شرح لأعجوبة شفاء برتيماوس الأخت حنان إيشوع


المحرر موضوع: شرح لأعجوبة شفاء برتيماوس الأخت حنان إيشوع  (زيارة 272 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل hanan shaba

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2789
    • مشاهدة الملف الشخصي

شرح لأعجوبة شفاء برتيماوس
    يوضح لنا النص الإنجيلي أن برتيماوس كان أعمى وشحاذ، "جالس على جانب الطريق" يستعطي خارج أريحا من جمهور الحجاج الحاجين إلى مدينة أورشليم لقضاء عيد الفصح. إنَّ ذكر مدينة أريحا يُظهر أهمية هذا الموقع للذاهبين إلى قضاء الفصح في المدينة المقدسة فهي تُعتبر كمحطة أساسية للبلوغ إلى أورشليم علماً أنها ذُكرت في بشارة القديسين متى ولوقا.
هذا الأعمى سمع بأن المسيح ماراً بين "جمع كبير" لا بل شعر بحضوره، فآمن بأنه المسيح إذ أخذ يصيح: "يا يسوع يا ابن داود ارحمني". إنها صرخة الإيمان والرجاء لأن المسيح هو القادر على منحه الغفران والخلاص، والنعمة والرحمة. نعم لقد آمن برتيماوس بيسوع جاهراً إيمانه بكل قواه وأنه هو المسيح المنتظر، هو المخلص الوحيد القادر أن يعطيه النّور والبصر. هذا الصياح ما هو إلاّ تسبيقٌ لهتافات الجموع عندما دخل المسيح أورشليم كملكٍ ظافر: "هوشعنا ! تبارك الآتي باسم الرب! تباركت المملكة الآتية مملكة أبينا داود! هوشعنا في العلى (مرقس 11/9-10).
نلاحظ من خلال النص أن الكثير من الناس انتهره لربما لأن ساعة المسيح لم تأتي بعد كما صنع المسيح مع القديس بطرس عندما شهد لمسيحانيته (مرقس 8/30)، أو أن لم يُعجب الناس الأعمى هذا اللقب للمسيح، لقب إبن داود فهو يعني المسيح المنتظر. لكن الأعمى لم يعبأ بالجمع فراح يصرخ ثانيةً ومشدداً في الصياح: "رحماك يا ابن داود". فلقد عرف المسيح في جوهر طبيعته، خلافاً للجمع الكثير الذي كان يرافقه. ولقد انفتح قلبه وعقله على المسيح وآمن بأنه معلّمه وسيّده قادر أن يمنحه البصر والنّور: "رابوني أن أبصر". أما موقف المسيح فكان الإستجابة لهذا الإيمان الحيّ الذي يحمله هذا الأعمى الشحاذ والفقير: "إذهب إيمانك خلّصك" (مرقص 10/25).
لقد آمن الأعمى برتيماوس بالنور الذي يمنحه المسيح: "أنا نور العالم الذي يتبعني لا يمشي في الظلام" (يوحنا 8/12)، وآمن بحقيقة هذا المعلم الإلهي وقوة نور المحبة: ("فيه كانت الحياة وحياته كانت نور الناس ("يوحنا 1/9). إذاً نرى أن الأعمى برتيماوس نال قوة الخلاص، والرحمة الإلهية بفضل ايمانه وبُعد فكره وبساطة حياته. رأى في المسيح الإبن المتجسد، مخلص العالم، المسيح إبن داود ونور العالم.

مغذى هذه الأعجوبة
 هذه الأعجوبة لا يتوقف على شفاء الأعمى فحسب، إنما يرتكز على أهمية إتباع يسوع المسيح إلى أورشليم على مثال الأعمى برتيماوس الذي لم يكتفِي بإعادة يسوع البصر إليه، إنما: "(تبع يسوع في الطريق" (مرقس 10/52). هذا الإتباع ليس عرضياً أو لأغراض مادية، إنما هو الإلتزام الفعلي في مدرسة يسوع، والتتلمُذ له والقبول على مثاله، طريق الألم والجلجلة والموت، ومن ثم القيامة.
هذا هو هدف الإنجيلي مرقس في رواية حدث أعجوبة شفاء الأعمى برتيماوس: يدعونا لنقتدي به والدخول في سرّ آلامه وموته الخلاصية وهو الذي قال: إن ابن الإنسان لم يأتٍ ليُخدم بل ليَخدم جماعة الناس".

ما معنى فقدان النظر؟
العمى الحقيقي ليس من فقد النظر بالعين لأن هذا الأعمى، رغم انه فقد النظر بعينيه، إلا أنّه يبصر بقلبه وعقله وفكره وما قوله ليسوع: "يا ابن الله"، في وسط الجموع، إلا تأكيداً على أنّ قلبه وفكره كانا مستنيرين ومبصرين. العمى الحقيقي إذاً هو العمى الداخلي أي العمى عن الحقيقة الّتي أضحت البشرية بأمس الحاجة لمعرفتها. "يا يسوع ابن الله الحي ارحمني"، فالرحمة البشرية جيّدة ولكن الرحمة البشرية هي عطف وحنان إلى حين أمّا الرحمة الإلهية فهي تُدخل المرء في الرحم الروحي لتلده ثانية معافًى، متمتعاً بمواهب الروح القدس السبع. صوت قلب الأعمى يصرخ في حين أنّ صوت العالم يريد إسكاته. لكنّ إصراره وإيمانه جعلا صوته أعلى من صراخ العالم، فمن هو في العالم وليس من العالم يكون صوته صوت الحق، الصوت المدوّي الّذي لا يقف بوجهه ضجيج الألوف المؤلّفَة. دهش يسوع من إيمان الأعمى فسأله: "ماذا تريد أن أصنع لك؟" كان جواب أعمى العينين: "أن أُبصر... " فالرب هو نور الأنوار وهذا النور هو الوحيد الذي يمكنه أن يعطي الأنوار نورها. النور هو عطيَة السيد لمن يطلبه كما نرى ذلك في نص إنجيل تلميذي عماوس حين تفتّح بصرهما وعرفاه من كسر الخبز.
طلب أن يبصر الطريق ليسير مع الطريق وفي الطريق وبالطريق إلى نهاية الطريق، طريق الحق والحياة لأنه، أي يسوع، هو وحده الطريق والحق والحياة.
في الطريق إلى أورشليم، يدرك كل منا عماه تجاه سرّ يسوع وكل من يتبع خطى المعلِّم دون استعداد يبقى أعمى وكلّ من يجلس ولا يطلب ما يكمِّل وجوده يبقى على طريق الآلام، دون أن يتمكن من مواكبة يسوع إلى القيامة، فالمهم هنا هو أن لا تجعل الظلام عادة لا نسعى بعدها إلى النور .
يسوع يسأل الأعمى ويسألنا: "ماذا تريدون أن أفعل لكم؟" يسوع يمر باستمرار بحياتنا ولكنه يبقى غير مرئي لمن لا يرون فيه معنى لوجودهم وحياتهم، إنه لا يزال يدعو كل واحد إلى الخروج من الظلمة والعالم الفاسد ليسير معه.
الأعمى مُنع من الصراخ ليس لأن صوته مزعج بل ليبق على حاله يعيش تحت رحمة وفضلة هؤلاء. فليس مطلب الفقير أن نعطيه فضلتنا ولكن أن نجعل له حصة في حياتنا.
الشخصيات في هذا النص
برتيماوس (إبن طيما): يوضِح لنا النصّ الانجيلي أن برتيماوس كان متسوّلاً أعمى "جالس على جانب الطريق" يستعطي خارج أريحا، يطلب الحسنة من جمهور الحجاج الذاهبين إلى مدينة أورشليم لِقضاء عيد الفصح. في كُلِّ الشِفاءات لم يُذْكَر إسمِ الشَخصِ المريض:النازِفة، ألابرص، المُخَلَّع. في هذا النص ذُكِرَ إسم ألاعمى. إن ذكر الإسم قد يكون دليلاً على اتّباع هذا الشخص ليسوع ودخوله في الجماعة الكَنَسِيَّة.
الجموع: كما في رواية الإمرأة النازفة، وفي رواية الكسيح في كفرناحوم، وفي رواية زكّا العشّار، يشكّل الجموع حاجزاً بين الانسان الطالِب للشِفاء وبين يسوع المسيح. إنّهم مجموعة تتبع يسوع لأسباب شخصيّة، بدافع من الحشريّة أو طلباً لشفاء. لم يدخلوا حتّى الآن في سرّ هويّة يسوع المسيح، لم يقبلوا حقيقة المسيح المتألّم والمائت.
التلاميذ: إنهم أشخاص تَبِعوا يسوع المسيح، إقتَنَعوا بمنطِقِه انّما لا يزالون على الحياد وغير مُدرِكين ماذا يَحدُث. إنّهم أشخاص في مسيرة تعلّم، أحياناً يفكّرون مثل الجموع، يريدون من يسوع تلبية رغباتهم، كما في النّص السابق لرواية الشفاء هذه حين يطلب ابنا زبدى من يسوع إجلاسهما عن يمينه وعن يساره في مجده (مر 10، 35-36)، وأحياناً أخرى كانوا يتجادلون في من هو الأعظم بينهم (مر 9، 33-37).

الاماكن
أريحا: تَقَع هذه المدينة في شرق الاراضي المُقَدَّسة على حدود الأردن وهي بالتالي ليست قريبة من أورشليم. لدينا هنا نَقْلَة جُغرافِيَّة. لا نَعرِف حتى الان ما الرابِط بين المِنطقتين انما سنجِد هذا الرابِط من خلال الآية الاخيرة في هذا النص:"وتَبِعَ يسوع في الطريق". هذه الطريق لم تَكُن قصيرة أو سهلة انما كانت طويلة. هي ليست فقط الطريق الجُغرافيَّة التي تربط أريحا بأورشليم إنما هي خاصًّةً الطريق الروحية، طريق التتلمذ ليسوع المسيح. أورشليم هي نقطة الوصول، هي مكان الألم والموت، مكان تمجيد يسوع على الصليب. لدى دخول يسوع اليها أعلنته الجموع مخلّصها وابن داود المُنتَظر، وأمام بيلاطس صرخوا ضدّه ليُصلب. إن أورشليم هي غاية المسيرة ومكان إتّمام فصح العبور من أرض الخطيئة الى أرض الميعاد، عبور يتمّ بدم يسوع المسيح المعلّق فوق الصليب. هذا النص يسبق دخول يسوع الى أورشليم، كتتميم لنبوءات العهد القديم في شخص يسوع المسيح.
جانب الطريق: ليست مُجَرَّد المكان الجُغرافي انما أيضًا الروحي . para tyn hodon عبارة نَجِدها ايضاً في مثل الزارع، حيث تسقط البذار على جانب الطريق وتبقى عقيمة. البِذار المُلقاة إلى جانِبِ الطريق بَقيت خارِج سِرّ يسوع المسيح، بَقِيت para وبالتالي لا يُمكِن أن تَلتَقي مع يسوع المسيح. في هذا النَصّ إِنتَقَلَ الاعمى من قارِعَة الطريق إلى إِتِّباع يسوع. لقد كان الأعمى على هامش الوجود. إنه شخص فاقِد للمركز الاجتماعي وللهوية والمُستقبل.
جالِسًا: كان جالِسًا لِمُدَّةٍ طويلة وكان بقي جالساً هناك لولا مرور يسوع في حياته. نوعية الفعل اليونانيّ تَدُلّ على الجمود والثَبَات وهذا قبلَ أن يَلتَقي بيسوع المسيح. بعد وصول يسوع المسيح تَغَيَّرت نوعِيَّة الافعال: "ألقَى رِداءَهُ وقام وجاء" هناك إنتِقال مِن حالَة الجُمود الذي كان يَعيش فيه الاعمى إلى حالة الحَرَكة، إنتِقال من حالة الانسان المُهَمَّش إلى حالَة الانسان الذي وَجَدَ هَوِيَّتَهُ، وَجَدَ الطريق الذي يجِب أن يَسْلُكَها وهي طريق يسوع المسيح. هذا النَصّ هو نَصّ رابِط بين مرحلة ومرحلة أُخرى أو بين قِسم من الانجيل وقِسم آخَر أو يُسَمَّى أيضًا النص الجِسر. يُمَهِّد مرقس من خلال هذا النص للاحداث التي سَتَتِمّ لاحِقًا بطريقة رَمْزِيَّة، من هنا الاختلاف بين هذه المُعْجِزة وسَائِرِ المُعجِزات. في هذه المُعْجِزة نَجِد إنتقال من العَمَى إلى الرؤيا تَحقيقًا لِنُبُوءة أشِعيا ("في تلك الايام عندما يأتي المسيح العُميُ يُبصِرون والاعرج يَقفِزُ كالأيِّل). رَمَى رِداءَه: الرِداء لدى الشَحاذ هو كُلّ ما يَمْلِكُ، ليس فقط من الناحية الماديّة انما أيضا من ناحية المَقَام والمَركَز الاجتِماعي. الرِداء يُظهِر مَقام الانسان ويُظهِر أن لديه هوية رغم فَقرِه. بتركه ردائه، ترك الأعمى كلّ شيء في سبيل إتّباع يسوع المسيح. وفي الحادِثة التي تلي شِفاءِ الاعمى، أي رواية دخول يسوع الى أورشليم, نجد العمل ذاته يتكرّر: رمى الناس رِداءَهم على الطريق أمام يسوع. صَرَخَ الاعمى يا ابن داود ارحمني وصَرَخَ الشعب مُبارك المسيح ابن داود، هوشعنا يا رَبّ خَلِّصْنا.
وتَبِعَ يسوع في الطريق: السير خلف يعني التتلمذ، سارَ الأعمى البصير خَلفَ يسوع في الطريق، تماماً كما فعل بطرس حين وجّه يسوع الدعوة نفسها اليه: قال له سِرْ خَلْفي. لقد صار الأعمى المشفيّ تلميذاً وبدأ يسير على الطريق التي سبقة بطرس في خطّها. هذه الطريق هي طريق اعتناق مَنْطِق يسوع المسيح والتَتَلْمُذ له والانطِلاق نحو أورَشليم إلى الموت والقِيامة، إنها دَعوة التلميذ المسيحي أن يسير خَلفَ يسوع المسيح نحو الموت والقيامة. هذا الانجيل كُتِبَ إلى جَماعة روما المُتَأَلِّمَة من الاضطهاد، وكان الكثير منهم يَجحدون الإيمان بسبب الاضطِهاد وخوفًا من الموت. وهنا يُعلِن مرقس لكنيسة روما أن التلميذ الحقيقي هو الذي يَختار السير وراء يسوع المسيح وصولاً إلى الموت.
الخاتمة
الإيمان هو صرخة تنطلق نحو شخص لا نراه، إنّما نعلم أنّه موجود وأنّه قادر على تغيير واقع حياتنا. الأعمى لم ير يسوع بنور العين الجسديّة، إنّما آمن به، وبدافع من رجائه العميق وثقته بقدرة الرّب صرخ له: إريد أن أبصر. هي حقيقة إيماننا، لا ننطلق من المعاينة لنفهم، بل نؤمن بإله سمعنا عنه كما سمع ذاك الأعمى عن قدرته، نعلم أنّه يدعونا فنثب وراءه، نسمع صوته، نعلنه مخلّصاً، فنبصر. مسيرة الإيمان تنطلق من دوماً من عدم المعاينة الى المعاينة، فلو كنّا نبصر ما نؤمن به لما كان إيماناً، لأضحى ضمانة ملموسة وحسيّة. لا يمكننا أن نفتّش عن الضمانات الحسيّة الملموسة لإيماننا، بل نثق ونؤمن، وعندها نبصر، لا بعين الجسد أو العقل، إنّما بواسطة الحبّ الّذي يبادلنا إياه الرّب. نلمس عمله في حياتنا، نختبر حضوره معنا، ينتشلنا مروره من هامش عبثية الحياة ليضعنا في صميم العلاقة الإلهيّة، يصبح لوجودنا معنى بدخولنا في علاقة مع السيّد.
والعوائق التي كادت تمنع الأعمى من الوصول الى يسوع هي نفسها تمنعنا من التعرّف الى يسوع يمرّ في حياتنا ويدعونا للسير وراءه على طريق أورشليم نحو الجلجلة والقيامة. لقد أخذ الجمع ينتهره ليسكت، وينتهرنا عالم اليوم لنسكت نحن أيضاً، يخنق منطق العصر فينا الرجاء، يغلقنا على منطق العنف والقوّة والحرب، أو على منطق المادّة والإستهلاك، أو على السعي الى لذّة عابرة تنتهي فنبدأ بالتفتيش عن أخرى. العالم ينتهرنا لأن منطق الإيمان هو لا منطق بالنسبة إليه. الإيمان هو منطق الضعفاء والحمقى، أمّا الأقوياء بأفكار قلوبهم فيفتّشون عن ضمانات حسيّة. والعائق الآخر كان يمكن أن يكون الثوب الّذي كان يملكه، مُلكه الأوحد. لو تعلّق به لكان خسر يسوع، لو خاف من خسارة من يملك لكان مرّ يسوع وعبر، لو خاف من فقدان المكان على قارعة الطريق أو من رمي الثوب والركض خلف يسوع، لما كان قد شُفي. هي عوائق إيماننا نحن أيضاً: كم يخيفنا منطق الترك والتغيير؟ كم نرغب بالثبات ولو كان هذا الثبات لا يلذّ لنا. دعوة الإيمان هي الترك والإنطلاق خلف يسوع. ترك أفكارنا الخاطئة، أو عاداتنا السيئة، أو خطايانا اليوميّة، أو منطقنا المغلوط. ترك كبريائنا أو حسدنا أو حقدنا أو كسلنا. اتّباع المسيح يستلزم كياناً قادراً على الوثب كما وثب ذلك الأعمى، كياناً غير خائف من التغيير، فإن لم نتخلَّ عن ثقل ما نملك، لا يمكننا التتلمذ ليسوع.
لقد أجاب يسوع على صراخ الأعمى فناداه. إن ديناميّة الإيمان تنطلق من نعمة الرّب، من مروره في حياتنا، هو دوماً صاحب المبادرة، مبادرةٌ تبقى عقيمة إن لم يقبلها الإنسان ويستجيب لها. مرور يسوع يجعلنا "ننهض"، نقوم من رتابة واقعنا، ننهض من تحت أثقال حياتنا، صوته يجعلنا نقلب معادلات حياتنا، نتحوّل من أعمى القى بذاته على هامش طريق الحياة الى كائن واثب وثبة الإيمان، كائن شجاع يترك كلّ ما يملك ليتبع يسوع، ليتتلمذ له. الجموع التي كانت تنهره ليصرخ قد بدّلت منطقها أيضاً، صارت صوتَ يسوع نفسه، تحوّلت بفضل الرّب من حاجز أمام الأعمى الى وسيلة تساعده للوصول الى السيّد: "تشجّع وقم فهو يدعوك"، السبب الأوّل هو دعوة الرّب، دعوة تحتاج لشجاعة في سبيل إتمامها، شجاعة في المغامرة، فيسوع لا يعطي ضمانات ملموسة، يطلب ثقة الصداقة، يطلب حريّة القلب وشجاعة الحبّ. عندها فقط يمكن لكياننا أن يقوم ويتتلمذ، ودون الشجاعة يبقى كياننا ميتاً كجثة تتخبّط في بحر حياة دون هدف ودون رجاء.
الإيمان هو لقاء خاصّ بيسوع المسيح، لم يعد مجرّد سماع عنه، بل هو اكتساب للرؤية من أجل معاينة الرّب وجهاً لوجه: النعمة الحقيقيّة ليست اكتساب النظر، بل هي رؤية يسوع، اكتساب النظر ما هو الاّ وسيلة، والنعمة الحقيقيّة هي رؤية يسوع الّذي سمعنا عنه كثيراً من الآخرين. اكتساب النظر هو الإيمان، هو النظر في عينيّ يسوع المسيح دون خجل. ما تمّ مع الأعمى هنا ما هو إلاّ استباق بسيط لما هو مدعوّ اليه في علاقة أبديّة لا تنتهي.