♣ هل الله ظهر في الجسد ؟ ♣


المحرر موضوع: ♣ هل الله ظهر في الجسد ؟ ♣  (زيارة 367 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل النوهدري

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 11100
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
هل الله ظهر في الجسد ؟
بقلم اسكندر جديد :
السؤال الأول :
ما معني قولكم إن يسوع هو الله ظهر في الجسد ، وإن كان هذا هو اعتقادكم فما حمله على التجسُّد ؟
ف . ك . طرابلس – لبنان
( 1 ) إن أول شيء تعلنه لنا الحقيقة أن النفس البشرية لا تستطيع من ذاتها بلوغ الكمال
الذي تنشده لأن ناموس الخطية لها بالمرصاد . وقد كشف الرسول لنا هذه الحقيقة ،
إذ قال : " إن الإرادة حاضرة عندي ، وأما أن أفعل الحسني فلست أجد . لأني لست أفعل الصالح
الذي أُريده ، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل . فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا ، بل الخطية الساكنة في . إذا أجد الناموس لي حينما أريد الحسنى أن الشر حاضر عندى . فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن . ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي "
( رومية 7: 18-23 ) .
( 2 ) فكلمة الرسول هنا تقدم لنا وصفا للصراع  القائم في نفس الإنسان بين النعمة والفساد . بيّن ناموس الله الذي يسر به الإنسان ويريد أن يعمل بموجبه ، وبين ناموس الخطية ،
التي تجذب الإنسان وتسبيه ، وتحمله على صنع ما لا يريد . ولكن الرسول الكريم إذ شاء التحرر
من ناموس الخطية والموت أطلق صرخته الداوية نحو السماء : " ويحي أنا الإنسان الشقي !
من ينقذني من جسد هذا الموت ؟ "
( رومية 7: 24 ) .
حينئذ تراءى له المنقذ في شخص الكلمة المتجسد فتهلل قائلا :
" أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ! "
( رومية 7: 25 ) .
وهذا السر تكشف قبلا لرجل الله أيوب ، حين عجت عليه المصائب والآلام ، غمرا ينادي غمرا .
ومن قلب حاجته إلى وسيط بينه وبين الله قال
في شكواه : " ليس بيننا مُصالح يضع يده
على كلينا ! ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه . إذا أتكلم ولا أخافه . لأنى لست هكذا عند نفسي"
( أيوب 9: 33- 35 ) .
فتجسد الأقنوم الثاني لله ، كان إذا حاجة الإنسان الملحة ، ليفتديه ويرجعه إلى إلهه
ويصالحه معه.
( 3 ) كل إنسان يعرف من اختباره الشخصي
أن الأميال الفاسدة ساكنة في جسده ، وهو للأسف يطاوعها ، وإننا لنذكر القول الرسولي : " الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله "
( رومية 3: 23) .
" إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا
وليس الحق فينا "
( 1 يوحنا 1: 8 ) .
وفي الإسلام إقرار بهذه الحقيقة ، كقول القرآن : " ولو يؤاخذ الله الناس بظُلمهم ما ترك عليها من دابة "
( سورة النحل 16: 61 ) .
ومن هنا يتضح لنا تاريخيا ، علاوة على ظهورة فكريا أن الإنسان الطبيعي لايمكن
أن يبلغ قمة قواه الروحية ، حتى يتحد ويقاد بما هو أسمي وأرقي من الإنسان .
( 4 ) إلى هنا كان البحث محصورا في توضيح
ضعف الإنسان ، وعجزه عن السمو إلى الصورة
التي كانت لآدم قبل السقوط . ولكن الوقوف
عند هذا الحد معناه الخيبة . ونحن لا نستطيع
أن نتصور أن خيبة مثل هذه ، هي من مقاصد الله القادر على كل شيء . كلا !
فالرب صالح وإلى الأبد رحمته . وهو في صلاحه
لا يترك الإنسان المخلوق على صورته في حال سيئة كهذه ، تؤدي به إلى الهلاك . فإذ قد عجز الإنسان عن إكمال مقصد الله ،
فالله سيقيض له كائنا آخر يكمله . فمن هو ؟
هو كائن من المخلوقات بالغ كمال القداسة ؟
أم هو الله نفسه ؟
( 5 ) لنحرص على التمسك بالأمور الراهنة الأكيدة ، ولا نحاول التعلل بنظرياتنا ،
حتى ولو كانت مؤسسة على قواعد لها جذور
في بعض الأديان . لأن الاستسلام لها يفضي
لا محالة إلى الزيغ عن محجة الصواب .
ولنذكر هذه الحقيقة أنه ليس من دين ينكر
أنه في الإنسان ميل ، لأن يكون له اتصال مباشر بالله . فإلى الله يصلي الناس ، ومنه يطلبون
العون والهدى . وهو فعلا يعين ويهدي أقدام المؤمنين في طريق السلام . والأعظم من هذا أننا ندرك جميعا أن الغرض من الأشياء الرمزية التي يطلق عليها اسم الأمور الغامضة ، إنما هو ارتباط النفس التام بالله . هكذا قال رجل الله العلامة أغسطينوس في صلاته : أيها الرب .
لقد خلقتنا لنفسك . فلا تطمئن نفوسنا ،
إلا بالاستراحة في ظلك الإلهي .
إذن لا سبيل للظن أن بين الله والإنسان وسيطا مخلوقا ، حتى ولو كانت طبيعته فوق الطبيعة البشرية . فالأدلة متوافرة على ما هو نقيض ذلك . إذن إن كان لا بد من بلوغ الخليقة إلى ذلك الكمال ، الذي قصده الله لها ، وكان لا بد من افتداء الإنسان ، تحتم أن يكون هذا كله بعمل الله نفسه . له الحمد والمجد إلى الأبد .
ولإتمام هذا القصد اقتضى أن يكون في اللاهوت أقانيم ، ليتم التجسد في اختيار أقنوم منها
دون غيره . هكذا صارت المسرة الإلهية ، أن يفتدي الرب جنسنا الذي سقط في الخطية
وليس له رجاء ولا معين غير الله متجسدا .
لأنه وحده قادر على ما يقتضيه الخلاص .
فلوازم التجسد هي باعتبار الله أن يتخذ جسدا بواسطة أقنوم من الأقانيم .
هنا لست في معرض الرد على السؤال القائل : أما كان في وسع الله أن يخلص الساقطين
من غير تجسد ؟ إلا أنني أؤكد بالاستناد على
كلام الله أن التجسد طريق موافق ولائق ، وفي غاية المناسبة ، وفريد في الحكمة لأجل إتمام المقصود  وإن حدوث التجسد يرجح غاية الترجيح ، إن ذلك ضروري لإتمام قصد الله بكماله في عمل الفداء . وإن حال البشر الساقطين ، تطلب ذلك وتحتاج إليه .
( 6 ) وهناك حقيقة يجب أن أذكرها وهي أن الله له المجد إذا شاء أن يبلغ بالخليقة أوج العلي
بأن يضمها إلى نفسه بواسطة ما ، فإنه يعمل ذلك لا بأمر إلهي خارجي على سبيل كن فكان .
بل بحلوله في أسمي درجات خليقته ، أو بعبارة أخرى ، بظهورة نفسه في صورة إنسان كامل .
( 7 ) حين نتأمل التعليم الخاص بالفداء ،
كما جاء في الأسفار المقدسة ، نرى أن
الوسيط بين الله والناس يجب أن تتوافر
فيه الصفات التالية :
أ‌ - أن يكون إنسانا ، والرسول أوضح أن سبب اتخاذ الأقنوم الثاني لله ، طبيعة البشر لا طبيعة الملائكة ، هو أنه أتي ليفدينا ، فكان ضروريا أن يولد تحت الناموس ، الذي خالفناه لكي يكمل
كل بر ، وأن يتألم ويموت ذبيحة ، لكي يكفر
عن خطايانا . وأن يشترك في حياتنا البشرية ، لكي يشعر بضعفاتنا
( عبرانيين 2: 14 ) .
ب‌ - أن يكون بدون خطية . فإن الذبيحة التي كانت تقدم على المذبح ، كان يجب حسب الناموس أن تكون بلا عيب . بمعني أنه من المستحيل أن يكون المخلص من الخطية خاطئا ، لأنه لا يقدر
أن يصل إلى الله . ولا يمكن أن يكون مصدرا للقداسة والحياة الأبدية لشعبه ، إن لم يكن
هو بارا قدوسا . ولذلك وجب أن يكون رئيس كهنتنا قدوسا ، بلا شر ولا دنس ومنفصلا
عن الخطية
(عبرانيين 7: 26 ) .
ج - أن يكون إلها ، لأنه لا يقدر أن ينزع الخطية ، إلا دم من هو أعظم من مجرد مخلوق . والمسيح في حال كونه إلها ، بتقديم نفسه مرة واحدة ذبيحة . أكمل إلى الأبد المقدسين
( عبرانيين 7: 27، 9: 26 ) .
وكذلك لا يقدر إلا شخص إلهي أن يبيد سلطان الشيطان ، وينقذ الذين قد سباهم ، ولا يقدر على إتمام عمل الفداء العظيم ، إلا من هو قادر على إتمام عمل الفداء العظيم ، إلا من هو قادر على كل شيء ، وله حكمة ومعرفة غير محدودتين ، ليكون رئيس كنيسته وديّانا للجميع . ولا يقدر أن يكون مصدر الحياة الروحية لجميع المفديين 
إلا من حل فيه كل ملء اللاهوت جسدا .
( 8 ) فجميع هذه الصفات التي نص الكتاب المقدس على ضروريتها ، لتأهيل الوسيط للقيام بالوساطة بين الله والناس ، قد اجتمعت في المسيح ، حسب مقتضى العمل الذي جاء لإتمامه .
ونتج من ثبوت تلك الصفات للمسيح ، أن وساطته التي تشمل كل ما فعل وكل ما زال يفعل لخلاص البشر ، هي عمل شخص إلهي . فجميع أعمال المسيح وآلامه في إجراء وساطته ، كانت أعمال وآلام شخص إلهي . فالذي صلب هو رب المجد ، والذي سكب نفسه للموت هو الأقنوم الثاني لله .
البيّنة التاريخية :
( 9 ) إذا التفتنا إلى التاريخ ، علمنا منه أنه عاش على هذه الأرض إنسان ،
كانت حياته مظهرا جليا تاما للعنصرين ، اللذين يتألف منهما صلاح البشر الكامل .
وهما الارتباط الدائم بالله والمحبة المنقطعة النظير لبني جنسه . لقد جال يعظ ويبشر ،
ويصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس .
وأطلع الناس على رأي جديد في الله قائلا أنه عز وجل يهتم بكل إنسان على حدة ،
كما يهتم الأب بأولاده ، وأن الله يستقبل كل خاطئ تائب مرحبا به كما يرحب الأب بابن تائه ضال عائد إلى أحضانه .
( 10 ) و ( 11) وعلاوة على ما أبداه من تعاليم المحبة وأعمال الرحمة ، دعا إليه جماعة من التلاميذ ليقيموا معه ويتعلموا كلمات فمه وقوة مثاله . فكانوا يوما بعد يوم ، يزدادون نموا
في معرفتهم له وتعمقا في الوقوف على كنه أفكاره ، وتضلعا من فهم معني أمثاله الخفية . فارتشفوا من زلال روحه ، وتعلموا ثقته وشاركوه في اتصاله بالله . ولكن العالم الشرير اضطرب خوفا منه . وأولئك الذين أغمضوا عيونهم عن الحق ، واتكلوا على برهم الذاتي . ثاروا عليه وساقوه إلى المحاكمة ، واتهموه بالتجديف وكسر الناموس ، وتمكنوا من إصدار الحكم عليه بالموت فماذا فعل ؟ أبي الدفاع عن نفسه ، على شدة ثقته بأ،ه لم يكن عليه سوى إصدار أمره فيأتي اثنا عشر جيشا من الملائكة لإبادة أعدائه . ولكنه لم يشأ أن يستعمل شيئا مما كان لديه
من وسائل النجاة . ولكي يعلن جليا معني المحبة – محبة الله – أسلم نفسه إلى النهاية .
ولكي يرسخ في عقول الناس شدة هول الخطية
وفرط فظاعتها في عيني الله ،
أذن لها في تعذيب إنسانه الكامل ، زهرة الإنسانية نفسها ، المنزه عن كل عيب . ولكي يغلب الشر ، تحمل كل غاراته وغزواته حتى الموت ، لكي يشارك الإنسان في جميع منازعاته ويمهد له سبيل الغلبة والظفر . وهكذا انتصر .
( 12 ) ففي اليوم الثالث قام . وكان قد قال " لأني أضع نفسي لآخذها أيضا . ليس أحد يأخذها مني ، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضا "
( يوحنا 10: 17و 18) .
وهكذا فعل . فكمل العمل وتم الإعلان الإلهي ،
إذ بذلت المحبة إلى أقصى درجة منها ، وقوة الشر على أشدها كوفحت وغلبت . وتمت نصرة الخير على الشر .
( 13 ) وماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة
في تلاميذه ، الذين عرفوه حق المعرفة ،
اقتناعا تأصل ونما في أثناء معاشرتهم له . لكنه أزهر عندما ظهر لهم بعد قيامته ،
أنه لم يكن إنسانا ولا كائنا أرقي درجة
من الإنسان فقط ، بل رأوا فيه صفة الله نفسه .
وأنه ادعى أمورا من التجديف أن يدعيها أحد غير الله . وقد ثبت كل ما ادعاه ثبوتا حقيقيا .
وأنه مستحق سجودهم له ، وأنه بالحقيقة كان
الله عائشا عيشة إنسان ، وفي الوقت نفسه يسود الكون من على عرشه في السماء .
( 14 ) وهذا الاختبار لم ينحصر في تلاميذ الرب يسوع ، الذين اتصلوا به مباشرة ، بل شاع وانتشر على قدم السرعة بين كثيرين غيرهم .
لأن التلاميذ بشروا به ، مؤيدين بقوة روحه ،
الذي أرسله ليقوم مقامه . ثم إن الاقتناع بأن يسوع الناصري ، كان إلها وإنسانا معا ، لم ينته بموت الذين عرفوه في الجسد ، ولماذا ؟
لأنه لم يبن على بدعة دينية ، ولا على كرازة
أو تعليم ، بل على اختبار شخصي شعر به المسيحيون في كل العصور ، وعلى اقتناع تام بأن يسوع لا يزال حيا ، ولا ينفك يرتبط ارتباطا شخصيا بجميع الذين يطلبونه . وهذا الارتباط
لا يقف حاجزا بينهم وبين الله بل هو بالحقيقة ارتباط بالله نفسه .
( 15 ) وهذا الأقنوم ، يسوع المسيح ليس كائنا جامدا غير كامل ، بل هو اليوم مالئ العالم كله – هنا وهنالك ، في كل مكان وجهة ، يضع يده على الإنسان . ويقول له " اتبعني " فيخاف الإنسان ويجيبه : إن خدمتك يا سيدي صعبة المراس ، وثقيلة الحمل ، فلا أستطيعها .
لا أقدر أن أقتفي خطواتك ، دعني وشأني يا سيد  لأني إنسان خاطئ . فيقول الرب يسوع : استود
عني حياتك اجعلها في حفظي . اتكل علي وآمن
بي . " تكفيك نعمتي " فيلبي الإنسان دعوته ويصير من أتباعه . واليوم ما زال يسوع في الطريق وينادي : تعلوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم . التفتوا إلي واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض . ويسمع النداء كثيرون ويقبلون إليه منجذبين بنعمة شخصيته الإلهية . واليوم هو معروف في إفريقيا السوداء . حيث ينضم الناس أفواجا إلى جماعته ، ويجدون النجاة من سلطة الأرواح الشريرة وسطوة السحرة والعرافين . وفي كل أمة وشعب وطبقة أناس غيّرهم يسوع . وهم يحيون حياة تختلف عما كانت عليه قبلا ، حياة بدأت بالإثم وشهوة الجسد وتعظم المعيشة ، والآن يعيشون كما يحق لإنجيله ، في البر وقداسة الحق . وإذا سألتهم عن منشأ هذا التغيير العظيم فيهم ، أجابوك : هذا كله حصل بفضل معرفة يسوع المسيح ربنا .
إذن في استطاعتنا القول بملء الثقة إن حياة يسوع الناصري ، توّجت عمل الله في الخليقة
وبلغت به أوج السمو والكمال . وفيه وصل هذا العمق إلى درجة الإتقان التام . وبه بلغت الحياة والروح قصد الله ، وبه أيضا تأصل كل الذين قبلوه في المحبة ، وامتلأوا إلى كل ملء الله . وبتعبير آخر أن النفس البشرية المؤمنة به صارت إلى غاية وجودها العظمي ، التي هي الاتحاد بالله نفسه ورفع الخليقة إلى الله خالقها 
( 16 ) هذا هو حكم التاريخ وقراره . ولكن
من حيث يسوع المسيح ، لا يراد بالإنسان الكامل مجرد خلاصة الكون ، ومرآة الجوهر الإلهي ، والصلة بين الله وخليقته فقط . بل إنما هو الإنسان الكامل ، لأنه في الوقت نفسه الإله الكامل ، لأنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا
( كولوسي 2: 9 ) .
ولأنه ليس حلقة الاتصال ، بل هو اتحاد حقيقي . وليس مرآة الجوهر الإلهي ، يتألق ساطعا بواسطة
حياة إنسانية . بل " هو بهاء مجده ، ورسم جوهره ، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته "
(عبرانيين 1: 3 ) .
هو " الكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله . كل شيء به كان ، وبغيره لم يكن شيء مما كان "
( يوحنا 1: 1-3 ) .
فهو والحالة هذه مستحق أن يأخذ القوة
والغني والحكمة والقدرة والكرامة
والمجد والبركة ، آمين .
السؤال الثاني :
من المعلوم أن الله في غني عن العالم والساكنين فيه . إن كل صلة له مع الخلائق تجعله تعالي
في حيز الزمان والمكان وبالتالي تنسب إليه المفعولية وهذا كفر . ثم هذا التجسد الذي تعتقد به المسيحية ، ألا تعني انتقال جزء من الله إلى جسد المسيح ؟ .
( 17 ) رويدك أيها الصديق الكريم ، فالإسلام الذي تدين به يجعل الله في حيز الاتصال مع مخلوقاته وضمن الزمان والمكان . فأنت تؤمن بأن الله بعث برسول إلى الناس . وهذا معناه إقامة صلة مع مخلوقاته ، فقد جاء في القرآن : " إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا "
( سورة المزمل 73: 15و16 ) .
والأكثر من هذا أن القرآن يحرض الإنسان على إقامة صلة مع الله خالقه ، وأن يحب ذلك بدليل قوله : " فإذا عزمت فتوكل على الله
إن الله يُحب المتوكلين "
( سورة آل عمران 3: 159 ) .
قد تقول إن هذه التعبيرات الكلامية هي من
قبيل المجاز . ولكن هذا اجتهاد على النص ،
ولا يمكنه أن يثبت أمام الحقيقة . لأن حوادث كثيرة من هذا النوع ، ذكرت فيها أسماء
أشخاص قاموا بأعمال بناء على أمر الله كما في قول القرآن : " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ، قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله
ما لا تعلمون "
( سورة الأعراف 7: 59-62 ) .
فهذه الآيات لا يمكن أخذها مأخذ المجاز .
لأن فيها إشارة إلى حوادث معينة .
( 18 ) وماذا تقول عن الحديث النبوي الخاص بالصلوات التي فرضت على المسلمين .
فقد حدث ابن اسحاق عن ابن مسعود عن رسول الله أنه قال في قصته عن ليلة المعراج :
إن جبريل انتهى بي إلى ربي ، ففرض علي خمسين صلاة كل يوم ، فأقبلت راجعا فلما مررت بموسى
بن عمران ونعم الصاحب كان لكم ، سألني كم فرض عليك من الصلاة ، فقلت : خمسين صلاة كل يوم . فقال : إن الصلاة ثقيلة ، وأن أمتك ضعيفة فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي ،
فوضع عني عشرا . ثم انصرفت فمررت على موسى ، فقال لي مثل ذلك فرجعت فسألته فوضع عني عشرا  ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك كلما رجعت إليه قائلا ، ارجع فاسأل ربك ، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة .
ثم رجعت إلى موسى ، فقال لي مثل ذلك ، فقلت قد راجعت ربي وسألته حتى استحييت منه ، فما أنا بفاعل . فمن أداهن منكم إيمانا بهن واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة
( سيرة النبي لابن هشام 3: 276 ) .
( 19 ) فهذا الحديث أضعه أمامك لتقرر ع
لى ضوئه إن كان لله صلات مع مخلوقاته وأن لهذه المخلوقات علاقة بالله . واستطرادا أقول لك بمحبة : إن كنت تتمسك بعقيدة التنزيه المطلق  تكون قد آمنت بإله لا تعرف عنه شيئا ،
وبالتالي أنت منفصل عنه كل الانفصال .
وفي هذه الحالة تكون ضمنا قد أنكرت النبوة والقرآن . لأن النبي لا يصح أن يسمي نبيا
إن لم يوح إليه ويرسل ، وبذلك يقيم
صلة بين الله والمخلوق .
( 20 ) وجاء في الحديث أن ربنا تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء حيث يبقي ثلث الليل الأخير يقول : من يدعوني فاستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، ومن يستغفرني فأغفر له
( صحيح البخاري 4: 68 ) .
فما هذا النزول كل ليلة إلى السماء الدنيا
عند ثلث الليل الأخير ، فهل يتحدد بالنزول
في زمان ومكان ؟ وهل يفرق هذا عن نزوله
من سماء المجد إلى بيت لحم متجسدا في
زمان ومكان ؟
في اعتقادي أن التنزيه المطلق الذي يقول بانفصال الله عن الكائنات ، يجعله تعالى إلها منعزلا ، وبالتالي يفضي إلى التعطيل في الأمور الروحية ، لأن الإنسان لا يمكن توبته وتجديده في معزل عن الله . وقد عرف بالاختبار أن كل مجهود
ات الإنسان الذاتية لرفع نفسه من حال الخطية إلى حال القبر ، لا تجديه فتيلا إن لم تكن له صلة بالله . قال المسيح في عظته على الجبل :
" ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على
قامته ذراعا واحدة ؟ "
( متى 6: 27 ) .
وبالنتيجة ، نرى أن التنزيه المطلق هو الذي أعاق الكثيرين عن قبول فكر التجسد ، وبذلك حرموا أنفسهم من فوائد الفداء . إلا
أن هؤلاء في رفضهم تعليم التجسد يقدمون
عدة اعتراضات منها :
( 21 ) يقولون إن تجسد الله يحتم عليه تغييرا في جوهرة الإلهي في زمان ومكان معين ،
لكأنهم يقيسون الله بمقاييس العقول القاصرة ، وبالتالي ينسبون وبطريق غير مباشر العجز لله ،
وعدم قدرته على التجسد والظهور دون حدوث تغيير في جوهره . والحق أن التجسد لا يحتم حدوث تغيير في الطبيعة الإلهية . ودليلنا على ذلك أن الأقنوم الثاني لله ، لما اتحد بالطبيعة البشرية لم يفقد ألوهيته . بل بقي ذلك الرب القدير ، الذي يقيم الأموات ويشفي الأكمه والأبرص ، ويغفر الخطايا ، وينتهر العواصف والأمواج فتهدأ .
وقد أخبرنا الإنجيل أنه ظهر في الجسد بطريقة غير اعتيادية . لأنه هو خالق الأجساد والطبائع ، ولا يصعب عليه الاتحاد بها . وكل اعتقاد يخالف هذه الحقيقية ، هو بمثابة إقرار بأن خالق الأجساد والطبائع ليس هو الله بل أحد غيره 
( 22 ) من المعروف بالاختبار إن الإنسان الحكيم العاقل يقدر أن يوفق نفسه مع البيئة
والظروف التي يعيش فيها ، فكم بالحري الله الحكيم جدا والقادر على كل شيء ، يقدر
أن يتجسد دون أن يعتريه تغيير أو تبديل
في جوهره ؟  لاحظ أن الشمس ترسل أشعتها ودفئها إلى الأرض وتتحد بالكائنات وتكسبها حياة وتنميها ، دون أن يعتري الشمس أي تغيير في تركيبها . فهل يعقل أن يكون للشمس قوة الاتحاد
مع العناصر الأخرى وأن تفعل فيها دون أن يطرأ عليها تغيير ، ولا تكون هذه القوة لله خالق الشمس وخالق العناصر؟ أنت تعتقد بأن الله خلق الإنسان الأول من صلصال كالفخار
( سورة الرحمن 55: 14 ) .
وهذا يعني أن الله قد وقف عند حد الزمان والمكان ، لأنه أمسك بيده طينا من بقعة محدودة
وكون الإنسان منه في زمان محدود . فإن قلت أن وقوفه عند مكان وزمان محدودين ، لا يجعله محدودا لأنه قادر على كل شيء ، قلت لك :
وكذلك تجسده في زمان معين وحيز معين لا يجعله محدودا ، لأنه قادر على كل شيء . هكذا
قال المسيح : " غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله "
( لوقا 18: 27 ) .
( 23 ) جاء في الحديث عن محمد أنه قال :
إن المؤمنين حين يتشفعون ربهم يوم القيامة .
يأتون إلي . فأنطلق فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي . فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا
( صحيح البخاري 4: 18 ) .
من هنا ينطلق سؤال : كيف يتهم المسيحي بالكفر عندما يقول إن الله ظهر في الجسد ، ولا يتهم الذي يقول إن الله تحتويه دار ؟
( 24 ) جاء في سورة البقرة 2: 115 :
" فأينما تولوا فثم وجه الله "
وجاء في سورة الرحمن 55: 26 و 27
" كل من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو
الجلال والإكرام "
وجاء في سورة الدهر ( الإنسان ) 76: 9
" إنما نطعمكم لوجه الله  لا نريد منكم
جزاء ولا شكورا " .
وجاء في سورة الحديد 57: 29 " أن الفضل
بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم "
وجاء في سورة الفتح 48: 10 " إنما يبايعون
الله يد الله فوق أيديهم " .
وجاء في سورة الملك 67: 1 " تبارك الله
الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير " .
وجاء في سورة هود 11: 37 قوله لنوح :
" واصنع الفلك بأعيننا ووحينا "
وجاء في سورة الطور 52: 48 قوله لمحمد : " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " .
وجاء في سورة طه 20: 38و 39 قوله لموسى
" إذ أوحينا إلى أمك ما يوحي أن اقذفيه
في التابوت . يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني " .
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ، عن محمد
أنه قال : خلق الله الخلق فلما قامت الرحم
فأخذت في حقو الرحمن
( صحيح البخارى 3: 114 ) .
فهذه النصوص تقول إن لله وجها ويدا وعينا وحقوا وهي من أعضاء جسد الإنسان . فإن كان تجسد الله يحسب كفرا فكيف نفسر هذه الآيات ؟
( 25 ) كيف يحل الله القدوس في بطن امرأة .
وسط الدم ونجاسة الحبل والولادة ؟ وكيف يحل
في جسد بشري ويأكل ويجوع ، ويشرب ويعطش ويبول ويتغوط ؟ . لعل القائلين بهذا لم يفهموا قول ملاك الله : إن الذي حبل به في مريم هو من الروح القدس . فإن كان الله أقدس من أن يلمس دم امرأة فكيف يؤمنون بأن الله أخذ ضلعا من آدم وصنع
منها امرأة ؟ وما قولهم في الحديث عن عائشة أنها قالت : كان النبي يتكئ في حضني وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن ؟
( صحيح البخارى 1: 44 ) .
فإن كان الدم نجسا ، وإن كان القرآن هو كلمة الله الأزلية القائم بذات جوهر الله ، ولا يقبل
الانفكاك والانفصال عن الله ، فكيف يجيز إذا
محمد لنفسه ، أن يتلوه وهو مضطجع في حجر عائشة الحائض . ولا يجوز أن يحل ويتجسد
في أحشاء القديسة مريم ؟
جاء في سورة الحجر 15: 28 " وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ
مسنون " . وقد فسر الجلالان الحمأ المسنون بالطين الأسود . فإن كان الطين الأسود لم يحط لمسه من قدر الله ولم يدنسه ، فكم بالحري بعد أن سوى منه الإنسان وجعله تاجا لمخلوقاته ،
لا يأنف أن يحل فيه ؟
شكرا لله لأجل كلمته في بولس : " أما تعلمون أنكم هيكل الله ، وروح الله يسكن فيكم ؟ "
( 1كورنثوس 3: 16 ) .
وإن كان الله القدوس لا يرى ضيرا أن يسكن بروحه في المؤمن ، فكم بالحرى يسكن في جسد يسوع الذي لم يعرف خطية ، ولم يولد من زرع بشري ؟
( 26 ) جاء في سورة القصص 28: 29و 30 " فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس نم جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى
إني أنا الله رب العالمين " .
ووردت القصة عينها في سورة طه 20: 9-13 هكذا :
" وهل آتاك حديث موسى إذ رأي نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلى أتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي
يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحي " .
وقد فسر الإمام فخر الدين الرازي القصة هكذا : استأذن موسى عليه السلام شعيبا في الرجوع
إلى والدته فأذن له . فخرج فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية ، وكانت ليلة الجمعة ،
وقد حاد عن الطريق . فقدح موسى عليه السلام النار ، فلم تور المقدحة شيئا . فبينما هو
في مزاولة ذلك ، إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق . قال السدي : ظن أنها نار من نيران الرعاة . وقال محدثون آخرون أنه عليه السلام رآها في شجرة . فلما أبصر توجه نحوها فقال لأهله امكثوا إني أبصرت نارا ، لعلى آتيكم منها برأس عود أو فتيلة . فلما أتاها
قال ابن عباس :
رأي شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها . كأنها نار بيضاء . فتوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة . فلا النار تغير خضرتها ولا كثيرة ماء الشجرة تغير ضوء النار . فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما . فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي : يا موسى إني أنا ربك ، فقال لبيك ، إني أسمع صوتك ولا أراك ، فأين أنت ؟ فقال أنا معك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك . فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس
( التفسير الكبير جزء 22 صفحة 14-15 ) .
أما في الكتاب المقدس فقد وردت القصة هكذا : " وظهر له ( أي لموسى ) ملاك الرب بلهيب من نار من وسط عليقة ، فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار ، والعليقة لم تكن تحترق ! . فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال : " موسى موسى " . فقال : " هئذا " فقال : " لا تقترب إلى ههنا . اخلع حذائك
من رجليك ، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه
أرض مقدسة "
( خروج 3: 2-5 ) .
فيا صديقي الكريم ، إن كان الله لكي يكلم
موسى ويحمله رسالة إلى البشر ، استحسن أن
يحل في شجرة ويظهر في هيئة نار، أفلا يكون
من التجني أن ينعت المسيحيون بالكفر ،
لأنهم يؤمنون بأن الله لكي يعلن ذاته في
المحبة ، ظهر في يسوع المسيح ؟ !
وهل الشجرة التي بدا الله فيها ، أعظم شأنا
من المسيح ؟
( 27 ) والآن أعود لأقول لك إن كان يسوع وهو
في الجسد قد أكل وشرب وتغوط ، فإن هذا لا يضير ملء اللاهوت ، الذي حل فيه جسديا ، بدليل قول الكتاب المقدس : " إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيئا نجسا بذاته ، إلا من يحسب شيئا نجسا ، فله هو نجس "
( رومية 14: 14 ) .
وشكرا للمسيح لأنه لم يحسب شيئا نجسا .
( 28 ) يا صديقي ، إن المتأمل بعمق في الكتابات المقدسة ، لا بد أن يلاحظ أن الطريقة
التي اعتمدها الله لإعلان ذاته ، وتبليغ مقاصده هي نوع من الظهور والتجسد . لا فرق في أن يكون هذا الظهور والتجسد في السحاب ، أو في النار  أو في جسد ملاك العهد ، أو في جسد المسيح ، الذي ظهر مملوءا نعمة وحقا .
نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين 1: 1 و2 هذه العبارات التي تعتبر المفتاح في الكلام عن اتصالات الله بالبشر " الله ، بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما ، بأنواع وطرق كثيرة ، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ـ الذي جعله وارثا لكل شيء ـ الذي به أيضا عمل العالمين " . وهاك أنواع الظهورات والطرق التي كلم الله بها البشر ، كما وردت في الكتاب المقدس :
تكوين 3: 8و9 قوله " وسمعا ( آدم وحواء )
صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب
ريح النهار ، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة . فنادى الرب الإلة آدم " أين أنت ؟ " فقال " سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت " . فهنا نرى ظهور الله وهو يمشي ويسمع ويتكلم ويختبئ آدم
وامرأته من وجهه .
تكوين 8: 21 قوله عن ذبيحة نوح " فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه : لا أعود ألعن الأرض . " وهنا يظهر الله وله حاسة الشم يتنسم بها رائحة الذبيحة وله قلب يفكر فيه ، لإعادة النظر في موقفه من الأرض .
تكوين 18: 1-5 قوله " وظهر له الرب عن بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار ، فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه  فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض ، وقال " يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك . ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة ، فآخذ كسرة خبز ، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون ،
لأنكم قد مررتم على عبدكم " فقالوا " هكذا تفعل " فهنا ظهر لإبراهيم في صورة إنسان ،
وقد جلس وأكل وشرب .
تكوين 32: 22-30 قوله : إنه ظهر ليعقوب
في صورة إنسان وصارعه حتى الفجر :
ولما سأله أن يطلقه قال له لا أطلقك إن لم تباركني فباركه قائلا له : لأنك جاهدت مع الله
والناس وقدرت " فدعا يعقوب اسم المكان " فنيئيل " قائلا " لأني نظرت الله وجها لوجه
ونجيت نفسي " .
خروج 24 قوله : ثم صعد موسى وهرون وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ، ورأوا
إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق . ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل .
هنا كان ظهور الله بصورة إنسان له يدان ورجلان ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف الشعب
لأنهم كانوا أثمة وفي حاجة إلى مصالح له طبيعة الله وطبيعة الإنسان .
السؤال الثالث :
لا يستطيع الرحمن خلاص الناس إلا بإرسال ابنه – على فرض أن لله ابنا كما تزعمون –
ليتخذ جسدا يتجرب بتجاربنا ، ثم يقتل بأيدي الأشرار؟ ص . أ دمشق ، سوريا .
يعلّم الكتاب المقدس أن الله خلق الإنسان
على صورته كشبهه
( تكوين 1: 26 ) .
وقصد له المجد أن يبقى الإنسان في عدم فساد . ولكن الإنسان انجذب بكبريائه إلى كسر الوصية الإلهية . فعصى ربه وغوى . وتبعا لذلك صار خاطئا ، وواقعا تحت حكم الله القائل
" النفس التي تخطيء هي تموت "
( حزقيال 18: 20 ) .
وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة بقوله : " وبإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ،
وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى
جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع "
( رومية 5: 12) .
وتفيدنا كلمة الله أن البشر إذ رفضوا إبقاء
الله في معرفتهم . وقعوا في العصيان كأبويهم الأولين ، فاستحقوا حكم الموت ، الذي سبق الإنذار به . ومن ذلك الحين فقدوا الصورة
التي خلقهم الله عليها في البر وقداسة الحق . وفسدوا حسبما أرادوا لأنفسهم . أو كما قال سليمان الحكيم " أن الله صنع الإنسان مستقيما ، أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة "
( جامعة 7: 29 ) .
أو كما قال الرسول پولس : " لما عرفوا الله
لم يمجدوه أو يشكروه كإله ، بل حمقوا في أفكارهم ، وأظلم قلبهم الغبي . وبينما
هم يزعمون أنهم حكماء ، صاروا جهلاء "
( رومية 1: 21و 22 ) .
لقد كان ممكنا للإنسان المخلوق على صورة الله
أن يتجنب الفساد . ويحيا في طهارة لو أنه
أبقي الله في معرفته . لأن الله لم يكتف بأن يخلقنا من العدم ويعطينا نسمة الحياة ،
لكنه أيضا وهبنا إمكانية الحياة في شركة
معه . بيد أن الناس إذ تحولوا عن حياة الله ،
وقبلوا غواية الشيطان ، صاروا سببا لفساد أنفسهم .
( 30 ) ولكن هل يليق بالله ، أن يصير الإنسان الذي خلقه على صورته كشبهه إلى الهلاك الأبدي ؟
وماذا يصنع الخالق . الذي وصف بأنه صالح وإلى الأبد رحمه ؟ أتتحمل محبته الغنية باللطف أن يرى الفساد يلاشي صورته عن البشر؟ وهل تسر عزته الإلهية بهلاك المجموعة البشرية التي كونها على أحسن تقويم ؟ وإن هو تركهم لهذا المصير الشقي ، ألا يعد ذلك إهمالا ؟ وهل الإهمال يليق بجلال الله القدوس ؟ ! كلا ، كلا ! حاشا لله ! أليس هو القائل : " حي أنا يقول السيد الرب ،
إني لا أسر بموت الشرير ، بل بأن يرجع
الشرير عن طريقه ويحيا "
( حزقيال 33: 11 ) .
( 31 ) أجل إن الله من أجل محبته الكثيرة ،
شاء أن يخلص الإنسان .
ولكن كيف ؟ أبالتوبة ؟ ولكن التوبة ، لا تستطيع كسر الحكم وبالتالي رفع القصاص ،
لأنها لا تستطيع أن توفي مطالب عدل الله .
 صحيح أن التوبة الصادقة ، تقف حائلا بين التائب وارتكاب خطايا جديدة .
ولكنها لا تستطيع إزالة أثر الخطايا السالفة وحكم الله عليها . أمام هذا الإشكال أتساءل
مرة أخرى ما اذا كان ممكنا أن يفعل الله " الذي يريد أن جميع الناس يُخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون " وفي كلمة أخرى أنه يريد أن يبرر الإنسان ، لكي يأتي بهذا الكائن الفاسد إلى عدم فساد ، وفي ذات الوقت يوفي مطالب العدل الإلهي. وهذا يتفق مع المشورة الإلهية
بالفداء . فالكلمة الذي كان في البدء عند الله ، وكان الكلمة الله ، كان هو وحده يليق بطبيعته
أن يجدد خلقه في كل شيء ، في أن يأخذ الجسد ويتحمل قصاص الدينونة عن الإنسان .
لأجل ذلك نزل إلى عالمنا " وصار جسدا وحل بيننا ، ورأينا مجده ، مجدا كما لوحيد من الآب ، مملوءا نعمة وحقا "
( يوحنا 1: 14 ) .
( 32 ) ويقينا أن الكلمة منذ البدء كان يعد نفسه للتجسد ، ومن هنا انطلق قول رجل الله ترتليانوس : أن المسيح كان يعد نفسه للتجسد مدى الأجيال ، التي سبقت ظهوره . والواقع أن كل من تأمل في الكتاب المقدس ، يتأكد أن الفادي الرب ، كان كلمة سر همس بها الوحي
في آذان أنبياء الله في العهد القديم .
ولم تلبث النبوة أن أعلنته بفم إشعياء
النبي : " ولكن يعطيكم السيد نفسه آية :
ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه " عمانوئيل " الذي تفسيره : الله معنا "
( إشعياء 7: 14 متى 1: 23 ) .
وتخبرنا الكلمة الموحى بها أنه لما جاء ملء الزمان ، أتي مولودا من عذراء طاهرة بلا لوم ،
لم تعرف رجلا ، " مولودا تحت الناموس ، ليفتدي الذين تحت الناموس ، لننال التبني"
( غلاطية 4: 4و5 ) .
هكذا يخبرنا إنجيل الفداء ، أنه إذا كان الجميع تحت قصاص فساد الموت ، وأن ناموس
هذا الفساد لا يمكن إبطاله إلا بموت بار لم يعرف خطية ، تطوع الكلمة وأخذ لنفسه
جسدا قابلا للموت ، ليتم فيه حكم الموت نيابة عن الكل ، ليزيل حكم الدينونة عن كل
من يؤمن . هذا السر كشفه لنا الرسول بولس بقوله :" إذا لا شيء من الدينونة الآن
على الذين هم في المسيح يسوع ، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ،
لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت .
لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه ، في ما كان ضعيفا بالجسد ، فالله إذ أرسل ابنه
في شبه جسد الخطية ، ولأجل الخطية ، دان الخطية في الجسد ، لكي يتم حكم الناموس فينا 
نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح "
( رومية 8: 1-4 ) .
بمعني أن الفادي الرب ، إذ قدم للموت ذلك الجسد الذي أخذه لنفسه كمحرقة وذبيحة خالية
من كل عيب ، رفع حكم الموت عن جميع الذين
ناب عنهم ، وهكذا لأنه متعال فوق الكل وبدون خطية استطاع أن يوفي مطالب العدل الإلهي .
( 33 ) لعلك ستواجه صعوبة في فهم سر الفداء ،
ولكن حين تتأمل في تعليم الإنجيل عن محبة الله الغنية بالرحمة ، تجد أن هذا العمل متفق مع
ما اتصف به من أسفار العهد الجديد التي كتبت بالوحي لأجل تعليمنا ، والتي بمطالعتها ستجد
إلى أي مدى ذهبت محبة الله لأجل خلاصنا .
" فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك
الذي له سلطان الموت ، أي إبليس ، ويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا
كل حياتهم تحت العبودية "
( عبرانيين 2: 14و15 ) .
" متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه
لإظهار بره ، من أجل الصفح عن الخطايا
السالفة بإمهال الله "
( رومية 3: 24و25 ) .
" لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن
به بل تكون له الحياة الأبدية "
( يوحنا 3: 16) .
" ولكن الله بين محبته لنا ، لأنه ونحن بعد
خطاة مات المسيح لأجلنا ، فبالأولي كثيرا
ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب "
( رومية 5: 8و9 ) .
"الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا
أجمعين ، كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء ؟ "
( رومية 8: 32 ) .
( 34 ) الأدلة النبوية على تجسد الرب :
" أصغيت إلى الذين لم يسألوا . وُجدت من الذين لم يطلبوني . قلت "هئنذا هئنذا " لأمة لم تسم باسمي . بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره "
( إشعياء 65: 1و2 ) .
فهذه الآية تشير إلى تجسد يسوع ، بدليل استشهاد بولس بها حين تكلم عن هذا الموضوع ،
إذ قال : " وُجدت من الذين لم يطلبوني ، وصرت ظاهرا للذين لم يسألوا عني " أما من جهة إسرائيل فيقول " طول النهار بسطت يدي
إلى شعب معاند ومقاوم "
( رومية 10: 20و 21 ) .
فيسوع هو الذي بسط يديه على الصليب فعلا .
" هم يرون مجد الرب ، بهاء إلهنا . شددوا الأيادي المسترخية ، والركب المرتعشة ثبتوها .
قولوا لخائفي القلوب : تشددوا لا تخافوا . هوذا إلهكم . الانتقام يأتي . جزاء الله .
هو يأتي ويخلصكم " حينئذ تنفتح عيون العمي ، وآذان الصم تتفتح ، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس "
( إشعياء 35: 2-6 ) .
فالنبوة هنا لا توضح فقط أن الله يحل هنا ، بل أيضا تعلن علامات مجيئه ، وتصف أعماله ،
كما ذكرت في الإنجيل تماما ، لأنه حين أرسل يوحنا المعمدان اثنان من تلاميذه يسأل يسوع :
" أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فلما جاء إليه الرجلان قالا : " يوحنا المعمدان قد أرسلنا إليك قائلا : أنت هو الآتي أم ننتظر آخر ؟ " وفي تلك الساعة شفي كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ،
ووهب البصر لعميان كثيرين . فأجاب يسوع " اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما :
إن العمي يُبصرون والعرج يمشون ، والبرص
يطهرون ، والصم يسمعون ، والموتي يقومون ،
والمساكين يُبشَّرون ، وطوبي لمن لا يعثر فيّ"
( لوقا 7: 19-23 ) .
" في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر ، وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب فتأمل الكلام
وافهم الرؤيا ، سبعون أسبوعا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ، ولكفارة الإثم ، وليؤتي بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ، ولمسح قدوس القدوسين . فاعلم وأفهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا "
( دانيال 9: 24و 24 ) .
ففي هذه النبوة لا نجد إشارة إلى المسيح
فحسب ، ولكنها تعلن صراحة أن الذي سيمسح
ليس هو مجرد إنسان ، بل قدوس القدوسين . والحق أنه لما جاء كانت الرؤيا والنبوة
قد توقفت في أمة اليهود وتلاشت الملكية فيها ، لأن الملوك كان يجب أن يمسحوا بينهم إلى أن يمسح قدوس القدوسين . وقد تنبأ يعقوب بأن ملوك اليهود يبقون إلى مجيء المسيا ، إذ قال : " لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب "
( تكوين 49: 10 ) .
" بذبيحة وتقدمه لم تُسر ، أذني فتحت .
محرقة وذبيحة خطية لم تطلب . حينئذ قلب
" هئنذا جئت ، بدرج الكتاب مكتوب عني أن
أفعل مشيئتك يا إلهي سررت "
( مزمور 40: 6-8 ) .
( 35 ) حين نقابل هذه الآيات بما جاء في الرسالة إلى العبرانيين 10: 6-10
نرى تطبيقا كاملا لهذا المزمور المجيد
على شخص يسوع .
فربنا المبارك استعرض جميع ذبائح وقرابين العهد القديم ، كذبائح السلامة ، وذبائح الإثم والمحرقات ، وذبائح الخطية . وبعد استعراضها نطق بحكمة قائلا : بأنها لم تكن مطلب القدير .
وتخبرنا الكتب المقدسة ، أنه كان في مشورة الله الأزلية إعداد ذبيحة أفضل .
وإذ ننحني سجدا يقودنا الروح القدس إلى ذاك الماضي الأزلي ، الذي إن كنا لا نستطيع إدراكه بحكم قصورنا البشري إلا أننا نفهم من إعلانات الله في كتابه الكريم أن أقانيم اللاهوت ، وهم يتطلعون إلى جنسنا البشري ، المزمع أن يأتي
إلى الوجود ، وإلى الخطية التي ستدخل إلى العالم ومعها الموت ، أصدروا المشورة
بالفداء . ونتصور أن الله الابن تطوع لعمل الفداء قائلا : ها أنذا أذهب وأصنع الكفارة لذلك العالم المرتد .
( 36 ) ولسعادة البشرية ، أن الرب المتجسد
لم يكتف بأن تكون المشيئة الإلهية بالفداء محصورة في شعب ، حسب نفسه وارثا وحيدا لمواعيد الله . بل أراد نشرها إلى العالم
أجمع . وربّ سائل يقول : ولماذا تم الموت بالصليب من بين كل أنواع الموت ؟ فإلى هذا أقول : هكذا صارت المسرة عند الله أن يفتدينا هو نفسه وليس من طريقة أخرى أصلح لنا وأليق بالرب ! وأنه حسن أن احتمل الرب المتجسد هذا النوع من الموت من أجلنا لأنه إن كان قد أتي
ليبررنا من إثم الخطية التي أغلق الناموس علينا تحتها ، فكيف كان ممكنا أن يصير خطية من أجلنا ، لو لم يمت حاملا خطايانا على الصليب ؟ وأيضا إن كان موت الرب المتجسد
قد صار كفارة عن الجميع ، وبموته نقض
حائط السياط المتوسط أن العداوة
( أفسس 2: 14 ) .
لتصير الدعوة لجميع الأمم ، فكيف كان ممكنا
أن يدعونا لنتصالح به مع الله لو لم يصلب ؟
فشكرا له لأنه هكذا صارت مسرته . ووجد لائقا
أن يتحمل هذا الموت المهين . ويبسط يديه
على الصليب ، ليجتذب بالواحدة أتقياء الشعب القديم ، وبالأخرى الذين هم من الأمم .
ويتحد الكل في شخصه المبارك وفقا لقوله " وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع "
( يوحنا 12: 32 ) .
المصدر / مركز الكلمة المسيحي .