الدستور العراقي الجديد شرع التقسيم ؟!
يوحنا بيداويد
بعد سنين طويلة التي تشبه ليل مظلم استمر قرابة قرن كامل، و بعد حروب مريرة ادت الى ضياع وقتل الملايين من الشعب العراقي من كافة مكوناته بين مفقود واسير وشهيد،وادت الى تشتت الملايين الاخرى بين دول العالم .
وبعد ان جمع العالم على امر العراق واتى بجيوشه ،وبعد ان اجريت عملية ازالة المرض الخبيث الذي كان يعتقد العراقيون انه محصور في شخصية صدام حسين وافراد عائلته وحزب البعث ومبادئه، جاءتنا بشائرصباح يوم 9 نيسان 2003 بخبر تحرير العراق .
فظن العراقيون انها بداية جديدة بعد ان تحقق حلم جميع افراد شعبه ومات الكثيرون وهم يتوقون ان يروا نور هذا اليوم ويذوقوا طعم الحرية .
وبعد مخاض من حالة اللااستقرار دامت اكثر من سنتين ، وبعد ان عجزت لجنة صياغة الدستور المُشكلة من انتخابات ناقصة التي جرت في العام الماضي تم تحويل الفقرات المستعصية الى قادة كتل الاحزاب الوطنية والحكومية.
وقضى هؤلاء القادة الايام العشرة (المدة التي حُددت لهم ) في نقاش عسير وطويل في ايجاد حلول البنود المستعصية .
يوم الاثنين الماضي استيقظ الشعب العراقي على فقرات الدستور الذي خيب امال عدد كبير منهم فيها لا سيما التيارات المثقفة والتيارات العلمانية والاقليات القومية والدينية الذين هم السكان الاصليين في وادي الرافدين.
من خلال قراءتنا بين اسطر فقرات هذا الدستور ومن خلال متابعتنا لتصريحات ممثلين عن الكتل الرئيسية المشاركة في الحوار توصلنا الى ما يلي
1 اصبح واضحا ان العراق يعيش في حالة انقسامات يرثى لها،حيث ان صوت الاغلبية طاغي على صوت الاقلية واصبح واضحا ان الدستور اهمل بالاشارة ال الديانة المسيحية التي يتدين بها اكثر من مليون نسمة فقط داخل العراق وبقية الديانات القديمة وكذلك بالاشارة الى القوميات الاصلية بسبب غياب اي طرف منها في الاجتماعات المنعقدة بين قادة الاحزاب الكبيرة ،و اصبح واضحا ايضا ان العراق اليوم هو على شرفة الانقسام اكثر من اي وقت مضى وان هذه الخطوة ( اي وضع دستور بدون استشارة مملثين عن المسيحيين بذات و غياب اي ممثل للاقليات الاخرى في هذه الاجتماعات) هي اشارة واضحة من قبل قادة كتل الاحزاب الكبيرة ومسؤولي الحكومة ان كل واحد منهم كان هناك يتفاوض من اجل مجموعته او حزبه او قوميته وليس من اجل وحدة العراق وشعبه، وكأن المشاركين في هذه الاجتماعات كانوا اجتمعوا من اجل تقسيم الفريسة (او تشريع التقسيم وازالة خارطة العراق من العالم) وليس صيانة وحدتها.
2 ان مواد الدستور لم تشرع من قبل رجال معروفين في القانون كما يبدو من طريقة صياغتها لذلك هناك فقرات متناقضة و اخرى غير واضحة و قابلة للتأويل مما تشكل خطر في المستقبل على المجتمع العراقي باجمعه. والا فكيف يتم ضمان حقوق المراة وحقوق الاطفال وحقوق الانسان حسب مواثيق الامم المتحدة وحماية الطبيعة وحقوق الاقليات من النواحي الاجتماعية والدينية و.الثقافية والسياسية والادارية ...الخ حسب ضوء الشريعة الاسلامية او شرائع الاسلامية؟
3 لا يمكن ان يحدث ذلك الا بشرط واحد، وهو وجود قانونين لدى الحكومة العراقية المرتقبة احدهما اسلامي واخر علماني .وذلك امر يبدو صعب الحصول ،لان حتى في هذه الحالة هناك مشكلة كبيرة ، فمثلا كيف يتم حل نزاع بين المسلم وغير المسلم؟ وحسب اي شريعة يتم الحكم بينهما؟ ام هو تلميح واضح لم يعد لهم مكان في العراق الجديد للعيش، الامر الذي لم يلقوه لا من حاكم قرقوش (زمن الدولة العثمانية) ولا في زمن صدام حسين ، أالى هذا كانوا ينتظرون مدة عشرات السنين؟ اليست هذه صيغة اخرى من صيغ الدكتاتورية؟!
4 يبدوا للالقيات العرقية القديمة ان العراق لم يكن محتل من قبل الان على الرغم من ماسي الماضي وعلى الرغم من الاضطهادات والمذابح والزواج القسري لبناتهم وتطبيق الشريعة الاسلامية عليهم من قبل الحكومات السابقة
بل الان تم أُحتلاله عن طريق عدم وجود ضمان واضح يحمي الشعوب القديمة التي كانت تسكن العراق قبل قدوم العرب والاكراد الى العراق مثل الكلدانيون والاشوريون والسريانيون(الاراميون) واليزيديون والشبك والصابئة وفي القرون الاخيرة الاتراك والارمن وخاصة نحن نعيش حالة اللااطمئنان في منطقة الشرق الاوسط كلها
5 في الحقيقة لم يشارك في هذه الاجتماعات الا اخواننا من ممثلي المذهب الشيعي والسني والقومية الكوردي وان كل فقرات الدستور تمت صياغتها حسب ما يخدمها.
فمثلا الخط الاحمر بالنسبة للاخوة الاكراد كانوا قد اعلنوه قبل اشهر لابل قبل سنين طويلة وهي الفيدرالية وسلطتها المطلقة ومدينة كركوك وقوات البيشمركة والنظام العلماني الذي يبدو انهم قد تنازلوا عنه الامر الذي يشوب عليه كثير من الغموض.
ففي الحقيقة لم يخسر الاخوة الاكراد شيئا بل ربحوا من هذه المفاوضات خاصة في موضوع حق تقرير المصير وامتلاكهم احقية في الثروات المستخرجة من اقليمها بنسبة عالية
اما الاخوة الشيعة فكان همهم الاولى تسلم قيادة الحكومة العراقية على اساس انهم الاغلبية ومن ثم جعل دستور العراق وثيقة مبنية على تعاليم الشريعة الاسلامية وبناء نظام اسلامي على غرار النظام الايراني. وذلك ما حصل بالفعل وما يتشبث به الاحزاب الشيعية لحد الان
اما الاخوة السنة الذين كانوا قد خسروا نفوذهم بسبب رفع شعارات المقاومة ضد الاحتلال واتفاق (بعض الجهات) منهم مع القوى الارهابية القادمة من الخارج او المتشكلة من بقايا النظام السابق واتخاذهم قرار عدم مشاركتهم في الانتخابات مما جعلهم في موقف ضعيف جدا الان ، ولكنهم حضروا في هذه الاجتماعات ويبدوا لحد الان لم يقبلوا بحصتهم من الفريسة
ان الخلاصة النهائية التي يراها كثيرمن المحللين والمثقفين ،هي لم يتفقوا هؤلاء القادة الا على شيء واحد وهو وضع اسباب تستوجب تقسيم العراق ،وان لم تكن اليوم ستكون في الغد او في المستقبل القريب لانه يبدوا واضحا من الحرص الكبير لدى كل مجموعة بدأت تفكر في مصيرها لوحدها دون ربط ذاتها بالشعب العراقي كله وهكذا لن يستبعد ان يجلب هذه الموقف الحرب الاهلية وخلق حالة مستعصية غير توافقية كما يدعون في تصريحاتهم.
ويبدو واضحا لي ايضا لن يكن هناك حلا توافقيا يلوح في افق القريب، وان الشعب العراقي سوف يرفض هذا الدستور لانه غير عادل وغير واضح في كثير من فقراته. والله وحده يعلم ماذا ينتظر الشعب العراقي بعد ذلك.
هكذا لا سامح الله ستكون نهاية الحلم الجميل الذي انتظروه العراقيين لا سيما لاقلياته الدينية والقومية، هكذا مرة اخرى يخوننا القدر لنصبح اشياء جامدة يوزعها الاخرون دون مراعاة مشاعرنا ووجودنا التاريخي وحقوقنا الانسانية.
في النهاية اذا كانت هناك كلمة تقال ،فهي كيف نسى هؤلاء المشرعون بقية مكونات الشعب العراقي وضمان حقوقهم؟ هل بتطبيق الشريعة الاسلامية عليهم بغض النظر عن ديانتهم او عبادتهم هو حلم الذي كانوا ينتظرونه منذ اجيال واجيال؟