صادق الزعيري حين يكتبُ على الأرض (الجزء الثالث)


المحرر موضوع: صادق الزعيري حين يكتبُ على الأرض (الجزء الثالث)  (زيارة 157 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هاتـف بشبـوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 131
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

صادق الزعيري حين يكتبُ على الأرض (الجزء الثالث)
مظفر النواب و رائعته الشهيرة.. في طهران وقفتُ أمام الغول /  و كان كبيرُ الجلادين / يسألني: من أنت؟ /خجلتُ أقول له:  "قاومتُ الاستعمار فشرّدني وطني" . و رغم ذلك لم يستطيعوا النّيل منه و إجباره على أن يترك ما في دماغهِ من مُثلٍ تربّى  و شاب عليها مثلما الدّليل الذي جاء على لسان صادق ( لن تستطيعوا) :

لئن قلعتم أظفري
و طالما أرسلتم كلابكم في أثري
و تدلفوني في الزنازين
التي ليس لها من آخرِ
و ترسلوني ربما حتى إلى المقابرِ
لكنّكم لن تستطيعوا أبداً
مصادرة مشاعري....

شدّوا وثاقي و امنعوا عني الدفاترَ و السّجائر/ وضعوا التّرابَ على فمي/ فالشّعر ماء العين ملحُ الخبز /يكتبُ بالأظافر و المحاجرِ   و الخناجر / سأقولها تحت القيد / في عنف السّلاسل .
هذا ما قاله محمود درويش مدافعاً عن مشاعره و فكره و وطنه الذي عاش و مات من أجله رحمه الله.
ثمّ الفيلم العالمي (الممر) من تمثيل الممثل الرّاحل (جيمس ماسون)    و الذي تناول حياة كاتب يساري شهير و كيف تمّ تهريبه من قبل رفاقه عبر الحدود الإيطالية ثمّ إلقاء القبض على من هرّبه،فقاموا بتعذيبه فلم يفشِ بمكان الكاتب فقاموا بتقطيع أصابعه بعد أن وثقوها على الطّاولة . قطّعوها بطريقة بشعة للغاية حيث حزّتها السّكين حتّى تناثر الدّم العبيط فكانت صرخته المدوية  ( قتتتتتتتتتلة) .
نظرا لما قرأناه أعلاه يظلّ الشّاعر لا يقرّ له قرار و لا يستريح حتّى يرى الطّغاة يتهاوون حيث يقول في نصّه الآتي ( لن و لم ):

لن أبهجَ حتى يسقط
آخرُ طاغٍ في التأريخ
لن أفرحَ حتى أمسح آخر دمعٍ
في أجفان النّاس المحزونين
لن أضحك حتّى تطفئ
أحزانُ البشرية

حتّى يسقط آخر قس على آخر جدار من آخر كنيسة . الإنسان منذ أوّل نشأة له يتصارع . قابيل قتل أخاه هابيل .
مؤامرة قريش في محاولة قتل نبيّهم محمد (ص) و هو على فراشه .
يوليوس قيصر في مسرحيّة شكسبير صرخ و هو يحتضر:
حتّى أنت يا بروتس،شكوى يردّدها من تآمرَ عليه الأقربون .
النبيّ نوح و كيف أنّ أحد أبنائه لم يرضخ له بل تآمر عليه و هذا ما رأيناه في دراما خلاّبة ينقلها لنا الفيلم الهوليودي ( نوح  .. Noah) فيلم ملحمي ديني مع الدراما و الفنتازية السّاحرة إنتاج 2014 من إخراج دارين أرنوفسكي و كتابة أرنوفسكي و آري هاندل، بطولة البارع راسل كرو بدور نوح ثم أنتوني هوبكنز و أيما واتسون  و جينيفر كونلي .... فالتّأريخ عبارة عن دمع و بكاء و غياب الضّحك لكثرة ما تحمله الحياة من قسوةٍ و أسى. و لذلك الشاعر يقول:   ( لن أضحك حتّى تطفئ أحزانُ البشرية ) . الحزن يؤدي إلى القلق الذي هو أعظم شيء في الوجود على زعم علي أبن أبي طالب   و هذا بدوره يؤدي إلى الهلاك و الموت الذي يُخيف البشريّة بشكل عامّ و لذلك راح الشّاعر صادق يتخيّل خاتمته على يد( لبنى) التي هي على أغلب الظنّ زوجته كما سنبيّن لاحقا. إذن هي المرأة التي تكون حاضرة في قلب أيّ شاعر. و قبل هذه الخاتمة التي أرادها صادق أن تكون بين يديها أتحفنا عنها (المرأة ) في شذرة    ( حيثما تكونين ) :

حيثما تكون شفاهي تكونُ القُبل
حيثما تكونين أنت أكون أنا

هنا  عودة ثانيّة من قبل الشاعر إلى المرأة و احترامها، فهي عنصر الجمال، والجمال شيء رهيب و مخيف، الجمال هو الشطآن تتقارب هو الأضداد تتّحد هو رهيب لأنّه لا يُحدّد،هو الذي مَلئهُ الربّ بالألغاز و الأسرار و ما أكثر الألغاز التي تضني الإنسان في هذا العالم حيث تتركه ميتا راجعا إلى العدم الذي جاء منه و هذا الذي يُخيف الإنسان  و يُخيف الشّاعر أيضا بشكلٍ آخر لأنّ الشّاعر حين يموت تبقى أعماله سابحة في فضاء التّأريخ . و لهذا كتب لنا الشّاعر صادق نصّاً لرثاء النّفس قبل أوانها و رحيلها و هو يخاطب المرأة ذاتها في ( هذي خاتمتي يا لبنى):

إني أسأل يا لبنى؟
تُرى من يبكيني عند أفولي
كان العصفورُ صديقي
و الوردةُ جارتي الصغرى
و النهرُ يلوح لي ....
إنّما الآن أرحلُ وحدي
أجرجرُ عرباتِ خريفي صوب
الضفة الأخرى من هذا العالم
سيرقنُ قيدي في مشفى ما
و سأنسى بعد ثلاثةِ أيام
من فاتحتي

ثمّ يقول في نهاية القصيد وصيّته الأخيرة في شاهدة القبر التي يضعها أهله (هذا قبر الشاعر المدعو زعيري/لم يُمتع من رغد الدّنيا أبداً) . ثمّ يرجو في نهاية فصلهِ الدّامع فيقول :

أدعو أن لا تبكيني النّسوة ُ جهرا إلاّ ّلبنى

إذن هي ذمّة ودَين ألقاهما الشّاعر صادق على (لبنى) لما فيها من حبٍّ و مكانة عظيمتيْن في قلبه،و ذمّة خاصّة ربّما أراد من بكائها أن يرطب شفتيه العطشى للمرّة الأخيرة بدمعها النّازل على جسمهِ المسجّى     و هو ميتٍ بلا شعور،هكذا هم الشّعراء مجانين على الدّوام . ذمّة طاهرة خالصة ردّدها الشّاعر صادق ثمّ أعقبها بذمّة أخرى في عناقيده الموسومة بنصّ ( ذمّة):
ماذا تملك
لا أملكُ غير الكلمات
.....
في جيبي قلم
في المكتب طرس
ودمي صارَ الحبرُ مرارا
إنّي أموتُ وقوفاً
مرّاتٍ
مرّات ....
هذه المرّات يليق بها صوت المطرب الرخيم قحطان العطار الذي فرّ هاربا من جحيم صدام و استقرّ في الدنمارك مع آلة العود حين يصدح بأغنيّته   ( مرات أفرح من صحيح /مرات أحزن من صحيح / مرات أذب روحي على بابك /مرات أسلّيهه بغيابك /مرات بفراشي طريح ) .
لكن صادق لا ينطرح بل يظلّ واقفا مرات و مرات عند الموت البطيء الذي يعيشه أغلب العراقيّين،يظلّ واقفا كما الممثلّ الإيطالي ( فرانكو نيرو) في فيلمه الشّهير ( كيوما ) حين ينظر للعجوز التي تنصحه بأن يعتني بنفسه و يحذر من الموت المحدّق به فيقول لها و هو شاخصٌ فوق حصانه  (الرّجل الحرّ لا يموت أبداً..... ..The man free never die ) ثمّ يطلق لحصانه العنان و يغيبُ مع الرّيح الصرصر .
الوقوف الذي ينشده صادق يجعل من المرء شجاعا كراراً لا يفرّ و لا ينحني أمام الظلم و الاضطهاد لأن الخنوع العامّ هو الذي يصنع الطّغاة كما في نصّ ( متفرقات):

المشانقُ لا تنصبُ
إلاّ إذا كانتْ الرّقابُ متدلية
.........
عجبتُ لشعبِ يمنحُ السّوط َ..... للطغاة
و بعدها يبكي من الجَلد

مثل أولئك الذين وقفوا في طابور الجلاد الذي ذهب يشحذ السّيف لكثرة ما حزّ به من رقاب و لما عاد وجدهم ينتظرون برقابهم المتدليّة دون الهرب الذي كان متاحاً لهم . و ها هو شعبنا يذبح اليوم بطريقة همجيّة لا مثيل لها في التّأريخ القديم و الحديث . يضحك على شعبنا من قبل رجال الدّين الذين يصوّرون للنّاس من أنّ الدّين عبارة عن تسبيح و حمدلة و بسملة بينما هو أخلاق  و تصرّف قبل كلّ شيء مثلما قالها صادق:

الدّين ليس مسبحة
الدّين أخلاق

الدّين المسيّس في كلّ بقاع الأرض هو يعني التّدليس و الإتيان بما لا يصدّقه العقل من خرافات و أساطير و قصص يصدّقها البسطاء من النّاس لما في رجل الدّين من قوة الحيلة و حبك ما يقوله أمام الفقراء  و لذلك شهدت أوربا قبل قرون مضت العصر الذهبيّ للكنيسة و سلطتها التي كانت تسطّر أكاذيبها كما يروي لنا كتاب سير الشهداء القديسين و قصّة ذاك القديس الذي قام بمعجزات و استشهد في سبيل إيمانه حيثُ قطعوا رأسه فإذا هو ينهض فيتناول رأسه من الأرض ويعانقه بحنان ثمّ يسير مدة طويلة حاملا رأسه بيديه حانيا عليه ملاطفا له . هذه واحدة من سخريات الكنيسة أيّام زهوها و سلطتها . لكن مهمّة الأدباء و الرّجال الوطنيين هي فضح هكذا أحاديث سمجة. و لذلك أنجب التّأريخ أمثال مايكوفسكي السّاخر الرّهيب من رجال الدّين، تولستوي الذي أوصى قبل موته بعدم قراءة الجنازة على جثمانه . نيتشه الألماني المجنون الذي قال ( لقد قتلنا الله ) ،أمّا على مستوى العرب فلدينا أبو العلاء المعري     و المتنبي و الجواهري و آخرهم يحيى السماوي و غيرهم من الذين فضحوا المؤسسة الدينية المسيسة لما فيها من كذبٍ و أحابيل .
و لذلك نرى صادق على غرار ما ذكرناهم أعلاه راح يفضح الذين يريدون المضيّ بنا إلى قعر الجهل و التّخلّف لأغراض تخدم مصالحهم  و عيشهم الرّغيد . فأتحفنا في نهاية الدّيوان عن هذا الموضوع، النّهاية التي جاءت رائعة للغاية وعلى سليقتها دون التّخطيط لها من قبل الشّاعر حيث انتهت مع بلاد الرافدين و كأنّ الشّاعر بدأ بالوطن  و انتهى بالوطن،بدأ بهواء الوطن و أرض الوطن وترابه و انتهى بمائه، فكانت نهاية الدّيوان سمفونية حزينة قادمة من أزل ماء الرافدين صعودا إلى الأبدية اللاّمنتهية حيث تلويحة صادق الزعيري ( سلامٌ على الرافدين  ) :

سلامٌ على الذين صباحاً مساءاً
يسبحون بالملكوت
سلامٌ على الذين يبيعون البلاد
و هم جالسونَ على التخوت
سلام على موسادهم
سلام على  CIA
سلامٌ على سافاكهم
و لنا من الله الرحموت
سلامٌ على الذين ينامون بأرصفة الموت
لا ماء و لا قوت

هكذ انتهى الوطن بين رجال دين أفاكين يريدون تكفير فئة كبيرة من المجتمع كما أطلقها قبل أيام أحد رجال الدين الكبار على غرار معاوية الذي قال لأتباعه لقد قتل علي بن أبي طالب و هو يصلّي صلاة الفجر، فاستغرب النّاس و قالوا.. وهل عليّ يُصلّي !!!!!! لأنّ إعلام معاوية كان يروج بأنّ علي كافر . و هذا ما يفعله رجال الدّين في العراق من أنّ المثقّف و العلمانيّ مُلحد و كافر بينما انتهى الوطن بين مخابرات إسرائيلية و أمريكية و إيرانية .
أمّا الفقير لا يلتحف غير الرّصيف و الوطنيّة مثلما أطلقها محمود درويش في مقولته البديعة ( الوطن للأغنيّاء و الوطنيّة للفقراء ).

كلمة بحقّ الشّاعر :

أشعار صادق عبارة عن أحكام قيّمة ،فرضيات، إستيهام، تلازم إبداعي بعيد عن التّنظير، ترجمة الوعي الطبقيّ و الاجتماعي  و العشق البادي  و الغادي بشكل فنّي مبهر . في نصوصه نرى البوح الإعترافي و التأمّلي، الصّراخي، الموقفي، و الإشتهائي .
التفريغ البوحي و الواقعي لدى صادق هو أحادي التوجه كما المياه الهادرة في البحار و الأنهار . كما و ان المهمة السياسية  و الاجتماعية في شعر صادق هي التنديد بالاضطهاد و الاحتكار و الكبت و الاستغلال ثمّ الوفاء لقضيّة الشّعب أو المجتمع أو الطبقة.
صادق يكتب على سليقته لا كما بعض الشّعراء الذين يصوّرون لنا أنفسهم و إبداعهم من أنّهم يكتبون بتلك الدقة المتناهية مثل السّاعات السويسرية و خصوصا في مجال اللّغة التي يجعلون منها تطغي على إبداعهم.
صادق بالرّغم من كونه مدرّس اللّغة العربيّة و المتمكّن في تطويع الكلمة لكنّه أراد الانتصار لشعره على لغته و هذا هو وربي الشّاعرية بحقّ لأنّه لو انتصرت اللّغة على الشّعر في بوحه لكنّا أطلقنا عليه اللذغوي صادق أكثر ممّا نطلق عليه شاعراً فحلاً . كما و إنّ اللّغة منهجيّة و تعليم لكن الشّعر موهبة ولذلك راح صادق يكتب بتلك السّلاسة التي تعجب القارئ العادي و اللّغوي على حدٍّ سواء.
الكلمة بالنّسبة لصادق ذات أبعاد و أغوار تكشف أنواع مستويات الإدراك   و التّخمين لذات الواقعة و الحدث و تشكّل لنا الحكمة و الموعظة            و التسلية معا و هي على صلة دائمة بالنّظام الفكري لأشعاره و لا يمكن لنا أن نفسّر ما يقوله سطحيّا لأنّها.... خلاصة زعيرية محضة...... عن رأيهِ فيما يدور عن الحياة .