سن 344 ق.م وأسس مدرسة معروفة تحت اسم (اللوقيون)(1)، التي كانت مختصة في مواضيع الفلسفة في حينها مثل الالهيات، الطبيعيات، المنطق، علم النفس، علم الحياة، والاخلاق السياسية. بعد موت إسكندر سنة 323 ق.م هرب من أثينا الى جزيرة "أوبا" خوفا على حياته من الأحزاب المعارضة لحكم المقدونيين قائلا: " لا حاجة لي ان اعطي الفرصة لأثينيين ان يجرموا ضد الفلسفة مرة اخرى"(2). توفي هناك في 322 ق.م.
نبذة مختصرة لآرائه الفلسفية.
يعد ارسطو موسوعة متكاملة من دائرة المعارف، حيث تطرق الى جميع فروع الفلسفة التي اصبحت علوم بحتة قائمة بذاتها اليوم.  تعد فكرة الصورة والهيولي من اهم المواضيع التي ركزت عليها فلسفته وأصبحت حجر الزاوية في كافة مباحثه وتفسيراته.
 كما قلنا كان متأثراً كثيراُ بمثالية افلاطون، لكن انقلب على رائيه في مرحلة نضجه. عد اراء استاذه ناقصة وغير موفقة في تفسيرها للعلاقة بين الموجودات الناقصة في العالم الأدنى ومُثلها في عالم العلوي (عالم الخلود). كان افلاطون يقدم الوجود العقلي او المثالي على الوجود المادي او الأرضي. لكن ارسطو يظن الصورة (المُثل) لا لها أهمية بدون وجود الهيولي (المادة).
 
 
الوجود بالقوة والوجود بالفعل:
من المفاهيم الرئيسية التي جاءت في فلسفة ارسطو أيضا هو الوجود بالقوة والوجود بالفعل. الوجود بالقوة هو الوجود الهيولي للمادة (غير منتظمة، بدون هوية او هيئة، بدون معنى مثل مجموعة احجار او اخشاب متبعثرة)، قابلة للانتظام واتخاذ (شكل معقول)، بعدما يتحول ما هو في القوة(الهيولي) الى الفعل (صورة ومادة). كأن الهيولي هي قوة متهيئة لتكوين شيء بالفعل بعد اخذ الصورة عن طريق الحركة او التعشيق، لكن هذه الحركة لا بد من وجود مكان وزمان لها، وهذا المكان ليس داخل الجسم نفسه، بل حوله، أي فضاء خارج عنه، فالفضاء هو وعاء كبير (مكان الأمكنة)، الذي يسع ليحوي على كل الموجودات.
الان ربما يسأل سائل كيف تحصل الحركة تحول ما هو في القوة الى ما هو بالفعل؟ لان لا يجوز للحركة ان تكون مسببة لذاتها، لان ذلك تناقض ذاته، ارسطو وضع أربع علل تقود الى حصول الحركة وهي:
1.   العلة المادية: هو وجود المادي او الهيولي الذي تتكون منها الأشياء مثل العناصر الأربعة او أي شيء اخر مثل الحجر او الخشب.
2.   العلة الصورية: هو الصورة او الهيئة النهائية للشيء (القوة بالفعل). تحمل الخصائص التي تكتمل وجوده (تمثال كامل المواصفات).
3.   العلة الفاعلة: هو الفاعل الذي يقرر شكل التمثال كالفنان او النحاة.
4.   العلة الغائية: الغائية التي من اجله وجد الشيء، مثل قصد الفنان من التمثال.
 
الصورة والهيولي
 كما قلنا تعد فكرة الصورة والهيولي حجر الزاوية في فلسفة ارسطو، فهو اختلف مع استاذه افلاطون في نظرية (المُثل او المثال والمادة)، لم يتفق معه بوجود مفارقة بين الصورة والمادة، بل رأى تلازمهما ضروري الا في حالة واحدة هي الامر المتعلق بالألوهية، لأنها صورة محضة قائمة بذاتها وهي محركة كل الأشياء.
 
النفس علاقتها بالهيولي والصورة
من المواضيع الرئيسية الأخرى التي تطرق عليها ارسطو في فلسفته، هي النفس (أحيانا يطلق عليها أيضا الروح)، فالنفس هي وسيط بين ما هو فيزيقي وما هو ميتافيزيقي، مشترك بين ما هو الإنساني والالهي من حيث الجزء الخالد، وبين جميع الكائنات الحية (الانسان، الحيوان، النباتات). النفس هي الوسيلة او مخزن لجمع المعرفة، وفيها تكمن الرغبة او الشوق لبلوغ الكمال عن طريق المعرفة ومحاكاة المطلق والحقيقة.
النفس هي أيضا جوهر لجميع الكائنات الحية لأنها هي التي تحدد جسمه، وتحول وجوده تدريجيا من الجسد (المادي) في صيغة الهيولي (القوة) الى (الفعل) بشكل الهيئة او الصورة النهائية المتكاملة حسب قدرة تلك النفس او مخططها الذاتي. كأنما يقول ان النفس هي محددة لمواصفات ومحتويات DNA الخاصة بها لكنها تستمر بالتطور والتحرك البطي نحو القمة، أي الكمال الالهي.
حسب ارسطو ان ماهية الشيء او جوهره يمكن ان يكون في ثلاث وضعيات وهي:
1.   جواهر حسية مادية (هيولي) قابلة للكون والفساد وهي أجزاء الطبيعة.
2.   جواهر خالدة حسية ازلية غير قابلة للفساد لها حركة مكانية محددة مثل الاجرام السماوية.
3.   جواهر ازلية خالدة مفارقة للمادة ليس لها حركة هي (الاله، العقول المفارقة، العقل (الجزء الناطق من النفس).
يوضح ارسطو مرة اخرى ان الصورة هي كمال الشيء، بل هي النتيجة الفعلية الاخيرة للتحولات التي تطرأ على شيء محدد او على كائن حي، بينما القوة الرغبة الموجودة لدى المادة لقبول الصورة وتشكيل الهيئة وحمل جوهر الشيء، فالمادة هي مثل عجينة التي لها الرغبة او الطاقة لقبول التحول أي الامكانية وقبول الصورة والسير في مراحل التحولات لبلوغ جمالها او كمالها التي هي النتيجة الأخيرة بالفعل لهذا هيئة الشيء هي القوة بالفعل.
 
من الأفكار المهمة التي تطرق عليها ارسطو هي ايمانه بوحدة النفس، الاقنوم الثالث في فلسفة افلوطين (3) او النفس الكلية التي تحدث عنها ابن الرشد التي رفضها توما الأكويني(4) فيما بعد.
علاقة الله المنزه بالكون
كيف يمكن للإله المنزه الذي لا يعقل الا ذاته، يعلم ما يجري في العالم الذي خارج عنه؟ كيف يحركه؟
حسب ارسطو ان الاله المنزه لا يعلم ما يحصل في العالم ولا يتدخل فيه، لان ذلك يعد سقوطا عن حالة النزاهة، ويصبح شرف العلة (العالم) بقدر شرف المعلول (الله). فتفسير ارسطو هو ان حركة العالم تحصل بالشوق، كتأثير الصورة على العاشق. فالصورة لا تفقد شيئا من ذاتها، مثل العاشق الذي تتحرك احاسيسه نحو معشوقه. فالصورة هي المعشوقة والعاشق هو الهيولي (المادة) في وضع الطاقة المستعد للتحول الى الفعل، لتكوين هيئة مركبة من المادة والصورة.
هكذا كل الكائنات الحية تعشق الاكتمال ذاتها، لهذا ترغب ان تسير نحو الكمال الإلهي او جماله. إذاَ تأثير الاله على العالم يأتي من خلال جاذبيته، جماله، كماله، بهائه انه الاله الخير المطلق. إذا الشوق مصدر الحركة في الكائنات الحية والكون.
 
 الحركة الغائية ومصدرها

ان الحركة التي تجري في الكون (مكان الأمكنة) لا تحصل بصورة عشوائية بدون نظام. بل في كل تحول او حركة بسيطة له غاية، مثلما يعمل كل عضو في جسد الانسان من اجل غاية مفيدة للجسد كذلك كل حركة في الكون لها غاية باطنية. وان السكون هو امتناع الحركة.
ان مصدر الحركة هو الله، الله بحسب ارسطو لم يخلق العالم، فالوجود قديم موجود بالقوة منذ الازل. اما عملية التحريك والتغير تحصل من قبل المحرك الأول الذي هو الاله بالشوق، لو لا الله لبقى العالم (الوجود) ساكنا غير متحرك. الان لان لكل حركة غائية، فمحركها هو الذي يضع غايتها عن طريق جذبها. وضع ارسطو خمس براهين لأثبات نظريته وجود الاله المحرك بين العلة والمعلول.
في الختام تبنى القديس توما الإكويني فلسفة ارسطو في تفسيره للعلاقة بين الاب والابن والثالوث الاقدس واستطاع يقربه من لاهوت المدرسي في القرون الوسطى
..........
•   اللوقيون او المشّائيّة، مدرسة أسسها آرسطو عام335 ق.م واستمرت لحد نهاية القرن الثالث الميلادي.
•   يقصد اعدامهم لسقراط بعد اتهامه بتعليم الشباب الكفر في قرن الرابع ق.م.
•   أفلوطين فيلسوف كبير في القرن الثالث الميلادي.
•   توما الإكويني 1274-1225م، يُعد اللاهوتي الأكبر في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية نال لقب الملفان.

 

المصادر.
•   -History of Western Philosophy، Bertrand Russell، George Allen & UNWIN Itd. London. 1961.
•   -Philosophy 100 Essential Thinkers، Philip Stokes، Arcturus publishing limited، London, 2005
•   الفلسفة الاغريقية، محمد جديدي، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان،2009.











غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1787
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: ارسطو والفلسفة الواقعية
« رد #1 في: 15:20 02/01/2017 »



ارسطو يجادل استاذه ويقول ان نظرية المثل بعيدة عن الواقع او عالم الذي نعيشه ..............الخ