من يعتقد ان “إسرائيل” بعيدة عن الأحداث وما يجري منها في الوطن العربي فانه يتجنى على الواقع الموضوعي لنشوء هذا الكيان المُصطنع في قلب أمة تتقاطع مع مبادئه وتوجهاته جملة وتفصيلاً.
ومن يتصور ان ما يخطط له حالياً في العراق يتم بمعزل عن كواليس السياسة الصهيونية فإنه يخطئ ايما خطأ، وليس من المغالاة القول ان تمفصل جماعات الضغط الصهيوني في الولايات المتحدة وسيطرتها على مراكز القرار السياسي والاقتصادي وعلى الاعلام يجعل منها فاعلاً شديد التأثير في الاحداث الدولية. هذه قضية كُتب عنها الكثير وأصبحت من البديهيات المعروفة لكن التذكير بها في ضوء ما يجري في العراق يعتبرمن الضرورات الموضوعية لقراءة ما يؤسس له حالياً لتحديد ملامح وشكل الدولة السياسي من منظور دستوري.
وبقدر تعلق الأمر بتوظيف القضية الكردية صهيونياً لا بد من قراءة أولية لبدايات نشوء الحركة الكردية في العراق، فمن المعروف ان الأكراد يتمركزون بكثافة ملحوظة في ثلاث دول هي: تركيا وايران والعراق، ورغم ان قضية الاكراد في تركيا وايران قد اكتسبت ثبوتاً نسبياً، لكن قضية اكراد العراق ظلت تأخذ طابعاً من المد والجزر اسهمت في تعميق الشعور بالخصوصية القومية وحالت دون انسجام الاكراد مع النسيج الاجتماعي المتعدد، رغم ان العرب كانوا اكثر الشعوب انصافاً في التعامل مع الاكراد، ففي هذا المجال يمكن التذكير بأن أول جريدة كردية كانت قد تأسست في القاهرة سنة 1898 باسم “كردستان” على يد أحد أبناء كريم بدر خان، كما ان العراق كان من اسبق البلدان التي يوجد فيها الكرد اعترافاً بحقوق الأكراد كما ورد في الدستور الأساسي للعراق سنة 1924 كذلك فإن مواد الدستور المؤقت الذي صدر بعد ثورة 14 يوليو/ تموز عام 1958 قد جسدت ذلك ايضاً حتى بعلم الجمهورية العراقية حينها، ولم تسلم الجمهوريات المتعاقبة الاخرى من تداعيات ارتباطات هذه الحركة ب “إسرائيل”. ففي عام 1973 وفي اوج لحظة انكسار صهيوني معروف بعد نجاح القوات المصرية في عبور القناة والتداعيات الخطيرة اللاحقة لها، وفيما كانت القوات العراقية ترابط على الجبهتين السورية والاردنية كانت القيادات الكردية تتفاوض مع قادة الكيان الصهيوني حول امكانية ان تكون “إسرائيل” مستعدة لمساعدة الاكراد اذا ما اندلع القتال مع الجيش العراقي، ولا يمكن نسيان ما جرى حين دفعت “إسرائيل” ايران الشاه للوقوف الى جانب الاكراد في قتال استمر لعامين.
ما الذي تريده “إسرائيل” من العراق وكيف يتم توظيف القيادات الكردية لتحقيق الهدف “الإسرائيلي”؟ سؤال تجيب عنه المناورات الكردية حول صياغة الدستور بشكل واضح.
أولاً: ان استبدال هوية العراق العربية بهوية قوامها التحول جوهرياً من العروبة الى التعددية هو مطلب لايخدم سوى الصهاينة بكل تأكيد، وليس له شأن بهوية الأكراد الوطنية والقومية، كذلك فإنه يعمق الشعور بالخصوصيات القومية التي تحول دون الاندماج في النسيج الاجتماعي الموحد.
ثانياً: ان التأسيس لمبدأ حق تقرير المصير يُعطي الفرصة للطوائف والقوميات المتعددة في العراق للانفصال عنه بدواعي الخصوصية القومية أو المذهبية وهو بكل تأكيد يعني العودة الى تطبيق اتفاقية سايكس بيكو جديدة في العراق لا تصب إلا في المصلحة الصهيونية.
ثالثاً: ان مطالبة الأكراد بتوسيع صلاحية رئيس إقليمهم لتشمل حق عقد اتفاقيات خارجية دولية يعني اطلاق العنان لترتيبات كردية خارجية ربما تصل الى مستوى عقد اتفاقيات تحالفية مع الكيان الصهيوني تُفضي الى ربط العراق أمنياً به، ومن ثم يمكن الانطلاق من خلال ذلك الى احياء المطالب الصهيونية المتعلقة باستكمال خط أنابيب كركوك يافا الذي توقف ابان الحرب العربية الصهيونية الاولى عام 1948.
ان ما يؤسس له الأكراد حالياً يمكن قراءته بوضوح شديد، وان الظروف الموضوعية في العراق تقتضي تضافر الجهود لجميع فئات المجتمع العراقي للانتقال به من مرحلة الاحتلال والفوضى الى مرحلة أخرى أكثر استقراراً وتحرراً، لا ان يؤسس لدستور أكثر تماشياً مع الأهداف الصهيونية ويفضي بالنتيجة الى تناحر قومي وطائفي له أول وليس له آخر.
* كاتب وأكاديمي عراقي
Dr_hussain_hafeid@yahoo.com _