التواضع والغيرة


المحرر موضوع: التواضع والغيرة  (زيارة 276 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جوزيف إبراهيم

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 33
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
التواضع والغيرة
« في: 18:02 11/08/2017 »
{ التواضع والغيرة }
جوزيف إبراهيم
في إحدى الممالك، كان سعيد ذاك الإنسان البسيط والمتواضع القلب، يعيش مطمئناً و هانئاً مع عائلته الصغيرة، إمتهن سعيد بيع الرايب (خليط اللبن مع الماء والملح) متجولاً برفقة حماره الوديع في أزقة المملكة، ومع مرور الزمن اشتهر جدا بين عامة الناس، لطيبة قلبه وجودة لبنه وحسن تعامله ولباقة لسانه مع الجميع, حتى وصلت أخباره وشهرته إلى القصر الملكي.
طلب الملك من وزيره إحضاره، وبعد مقابلته مع الملك، أُعطي له مهمة تقديم مشروبه المنعش للحاشية الملكية وضيوف الملك، فرح سعيد جدا بالوظيفة المحترمة الموكلة له,
 واستمر على نفس المنهج يحب عمله والناس جميعاً, ومع مرور الزمن توثقت علاقته جدا مع الملك, وأصبح محبوبا من قبل جميع القاطنين بالقصر الملكي والزائرين.
هذه المحبة الفائقة والإهتمام الملفت للنظر من الملك وحاشيته، أثارت غيرة وغيظ الوزير لخوفه على مركزه من هذا البائع الأمي , فحاول الايقاع به و التخلص منه بحيلة وبخدعة تناسب شخصية وتفكير سعيد وبطريقة تبعد الشبهة عنه. فقال لسعيد: إن رائحة فمك كريهة جداً يا سعيد, فلا يجوز لك أن تقدم مشروبك بهذه الطريقة كي لا تغضب جلالة الملك، و إعتبارا من الغد عليك أن تضع لثاماً على فمك وأنفك لكي يتجنب الآخرون رائحتك.
صدق سعيد ما قيل عنه, وأخذ نصيحة الوزير بمحمل الجد والتزم بالتعليمات الجديدة, وبدأ بتقديم مشروبه ملثم الفم والانف، فاستغرب الملك من هذا التغيير المفاجئ من سعيد، لكنه لم يود أن يحرجه لأنه كان ملكاً رحوماً حكيماً محباً وعادلاً لرعيته, وأعتقد بادئ الأمر أن البرد القارس قد يكون السبب ، لكن مع إقتراب الصيف استفسرالملك من وزيره عن سبب اللثام, فقال له الوزير: يا جلالة الملك أخشى إن أخبرتك عن السبب أنك تأمر بقطع رأسي، فمد له الملك عصا الأمان, إطمأن الوزير وأبتسم بداخله ثم قال: ياجلالة الملك إن سعيد يشكوا من رائحة فمك عندما يقدم لك المشروب, لذلك يضع لثاما كي لايشم رائحتك، ولطيبة قلب الملك صدق رواية وزيره نظراً للخدمة الطويلة معه والثقة العمياء التي منحها اياه.
حلٌ المساء وقص الملك لزوجته حكاية سعيد ،فثارت الملكة جداً وغضبها الشديد أعمى تفكيرها, فطلبت من الملك أن يأمر بإعدام سعيد. حاول الملك تغيير قرارها نظراً لحسن سلوك سعيد وتفانيه وإخلاصه بعمله، لكن الملكة أصرت على إعدامه ، وفي اليوم الثاني أتى سعيد إلى عمله ملثما ، و باشر بعمله اليومي كالعادة.
استدعى الملك أحد الجلادين وأمره بقطع رأس الشخص الذي سيحمل معه باقة ورد حمراء أثناء الانصراف. قبل انتهاء العمل بدقاىق طلب الملك حضور سعيد, فأعطاه باقة ورد حمراء جميلة جداً شاكراً اياه على حبه لعمله وطلب منه الذهاب لمنزله، في هذه الأثناء كان الوزير يراقب الإثنان عن كثب، وأخذت الدهشة تنهشه حينما شاهد الملك يعطي باقة ورد لسعيد.
همٌ سعيد بالخروج والغبطة والفرح يعلوان وجهه, قبل الباب الرئيسي بأمتار قليلة أوقفه الوزير وقال له : ما هذه الباقة في يدك ، فرد عليه إنها من جلالة الملك ثناءاً ومكافأةً لنشاطي وإخلاصي بعملي. كاد الوزير أن يغمى عليه لشدة الغيرة ولإنه أحس إن خطته قد أخفقت, فأخذ الورد منه بغضب وانتهره قائلاً: أنا من يحق له هذه الزهور وليس أنت ثم صرفه، ذهب سعيد لمنزله وهو سارحاً بأفكاره يقارن بين المشهدين المتناقضين من الملك والوزير , إلا أن طيبة قلبه أبعدته عن إساءة الظن بالإثنين , تابع طريقه مبتسما دون أن يكترث لإهانة الوزير, وكعادته أمضى ليلة هانئة مع اسرته ونام قرير العين.
في الصباح الباكر استيقظ سعيد نشيطاٌ، وبعد إتمامه بعض الأعمال المنزلية, توجه إلى القصر وقبل منتصف النهار فوجئ الملك برؤية سعيد، وسأله عن باقة الورد, فقص عليه سعيد ما حصل بينه وبين الوزير وإن الوزير أحق منه بألمكافأة لذلك أخذها منه، إستغرب الملك كثيراً من تصرف وزيره و أدرك أنه هو الذي نصب الفخ لسعيد لكنه سقط في شر أعماله. سأل الملك عن سبب وضع اللثام فأجابه: هكذا أمرني الوزير يا مولاي لإن رائحة فمي كريهة جداً، فأبتسم الملك بعد أن توضحت الصورة له, وقال لسعيد: فعلا إن وزيري أحق منك بباقة الورد و ابتداءً من هذا اليوم ستكون انت وزيراً لمملكتي، فقد أنقذتني من ذاك الوزير الخائن ومن مصير مجهول كان ينتظرني و مملكتي . أصدر الملك مرسوما ملكياً يفيد بتعيبن سعيد وزيرأً، بعد أن تأكد من الجلاد إن حامل باقة الورد كان بالفعل وزيره السابق وإن أمره قد نفذ بحذافيره. جوزيف إبراهيم في /7/2017/