(كلمات تُخَط، بعدها يعجز المرء، عن مواصلة الحياة، كما كانت، ثم تتواصل الحياة تقريباً كما كانت، أهذه شجاعة أم كانت تلك أكاذيب؟ كلمات تُخَط، أمامها، وبسببها، يموت الإنسان، ثم اللاموت أو: ليس على الفور، هل هذه قوة الحياة أم إنه الضعف؟ لا شيء سوى الحياة والموت، لا شيء سوى كلمات، لا شيء سوى الكتابة لا شيء سوى الاستمرار؟).
أحسب أن كل واحد منا قد جرب توديع عزيز عليه في رحلة سفر إلى مكان آخر.. ما الذي يشعر به في تلك اللحظات؟ تختلط المشاعر، فقد تكون حزناً يرافقه بعض الفرح أو كلاهما، وقد يكون حزناً طاغياً يجتاح الروح ويجعل الدموع مطراً متساقطاً يحفر أخاديده على الخدين.. كلنا جرب تلك اللوعة ومشاعر الاكتئاب.. وهو توديع عزيز قد نراه مرة أخرى ونجتمع به إذا طالت فسحة الحياة.. لكن.. ما بالك بالموت هذا السفر الطويل الذي لا عودة منه؟
أظن أن المعادلة ستختلف في تلك اللحظة.. بل مؤكد أنها تختلف.. تاريخ من الروابط والذكريات التي تجمعنا بالميت سترحل معه ولا نستطيع الإمساك بها إلا في زوايا الذاكرة.. في الحالة الأولى تتمنى أن تكون برفقة من جئت تودعه في رحلته.. وفي الحالة الثانية ورغم حبك لمن مات فإنك تتشبث وبكل قواك بمكانك.. وينتصب الخوف بقامته الطويلة.. فحتى لو استبعدت بطريقة لا واعية فكرة الموت، فإنك سوف تظل فريسة الشعور بكونك عرضة للزوال..
هذا الشريك الذي يفارقني نهائياً، هذا الينبوع المتفجر حناناً وعطاءً وحرية، بالنسبة لي قد نضب وغدا كل اتصال بيني وبينه مستحيلاً.. والحضور الشخصي الماثل في الشريك الميت قد انغلق على ذاته تاركاً إياي في الخارج مختطفاً معه جزءاً مني لا أستطيع الاستغناء عنه.. إنها لتجربة تجعلني ألامس الموت ملامسة حقيقية.. بعد إغماضه الجفنين يستمر العزيز الراحل يموت فيّ، إنه يبتعد عني بالرغم من محاولاتي لاستعادة رفقة العمر التي ما تزال ملأى بالوعود التي كنت أمنّي نفسي بها معه قبل حلول اللحظة القاضية.. ويستمر أخدود الحزن المنحفر في مشاعري يعمل على اقتلاع جذور الحبيب الميت في نفس الحين الذي يقتلعني فيه من ذاتي.
ابن الرافدين
مارسيل