دور المؤمن في مصالحة الناس


المحرر موضوع: دور المؤمن في مصالحة الناس  (زيارة 182 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل وردااسحاق

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 609
    • مشاهدة الملف الشخصي
دور المؤمن في مصالحة الناس

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر – كندا


( هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً ) ” مز 1:133 “

جاء الرب يسوع من الله لكي يكون معنا ، ومات من أجلنا ، وقام من بين الأموات ، وسيبقى معنا إلى أنقضاء الدهر . وما يريده منا هو أن نحب بعضنا بعضاً لنكون رعية واحدة موحدة في جسد واحد ويكون هو رأسنا ، فلا يقبل التفرقة والغضب ، بل التآلف والتآخي والمحبة والوحدة . فإن كان هناك أنقسامات وقضايا بين أخوتنا ، أي بين أثنين أو بين العوائل أو مجموعات أو حتى مجتمعات ودول فيجب العمل من أجل التقارب والمصالحة بينها ، لأن واجب كل مؤمن هو زرع المحبة .

الأنقسام هو ضعف بشري ناتج من عدم التفاهم وتحمل الآخر بسبب ضعف الأيمان والمحبة بين الناس جميعاً والمنتمين إلى عائلة بشرية واحدة تعيش تحت رحمة الله ومحبته . الله أرسل أبنه الوحيد لكي يتصالح معنا فتعود العلاقة والمصالحة بينه وبين بني البشر . علمنا أبنه المتجسد ركز على موضوع المحبة والمغفرة بلا حدود ، وضح ذلك لبطرس الرسول الذي سأله عن حدود المحبة ، فقال ( يا رب كم مرة يخطىء إلى أخي وأنا أغفر له هل إلى سبع مرات . قال له يسوع لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات ) ” مت 18: 2121 ” . هنا ليس المقصود تحديد العدد بضرب العددين سبعة وسبعين مع بعضهما ، بل المقصود بالرقم سبعة هو الكمال ، والكمال لا حدود له ، أي قال يسوع لبطرس لا حدود للمغفرة . كما أعطانا الرب واجبات كثيرة في هذا العمل الأنساني الذي ملؤه المحبة والمصالحة لكي نكون سبب وواسطة لمصالحة الناس بينهم من جهة وبين الله أيضاً من جهة أخرى أي البعيدين من الأيمان . يقول الرسول بولس ( وكل شىء هو من عند الله الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح ، ثم سلمنا خدمة هذه المصالحة . ذلك أن الله كان في المسيح مُصالحاً العالم مع نفسه ، غير حاسب عليهم خطاياهم ، وقد وضع بين أيدينا رسالة هذه المصالحة ) : 2 قو 5: 18-19 ” . إذاً خدمتنا في العمل تقضي علينا إلى المصالحة بين بني البشر .

لم تبقى لنا أي حجة طالما إننا مقتنعين بمصالحتنا مع الله ، والله غفر لنا وغيّرَنا ، بل خلقنا من جديد في ولادة جديدة ، فعندما نثق بأن الله قد صالحنا ، نستطيع نحن أيضاً أن نكون خداماً لمهمة المصالحة بين الناس القريبين منا  بدافع الثقة والمحبة الشاملة وتطبيقاً للوصايا . لكن عندما نفقد المحبة والثقة سنصبح بدون فائدة ، بل نحن أيضاً سنتفارق ونبتعد عن بعضنا . نحن نؤمن بأننا ومن خلال الرب يسوع قد تصالحنا مع الله ، وأننا مؤهلين لأن نكون رُسل المصالحة من أجل أعادة المحبة بين الآخرين . المسيح لم يأتي الى العالم لكي يحكم أو يدين العالم ، بل لكي يصالح العالم مع الآب . فنحن أيضاً واجبنا ليس لأدانة الناس أو تقييمهم وتصنيفهم أو تبجيلهم ، بل أن نتصالح نحن أولاً مع الجميع ومن ثم العمل من أجل مد يد العون للآخرين لكي يتصالحوا مع بعضهم كأفراد أو عوائل أو قرى ومدن أو دول ، وهذا الواجب المقدس يطلب منا بأن نتسلح بقيّم كثيرة كالمحبة وطول أناة والمغفرة وتحمل الآخر وغيرها متذكرين قول الرب يسوع لنا ( كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم ، لا تدينوا … لا تحكموا على أحد … أغفروا ) ” لو 6: 36-37″ .

هكذا نستطيع أن ننقل الجبال والحواجز الفاصلة بين الناس بأيماننا الصادق ونهدم الجدران التي تفصل بين الناس . الجبل يعني الحاجز ، وقصد الرب في نقل الجبال بالأيمان هو أزالة الحواجز بين الناس لكي يلتقوا ويتصالحوا . هدم جدار برلين خير مثال على ذلك فتمت المصالحة بين أبناء مدينة واحدة لكي تصبح واحدة موحدة . أما الساعين الى بناء الجدران والحواجز بين الناس والمدن والمجتمعات فأنهم بعيدين كل البعد عن روح المسيحية ومبادئها . لهذا نقد قداسة البابا فرنسيس مشروع ترامب في بناء حاجز بين أميركا والمكسيك وشجع على تشييد جسور بين المجتمعات .  أما الذين يبحثون عن الوحدة والسلام والمصالحة فأيمانهم مبني على صخرة قوية وفيهم محبة الله .

عندما نبدأ في خدمة المصالحة علينا أن ندرك أحتياجات هذا الواجب جيداً . فعمل المصالحة الذي نقوم به بين الناس هو حدث جوهري ينهي ويحسم النزاح ويرسي السلام والمحبة . كما له بُعد ممتد الى ما وراء حل المشكلة وأعادة العلاقة ، لأن بعد الحل سيسود السلام وتنتهي مشاعر الحقد والكراهية وتزيل غيوم العدوانية والأنتقام وتتطهر القلوب والعقول التي كانت مشحونة بالحقد وحب العداء التي تنمو وتكبر لكي تخلق المنازعات الصغيرة وقد تتحول الى حروب نفسية وأنتقامية غايتها تدمير الخصم .

المصالحة هي الدواء الخفي الذي يشفي عقولنا وقلوبنا وأرواحنا وتقربنا من جميع البشر ومن الله الذي أعطانا نعمة المصالحة كخدمة وواجب لا ينتهي ، ورسالة المصالحة يحتاج أليها عالم اليوم كأفراد أو مجتمعات لكي يسمعها ويقبلها ويعمل بها لأجل تطبيق مبادئها لزرع السلام العالمي ، ونحن كأفراد يجب أن يستمر معنا واجب المصالحة ونعمل به الى يوم أنتقالنا الى عالم الخلود والحياة الأزلية .

ولربنا يسوع المسيح الذي صالح السماء والأرض كل المجد