ترنيمة الغائب تحطّ على أجنحة المرح


المحرر موضوع: ترنيمة الغائب تحطّ على أجنحة المرح  (زيارة 736 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 948
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

ترنيمة الغائب تحطّ على أجنحة المرح


نقد: كريم إينا

صدر للشاعر عدنان أبو أندلس مجموعة شعرية بعنوان: " ترنيمة الغائب"  الطبعة الأولى سنة 2016 التصميم والتنضيد الإلكتروني:الشاعر عامر صادق طبعت المجموعة في مطبعة الدباغ- أربيل- العراق يقع الكتاب بـ (134) صفحة إحتوت المجموعة على (33) قصيدة والكتاب من الحجم المتوسط بقياس(24x 16) بدأ الشاعر بقصيدة: إيركاليوس ص5 بلا حدود كان جندياً يحاور النار بدون بندقية. يرشفُ حلزونة وهي تدورُ وسط العاصفة ربّما قاد أركاليوس نفسه بلا طائرة تكاد الدنيا عنده ذكرى لامعة تباغتُ قرارة نفس البشرية. ففي ص11 إستذكارات ملمّعة يقول: / شمّ الصليبَ أمامي وفاضَ جسدهُ عطراً/ هذا إحتراقي..../ آهٍ... فكيف أسلو/ من كان ظلاً ورفقاً...............!.
لا زالت نفحات شعراء كركوك تجولُ جمجمة شاعرنا عدنان في كلّ الأروقة والميادين. يذكر الشاعر هنا مكانات اللقاء والتسكّع مع شعراء كركوك وهم يصنعون غدهم في زمن معطل ضمن المشاوير المطلسمة ونفحات أبو أندلس تضؤبُ عصاها على زهرة الشمس حالما تلينُ أجنحة المرح وهو يخاطبُ سركون الصبي المدلّل الساحر بشاعرية السماء. لقد أضاف أندلس لمسة جديدة للمجموعة عند إستخدامه مصطلحات باللغة الإنكليزية. وفي ص17 تظهر قصيدة المغامر الكوني حيث يقول:/ أعبرُ لجّة... الفراغ/ وأصرخُ ما يخالجُ مبتغاي هدير السكون.../ قصة مثلث برمودا غامضة يقال: هناك أجسام غريبة سقطت من السماء لا زالت تجذبُ الأجسام داخل أعماق المحيط وقصّة أخرى يرجع سببها إلى إرتفاع قيعان المحيط ممّا يسبّب سحب السفن والطائرات للأعماق فيظهر وجه التضاد كخط وهمي في قصيدة المغامر الكوني بين عرصات الهندية وسان فرانسيسكو فينطفىء عود الثقاب بتنهيدة. تظهر قصيدة باب توما ص25 حسب قول الشاعر/ تراءت لي (كوبا) برمّتها إعلاناً يهدىءُ الأعصاب تابوتاً من التبغ/ وحبّة بن سكرى يثرثرُ تحتها الإدمان/ نراها صورة رائعة ومجازية معبّرة بقوله: تابوتاً من التبغ التي يبوحُ فيها أناس راحوا ضحايا بسبب التبغ أفيون العصر.
دائماً يردّدُ شاعرنا عدنان كلمة الغائب في نصوصه ربّما ما زال ينتظر وميضاً يمرقُ في ثنايا تخيله. تظهر أسماء شامخة في عالم الأدب العربي والعالمي وإستذكارات كـ " ماري إنطوانيت" وشخصية خاجيك. تظهر قصيدة " وإنتهت اللعبة.. يا ريتا" متماسكة وكأنّ الشاعر عاش أحداث مدينة نينوى يفتحُ باباً ويوصدُ آخر نحو المجهول. ورغم العواصف الهوجاء يتوشّحُ بسواد المدينة ويحدودبُ ظهرهُ نحو رائحة الأرض. ما زال يترنّمُ ويصدحُ ناقوس الكنيسة عند قلعة باشطابيا لإنتظار الراهبة كي تذرّ البخور في المجمرة ولحين إبتداء لعبة أخرى. تظهر صورة جميلة من قصيدة سيركيا في ص42 حيث يقول: فيها / أيّ لقاء لم يحتسب/ في مواعيدنا الملغاة؟/ لكن ثمّة بقية للذكرى/ وما أرّخ لحظة الوداع/ حين إنفرطت يدانا/ لمعت المآقي بسخاء/ وعند إرتجاف الشفاه شحّ الكلام/. إنّ إرتشافهُ في القلب لم يرتو منهُ بعد فهو ما زال عطشاً حالماً يطفىءُ المصباح قسراً لتألو لغة الشاعر بموسيقى إنجذابية ترتطمُ بشهقة عطشى نحو ريبة الزمن الغادر.
الشاعر عدنان ربّما ينوّه إلى الموج الكاسح المتمثل بداعش حين يقول: في ص49 من قصيدة الصبي الإنكليزي / إلتفتُ فجأةً/ فإذا الغبار الشيطاني/ يلفّ قريتي القريبة!/. إنّ عشرة أبو أندلس لجيرانه كانت كبيرة وخاصة أمّ فريد التي كانت تفترشُ الخضرة في أولّ الطريق سواء في عيد (الرشّيش) أو شهقات طريق الجلجلة لا فرق بين الأديان فهو قريب من حنايا الناقوس بلا إنقطاع فتراهُ قد صوّر المشهد بكل حذافيره ويصغي لتمتمات المصلين بعبارات لا تهدأ هللويا.... هللويا وكأنّ أمّه على حد قوله: تهبهُ عطراً شفيفاً من ذاك الشروق، فهو ما زال يلتفتُ خلفه ويطلّ ويتوارى بين الظل والسور كلّها في ذاكرته تحفّهُ الصلوات والطقوس لآخر الطريق تظهر قصيدة قدّاس لكاهن لا يصلي في ص54 مدى العلاقة الحميمية بين الشاعر وأشبينهُ موشي بولص موشي بقوله:/ يا موشياً بالطيبة حدّ الخرافة/ ويتكلم الشاعر بلغة السورث الدارجة / خوني لم تشتك منك نملة/ أو تئنُ تحت قدمك بقةٌ/ إلاّ هي التي نهايتها عندكَ/.
لقد أبدع أبو أندلس بوصفه للحلاق الأرمني الذي جزّع شعرهُ وتابع تمتماته وقرقرة بطنه عندما يدورُ حول فريسته المزينة ويطعّمها بدندنة مهملة لم تذع لحد الآن. يقول: في ص58/ هو يجزّ شعري/ وأنا ألعنُ ما يبدرُ منه لاحقاً/ أنفاسه تكوي رقبتي/ أحسّهُ يلهثُ مثل طريد/ وما يدغدغُ ظهري قرقرة بطنه.../.
ما زالت آثار شكواهُ تنقّبُ عن الباحث الآثاري بهنام أبو الصوف الذي ضاع في الطرقات وأصبحَ عرضةً للصوص. يستذكر الشاعر أصدقاؤهُ الشعراء الذين قد إلتقى بهم في المرابد في بغداد والبصرة لن ينسى أحد ويصفهم يوماً ما كانوا كالسهل الأخضر واليوم أصبحوا "طشّارى". فنراهُ يتجولُ في حضرة المحبة تتصادم آهاته الصاخبة في وريد الإحتراق. هناك أسماء كبيرة تذكر في مفهرس المدينة الضوئية كأنستاس الكرملي ومار يوسف ومستر تيسو كإسطورة الحلم تتوشحُ بعربات الرجوع. وفي قصيدة ملكزدق ص84 يستذكر سنين الجمر التي كانا معاً فيها وكلاهما يحدقان عبر الكوّة لرؤية تقانة الغزل. وتظهر قصيدة أخرى بعنوان: أبّهة الصعلوك وهي مهداة إلى الشاعر جان دمو التي يذرفُ فيها دمعتهُ وهو يسمعُ به ولا يراهُ وهما بنفس المكان والزمان في محافظة كركوك. يحلمُ بأنفاسه الأخيرة والأرصفة التي حملت خط سير حذائه تراهُ قد ذاب كالسكر في أدب النسيان. ما دام إيقاع الشاعر أندلس يلائم غنجه المعتاد نحو فسحة تكادُ تصابُ بالحذر لولا التوحد في الإيقاع الذي أسند ظهرهُ على سور الحديقة ولديه قصائد أخرى تلمعُ ومضاتها هنا وهناك وتظهر أخرى باللغة الإنكليزية بنفس المجموعة تنبضُ فيها الحياة. أتمنّى لهُ دوام الصحة والموفقية لخدمة المشهد الشعري سواء كان في محافظته كركوك أو أي محافظة أخرى من محافظات العراق والله من وراء القصد.