البعد الدلالي للألوان رواية "كانت السماء زرقاء" انموذجا


المحرر موضوع: البعد الدلالي للألوان رواية "كانت السماء زرقاء" انموذجا  (زيارة 218 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نجاة تميم

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 23
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


البعد الدلالي للألوان
رواية "كانت السماء زرقاء" انموذجا

                                                                         
نجاة تميم

    في رواية "كانت السماء زرقاء" للروائي إسماعيل فهد اسماعيل، يغمرنا اللون الأزرق بانعكاساته وظلاله من العتبة النصية الأولى، "العنوان"، إلى آخر جملة فيها. فيا ترى ما تأثير اللون علينا؟  وماذا يعني هذا اللون بالنسبة للكاتب؟  ولماذا يجذبه هذا اللون أكثر من غيره؟

    نعرف أن إدراكنا الحسي للألوان يعود، بشكل فطري، إلى الطبيعة وألوانها. لكن هذا لا يمنع أن هذه الألوان قد تكون لها مفاهيم شخصية وثقافية، وقد تكون هذه المفاهيم سلبية أو إيجابية، تختلف من بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. ناهيك عن أن نظرية الألوان هي علم قائم بذاته.
   
   في الحقيقة، كنت ابحث خلال قراءتي لهذه الرواية عن ساردها فلم أجده، لكن ما أذهلني فعلا هي تداعيات الشخصية الرئيسة التي تتماهى مع نفسها في منولوج داخلي. يذكرني ذلك بإدوارد دو جردان (Du Jardin ) الذي يعتبر من الرواد الذين اكتشفوا وطبقوا المنولوج الداخلي. فهذه التقنية السردية التي تتبع بشكل متصل لحركات أفكار الشخصية الروائية هي أحد الفورات الأساسية في الادب الحديث. لقد طرحها دو جردان في روايته الموسومة "أوراق الغار المقصوصة" عام 1888 وذلك قبل ثلاثين سنة من طرح جيمس جويس، وفيرجينيا وولف ووليام فولكنر لها. يقول دو جردان، عن روايته، في رسالة إلى والديه بأنها ببساطة حكاية ست ساعات من حياة شاب، دانييل برنس، مغرم بأنسة. وخلال هذه الفترة الزمنية لم يحدث شيئا ولم تحدث أي مغامرة. من خلال سرد مكثف وجمل قصيرة ومتتالية نتنقل والبطل "دانييل برنس" إلى دواخله وهو يحاكي نفسه خلال تسعة فصول قصيرة. فالشاب المغرم يتيه في أزقة باريس، بين بيته وبيت "لِيا دارسي،" الفنانة الكوميدية التي أفلس جراء حبه العذري لها. أما الشخصية الرئيسة في الرواية الموسومة "كانت السماء زرقاء" فهو كذلك شاب في الثلاثين  من عمره؛ يحب القراءة ويهتم بما يدور حوله. لكنه حائر ومصدوم. ولم يستطع اتخاذ قرار فيما يخص حياته. يناجي نفسه وأحيانا ضميره.

    ينقسم النص السردي لهذه الرواية إلى قسمين؛ القسم الأول وهو اليوم الأول ويشمل إحدى عشرة فكرة مرقمة. اما القسم الثاني أي اليوم الثالث فيتوزع على أربع فقرات مرقمة، دون ذكر أحداث اليوم الثاني. ويغلب على هذا النص جمل قصيرة متتالية وحوارات مقتضبة.

   فهذا الشاب مثقف وكاتب قصة، يشعر بقيود تكبله وتكبت على أنفاسه. يتمنى أن ينجح في الهرب من كل شيء، من التقاليد وعادات المجتمع والوضع السياسي بشكل عام.  يحاول الغوص في دواخله ويحاور ضميره الجريح وهو مستلقي على أريكة المقهى؛ وربما تخبطه وهلوسته لمدة خمس ساعات توصله إلى حقيقة أمره.

     نعود إلى البحث عن سبب لجوء الروائي إسماعيل فهد اسماعيل لاختيار اللون الأزرق.  فهذا اللون يحيل على عالم الشفافية والصفاء والامتداد اللانهائي. كما يرتبط بالسلام والحماية، والجدية والحلم والحكمة وكذلك الاحساس الرهيف. ويستعمل غالبا في سياق تكنولوجي دولي. فنلاحظ دولا ومؤسسات رسمية محلية ودولية تستعمل اللون الأزرق كأحد ألوان علمها أو كخلفية لمواقعها العنكبوتية. وذلك لما للون الأزرق من تأثير علينا؛ بصريا ونفسيا. فهذا اللون الذي ينتمي إلى الألوان الهادئة والباردة يرتبط بالبحر والسماء. فماء البحر يحيل إلى الحياة والأمل، لكنه يحيل أيضا إلى الموت أو العبور إلى العالم  الآخر لاسترجاع الأمل. أما ارتباطه بالسماء فقد يوحي لنا بالصفاء واللامتناهى. وتقول ميري أندرسن أن اللون الأزرق لون هادئ وهو مريح للعين كما للروح. ولأن هذا اللون له أبعاد رمزية ودلالية فإنه يعد بلسما للجروح وعلاج نفسي يترك أثره فينا ويجعلنا نشعر بالهدوء والسلام. ويعود اكتشاف الطيف الضوئي إلى إسحاق نيوتن (1642-1727م) وهو الذي وضع اللبنات الأولى لعلم الألوان. وهذه الأخيرة تستعمل كذلك لعلاج أمراض عديدة. ويرجع الفضل في ذلك إلى موسوعة الألوان التي وضعها غاديالي ألي، عام 1930، كان آنذاك يعمل ويدرس بالولايات المتحدة.
 
    نلاحظ أن إسماعيل فهد إسماعيل اختار استعمال اللون الأزرق سبعة وثلاثين مرة، لكونه علامة بصرية تساهم في تكثيف دلالة النص السردي وما تثيره في نفسية المتلقي. وقد ذكر أيضا ألوانا أخرى كاللون الأحمر والبنفسجي والقرمزي مرة واحدة، أما اللون الأبيض والأصفر فثلاث مرات. والابعاد الدلالية للون الأزرق قد تنقسم إلى البعد النفسي والاجتماعي والوجودي والجمالي. فغوته يقول : " إن التجربة تعلمنا أن الألوان تخلق عندنا حالات روحية خاصة".

   سنرى أن البعد النفسي في هذه الرواية ينطلق من الإحساس بالذنب والمعاناة من جراء العجز في اتخاذ القرار وتغيير الوضع العام. أما البعد الاجتماعي فيدفع الشخصية الرئيسة إلى الهرب من القيود الاجتماعية ومسؤوليتها. يبقى البعد الوجودي الذي يخلص البطل من خلال هلوسته وتداعياته لكي يكتشف ذاته ويتخذ قراره لوحده. وأخيرا البعد الجمالي الذي يحيل على لون الصفاء والشفافية ويرد الشخصية الرئيسة إلى مسارها الطبيعي لكي يعود إلى الحبيبة ذات الثوب الأزرق التي ترمز إلى الثقافة والنعومة في آن واحد.

    كان الليل في أوله، والساعة حوالي السابعة، عندما دعاه صديق للجلوس في المقهى. فألقى بجسده على الأريكة الملقاة إلى جانب الشارع عند مفترق الطريق التي توصل إلى سوق البصرة القديم، والأخرى التي تتبعه ناحية الزبير. فصاحبه، لا يعدو كونه أحد الأشياء التي تربطه بماضيه. فعاد بذاكرته شيئا ما إلى الوراء. لقد حدث ذلك قبل يومين. وعلى إثر ذلك، أعلن ثورة وقرر الهرب من الوضع الذي هو عليه. لم يرفع عينيه عن امتداد الطريق الممتدة صوب الزبير. لقد شده الضوء الأزرق البعيد؛ هذا الضوء الذي يتعالى على الأضواء الحمراء التي تعلو خزانات النفط والذي يشكل له المنال الصعب والأمل المنقذ في نفس الوقت. "فنقل عينيه عن الأضواء الحمراء إلى ضوء أزرق بعيد. "ص21

    لقد تغيرت حياته كليا بعد تعرفه، قبل أيام، على ذات الثوب الأزرق؛ عندما زارهم أقرباء مصطحبين معهم فتاة جميلة ترتدي ثوبا أزرقا. فأعلن ثورة وقرر الهرب من الوضع الذي هو عليه. الشخصية الرئيسة متزوج وله طفلة كما أن زوجته تنتظر مولودا. "هو لم يقرر أثناء جلوسه على أريكة المقهى. قراره بدأ منذ زمن بعيد. كل ما فعله...."ص 80 هو أن استدعى المستقبل وافترض أن ابنته كبرت وأن زوجته ليست بحامل. وبدأت خيالات تتداعى على مخيلته. إنه ينوي الهرب. الهرب من كل شيء. لكن التزامه بزوجته وابنته كان حملا ثقيلا عليه.
 
   يريد أن يحدد نفسه لنفسه وأن يتخذ وحده قرارا لنفسه. لكنهم لا يدعونه يفعل ذلك. لقد تغيرت حياته بعدما تعرف على ذات الثوب الأزرق. زارتهم مع أحد أقاربهم في البيت. فهو قريبها من بعيد. فتاة جميلة، كانت ترتدي ثوبا أزرقا. لقد أبدت اهتماما كبيرا بمكتبته. أُعجب بجمالها وباهتمامها به وبالثقافة التي تتمتع بها. كانت على عكس زوجته التي تمنعه من شراء الكتب؛ "كيف لا  وهي (زوجته) القيد الذي يهد عنقه... كيف لا وحبها يسعى إلى استعباده. ألم يكفها حرمانه من اقتناء الكتب ومطالعتها." ص 5 ليست زوجته هي السبب الوحيد الذي حرمه من الكتب. فالمكتبة التي جلد بها بعض كتبه هي أيضا كانت مغلقة.  لقد كانت الكتب بالنسبة له هي "الرابطة الأولى". ص 36  لكن الآن بعد النكسة التي أصابته وهذه الحيرة التي أحكمت قبضتها عليه لم يعد للكتب مكان لديه.

   ليست فقط واجهة المكتبة مغلقة  فحسب، فالحدود أيضا مغلقة والمقهى التي يجلس فيها هي أيضا مغلقة. بالرغم من ذلك ألقى بنفسه على الاريكة الملقاة على جانب الطريق. "فالمستقبل المنخور من القيود يدعوني." ص 77 وأطلق العنان لمخيلته. يبحث عن حريته ويتطلع إلى الضوء الأزرق البعيد. ويتراءى له ثوبها الأزرق الضيق الذي يمرق أمامه. فلم يتسنى له أن يسترسل في تداعياته. لكن عمله المشين مع ذات الثوب الأزرق يجعل ضميره يؤنبه؛ ذلك الذي يتراءى له على شكل ضابط جريح. فتدهشه صورة الضابط المعلقة على الأشواك ويسمع صوتا يحثه على الركض والهرب. لكن يعود اللون الأزرق فيغرقه. ويتذكر أن حقيبته التي ضاعت منه هي أيضا زرقاء. فاللون الأزرق يمتلك الطريق ويعرفه. ويطغى على عينيه. يسترجع ماضيه. تغيرت أشياء كثيرة. يجب عليه أن يتخذ القرار. "لقد كانت السماء زرقاء وليس الآن." ص 43 فهذه المرة، أغرقه ثوبها الأزرق. وهو متأكد هذه المرة، أنها كانت صادقة. أحبته وذلك لأنه ينظر إلى الآخرين نظرة خاصة. ويقيمهم حسب ما هم فيه الآن، وليس على أساس ما كانوا عليه. وهذا اللون الأزرق يلزمه عند حد معين. لا يستطيع التخلص من التفكير بها. إحساس قوي يدفعه للتفكير بثوب أزرق.

    فبين حواراته مع ضميره "الضابط الجريح" وبين هلوسته بذات الثوب الأزرق، يكتشف أن حقيبته الزرقاء قد اختفت بالمرة.  شهق الثوب الأزرق" لكن المطرقة الزرقاء بدأت تعمل داخل رأسه ولم يعد يسمع الصوت الذي بدأ يشاب بالود." ص 69 لقد كانت ذات الثوب الأزرق تعتبره انسانا خاصا وأحيانا انسانا مجنونا. أما الضابط الجريح فينعته بسارق الإنسانية وبالمجرم واللص .. وأنه لا يشبه باقي الناس. ويحاول، أحيانا، أن يخاطب فيه عواطفه الإنسانية. يعود البطل ويعاتب  ذات الثوب الأزرق: "لو أنها صمتت...لو أنها اكتفت بحاضري، ولم تسألني عن الماضي.. لو أنها ذهبت وتركتني إلى جانب هذا الحيوان على الأريكة." ص 44 فهي تعاتبه أحيانا باكية وتصفه بنتشه زمانه، بالرغم أن هذا الأخير أصيب بلوث عقلي في أواخر أيامه. أما هو فما يزال في الثلاثين من عمره. كيف له أن يفكر في الهرب والتهرب وهو الذي يدعي نصرة إنسانية الإنسان الذي اضطره المجتمع ودفعته ظروف معينة إلى اتخاذ سلوك مختلف عن سلوك الآخرين. ولكي يرضيها صاحبها إلى السينما ليشاهدا فيلم شارلي شابلن. يا للسخرية!! صمت. لكن الثوب الأزرق استحثه. بدأ يدرك بأنه سيفقد انسانيته إن لم يفقد زوجته. لعلها التاسعة مساء، يعود الضابط ليسأله عن الوقت. ثم ينقل عينيه بحركة دائرية إلى الخارج. وألح أمام عينيه خيال أزرق. بدأ يسأله  الثوب الأزرق بصوت يخنقه البكاء. تضاعفت انتفاضات الثوب الأزرق. سارع إلى طرد الخيال الأزرق وانتظر بتصميم. قاطعه الضابط الجريح:" يخيل إلى أن التسمم تصاعد إلى وجهي. لعله صار أزرق اللون." ص 113 فيجيبه بأنه ليس كثوبها. يستفسر الضابط إذا كان يتحدث عن زوجته التي طلقها. لكنه كان يتحدث عن ذات الثوب الأزرق؛ عن "جسد غض لمعلمة غضة." ص 114 إنها غضة لكنها عجفاء من العقل وذلك لأنها حاولت خلقه من جديد. لكنه بالرغم من ذلك تقيئها أيضا كما فعل مع زوجته، وحرر نفسه تقريبا منها، لأنه [اشتهاها.. رغب بها ثانية]. ص 114

   لقد اعلن الثورة. و"الثورة التي أعلنها انا، لا أعني الثورة التي أطاحت بالكرسي خاصتك" ص 120، والتي حدثت قبل ثلاثة أيام في بلد معين وهو يخاطب الضابط الجريح.  فهجْر زوجته له لمدة ثمانية أيام وغيابها عنه جعله ينطلق بعيدا. لقد استطاع كسب صداقة وثقة ذات الثوب الأزرق وهذا دفعه لكره زوجته وللسير في طريق لم يكن قد رسمه مع صاحبة الثوب الأزرق مع سابق تصميم. افترقا لكنه بعدها بأيام أعلن الثورة.

   لقد كانت ذات الثوب الأزرق تعامله معاملة خاصة لأنه إنسان خاص. فالمشاعر الإنسانية ما زالت سلطتها عليه، لكنه يردد: "أنا أسرقها.. أسرق شيئا إنسانيا." ص 27 وربما فعل ذلك لكي يشعر أنه موجود. ومن خلال معاملة ذات الثوب الأزرق له يحس بأنه ما زال ينتمي إلى الفصيلة الإنسانية. لكنه ما عاد يعترف بنفسه إنسانا. خصوصا بعد اغتصابه عذرية ذات الثوب الأزرق. وكان يراوده "إحساس مبهم يعرفه بوجود إنسان يراقبه." ص 35

    ويخاطبه ضميره، الضابط الجريح. يجب أن يأخذ برأيه وأن صمته عنها يشير إلى مدى ارتباطه بها. ويقول له: "أنت حدثتني عن كل شيء انتهيت منه. أما هذه فلا. هي ما زالت تشدك إليها. كان الأحرى أن تفتح عينيكّ! " لأنني أتحدث نيابة عن الصوت الذي في داخلك." ص 116 لقد رأى ذات الثوب الأزرق البارحة في الحلم وهي إحدى بطلات نجيب محفوظ، مكتنزة لحما في إحدى مخافر الشرطة وكان جسدها يقطر دما فسأل الشرطي عن حالها فأجابه بأنها ضحيته.

    أما الضابط الجريح فقد اقتربت ساعته وبدأ يكرر سؤاله عن الوقت ويجيبه :"أظنها منتصف الليل." ص 126 وينصحه الضابط الجريح بأن يعود إليها قائلا: "يمكنك أن تبدأ من جديد.. الآن. أنت لم تنته قبل أيام. الآن انتهيت، فأبدأ من حيث انتهيت." ص 124 كان الضابط الجريح يلح عليه لكي يأخذ قرارا ويقول له :
       " ... نهايتي قريبة. أود سماع قرارك الأخير!
       -قراري الأخير هو الرفض.. مت إذا!
        الضابط: أنت الخاسر!
       - من البداية.
      الضابط: وأنت هارب!
       -إلى النهاية." ص 117
    وأخيرا قرر أن يعود إلى ذات الثوب الأزرق كما وعد الضابط الجريح لكن بشرط؛ ليس قبل وفاة الضابط. فأفلتت ضحكة واهنة من فم هذا الأخير. أما الآخر فأطبق جفنيه لكي يتراءى له شارلي شابلن واضعا يده في يد المتشردة، وهما يسيران معا عبر طريق سماؤه زرقاء غنية الأضواء. "وبلا وعي منه افترت شفتاه عن ابتسامة". وبهذه الجملة الأخيرة يكون قد فقه لوضعه واستوعب ما وجب قيامه به؛ وهي العودة إلى ما كان عليه. فبعد استرجاعه لأحداث حصلت فقد قرر، من خلال تقييمه لها، المواجهة ونبذ الهرب.
  لقد خضنا رحلة جميلة جدا مع هذه الرواية التي اعتبرها الراحل الشاعر صلاح عبد الصبور رواية سابقة لعصرها؛ رواية القرن العشرين ببنائها الفني المعاصر والمحكم. إنها حقا رواية بطل في صراع داخلي، بين  نفسه ونفسه. وذلك لإيجاد، ببساطة، نفسه.