الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟


المحرر موضوع: الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟  (زيارة 73 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 210
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2017
يخشى الكثيرون ممّا يجري على الساحة السياسية العراقية من مناورات وتغييرات واتفاقات جديدة وتشظيات لأحزاب وكتل، من أن تتحول كل ّ هذه التحرّكات إلى هاجس يقضّ مضاجع أصحاب الفكر المتلوّع منذ سنين بفعل أجندات الأحزاب الطائفية والإسلامية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع وعدم تلبيتها لطموحات العامّة من الشعب الذي أولاهم الثقة مرّة تلو الأخرى. ومع اقترابنا من موعد استحقاق انتخابيّ وشيك، إنْ سارت الأمور بحسب المخطَّط له، تلوح في الأفق تساؤلات كثيرة ومبرّرة تقتضيهاماجريات المرحلة وخطورة الوضع الساخن والشدّ القائم بين الزعامات ومراجعها، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا إضافة إلى اتساع حيّز الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتقاطعهامع طموحات إقليم كردستان الذي زاد من مكابرته بتهديداته المتواصلة بالانفصال وتقريره إجراء الاستفتاء في مناطق خارج حدوده، وذلك باستخدام سياسة ليّ العنق وفرض الأمر الواقع على مناطق محرّرة لم تكن يومًا جزءًا من المنطقة الكردية المتنامية على حساب المركز، مستغلاً انشغال الدولة وتشكيلاتها الأمنية بتطهير البلاد والأرض والإنسان من خوارجالعصرالمتمثلة بروافض داعش الإرهابي.
إذن، مع تزايد حدّة التوترات بين شركاء العملية السياسية عمومًا، ومنها ما ضربَ أوساط أحزابهم التي نخرتها التحزّبات والخلافات والانقسامات، يبدو المشهد السياسيّ أمام خيارات صعبة، وبسببها وعلى ضوئها تسعى بعض الزعامات التقليدية التي لبست عباءة الدين في بداية مشوارها، للهرولة للحاقبالتيار المدنيّ الذي غزا الشارع العراقي بفعل نشاطه وحراكه الشعبوي والجماهيري، لعلّهم بذلك يسترجعون نزرًا من تعاطف الشعب الذي منح حراكَ هذا التيار العفوي ثقته بعبور محنة الفشل نحو بصيصٍ من برّ الأمان. وسواءً التحق بعضٌ من هؤلاء المتسارعين الفاشلين، نحو القاعدة الشعبية التي التحقت منذ حينبحراك التيار المدني-العلمانيّ وسارت وفق منهاج مخطَّط له بخطى ثابتة، أم اتخذوا لهم خطوطًا ومسارات جانبية محاذية لهذا التيار، فإنهم بهذه الحركة الذكية يكونون قد أدركوا أنّ الشعب قد أصدرَ حكمه على فشلهم وعلى خيبة أمله من سلوكياتهم ومن لهاثهم وراء مصالحهم الضيقة، أيًا كان عنوانُها.فشعار"باسم الدّين باقونا الحرامية"، الذي رفعته جماهير هذا الحراك، ما يزال يرنّ في آذانالشعب ويقضّ مضاجع المعنيّين به. ومن ثمّ، فأيةُ محاولة في هذا الاتجاه لثني الشعب عن مطلبه بضرورة التوجه نحو دولة مدنية متحضّرة سوف لَن يُكتب لها النجاح، حتى لو تخلّى أمثال هؤلاء عن عباءة الدين والطائفة والمذهب والعرق، وانتفضوا أو انقلبوا ضدّ مشاريع أحزابهم الدينية والطائفية والعرقية أو غيّروا من الشعار والهدف والتسميات. والسبب بسيط، لأنّ مثل هذه الألاعيب قد أصبحت مكشوفة، ولا يمكن للبيب أنْ يُلدغ من جحره مرتين. فجزءٌ من الشعب الذي فعلها أكثر من مرة ويريد تكرارها، لا سمح الله، إنّما لأنّه سيبقى مجموعة بائسة و"حفنةً" هشّةمن التوابع بلا غيرة وطنية ولا شعور بالمواطنة الحقيقية أو بالانتماء الأصيل إلى الأرض والوطن.
من هنا، يأتي دور النخبة الواعية في هذا التيار، بعد إجادة دراسة الأسباب والمبرّرات وإحاطتها بطموحات الشعب وطلباته. وهذا ما أتت به ضمن برامجها واستراتيجيتها الملهمة بعد دراسة كلّ هذا وذاك، حيث لم تأتي من فراغ، بل من قدرات وطاقات مفعمة بحب الوطن ومترعة بالفكر النيّر والرؤية الوطنية الواضحةالتي تسعى لتوجيه الدولة نحو بناء ديمقراطي مؤسساتي بكلّ مفاصلها وفق المتغيرات الجيوسياسية والتحولات المادية المتعاقبة وليس الانكفاء على عقيدة أو مذهب أو أيديولوجيا غريبة عن الواقع أو عفا عليها الزمن. ومن ثمّ ينبغي مواصلة المسيرة الظافرة حتى بلوغ المأرب وتحقيق الهدف.
عندما انبرى التيار المدني، "الوطني" في وصفه أكثر من غيره، بسبب رفضه للنهج الدّيني والطائفيّ والمذهبيّالضيّق الذي سلكته أحزاب السلطة واستقوت به سلطة بعض الأحزاب، لاسيّما المحسوبة على تيار الإسلام السياسي وأصحاب المشروع الإسلامي، أقامت هذه الأخيرة الدنيا ولمْ تقعدها، متهمة أتباع التمدّن والتحضّر بالخروج عن نهج تعاليم الدين السمح، وبمحاولة علمنة الدولة وسلطتها، وبإبعاد الحكومة وأساطينها عن تطبيق شريعة الله في الأرض بالطريقة التي يريدها هؤلاء، أو بعض هؤلاء. ومع مرور الأيام، استطاع هذا التيار "الوطني" النشط أن يستقطب الجمهور ويكسب شرائح محسوبة على أتباع السلطة، أو بالأحرى بعضًا من المكوّنات الحزبية المنخرطة في العملية السياسية، ومنها بما لا يقبل الشكّ تيار الأحرار الذي لقي دعمًا ومشاركة من زعيمه الجريء، شريطة بقائه أمينًا للغاية المرجوّة من التحاقه به، ورهنَ مواصلة المشوار مع باقي التنسيقيات المثابرة من دون العبث بالهدف الأسمى الذي يرنو إليه أصحاب الرؤية الوطنية الصادقة.
مثل هذا النجاح المحسوب للتيار المدني "الوطني"، إنْ دلّ على شيء، إنّما يندرج ضمن المكاسب والمآثر التي استحقها الناشطون فيه، بعد إفلاحه بكسب ودّ الشارع الثائر الغاضب المتلوّع، وقد انتخى له متطوّعون وعفويّون اكتووا بنيران أحزاب السلطة الفاشلة، مثل سائر أبناء الشعب الذي مازال يتحمّل وطأة أخطاء السلطات المتعاقبة ويرزح تحت ثقل فسادها وفشلها. من هنا، كانت مساهمة هذا التيار في كشف المستور من فساد السلطة عبر إدامة تظاهرات الجمعة المطالبة بالإصلاح وبالخدمات وبمحاسبة الفسادين الذين مازالوا أحرارًا يديرون امبراطوريات مالية ومشاريع وهمية وسرقات تثقل كاهل ميزانية الدولة، سواءً بمرتباتهم الخيالية أو بالمكارم التقاعدية أم بوضع اليد على تخصيصاتالوزارات التي تُقيّدُ للجهة التي تتولى تسييرَ دفتها وإحكامَ سطوتها عليها.
كلنا نعلم، أنّه لولا تراخي أصحاب السلطة والصراعات المتواصلة المتصلة بالعملية السياسية وبين أحزاب السلطة، لما سقط أكثر من ثلث مساحة البلاد بيد حفنة من العصابات الإجرامية التي لا وطنَ لها. ألمْ تضطرّ الحكومة الحالية تحت تزايد الكثير من هذه الضغوط، لإنقاذ البلد وأهله من مصيبة كادت تنهي حضارة وادي الرافدين ويُقرأ السلام عليه وعلى أهله لفترة غير محسوبة من الزمن؟ إنّ التعجيلبتحرير الأرض، التي تسبّبَت بها زعامات في الحكومة السابقة بتلكؤِّها عنأداء واجبها الوطني، قد قطع الطريق أمام تحقيق حلم عصابات العصر المجنونة بفكرها المتخلّف والمهووسة بأدواتها الجرمية البشعة، لإلغاء حضارة وادي الرافدين وشطب اسم العراق من الخارطة. فما حصل، كان ناجمًا عن صراعات طائفية ومذهبية وفئوية وأحيانًا فردية وشخصية بين أطراف تتشارك الحكم والسلطة والمال. وإزاء ذلك،فقدَ المواطنُتوازنَه ولم يعد يدرك إنْ كانت هذه الأطراف تحكم بحكم الشراكة والتوافق والاتفاق، أمْ إنها تسلك خطّ المعارضة بالاعتراض على كلّ شيء يصدر أو يبدر أو يُنجز من جانب حفنة السلطة، دولة وحكومةً وقضاءً. من هنا، يكون أتباع هذا التيار "الوطني" قدأجادوا الحكمَ لصالح توجيه كل أنشطتهمباتجاه بناء دولة مدنية متحضّرة تساوي بين مواطنيها وتحكم بالعدل ويسودُها دستور متطوّر يتناسب مع تقدّم العصر وتنوّع الفكر، وكذا بتحدّي أية محاولة لشقّ وحدة الأرض وتمزيق أواصر الشعب ومنع تقدّم المواطن أيًا كان،ومن دون تمييز.
ليسَ من السهل إحداث تغيير في ثقافة شعبٍ صادرتْ أحزابُ الإسلام السياسيّ إرادتَه بالطريقة التي عرفناها، وما تزال هذه وموالوها،يبتكرون غيرها من أجل ترويضه وإبقائه أسيرًا لأجنداتها وضمن قفصها العاجيّ بسبب ما أتى ذلك من ثمارٍ مادية وسلطوية على زعاماتها وأفرادها ومَن يقف وراءَهم داعمًا ومشجّعًا ومهدّدًا في أحيانٍ كثيرة. ف"مَن شبَّ على شيء، شابَ عليه". لكنّ روح المثابرة التي اتسم أتباع هذا التيار ومَن التحق به لاحقًا ومازال، كانت خيرَ محفّزٍ للمضيّ قدمًا، مهما كانت الصعاب وبلغت وطأة الاعتراض ولغة التهديد وأدوات التعسّف التي رافقت تظاهرات أيام "الجمعة" التي أصبحت تقليدية، من أجل نشر الوعي الثقافي والدعوة للدولة المدنية التي أضحت ضرورة بعدما شكّلت هاجسًا يتخوّف منه أصحاب المقدرة لدى الزعامات وفي صفوف السلطة التي روّضت القضاء وجعلتْ منه أداة لتأييد توجهاتها المنحرفة. ولو أنّ سلطة القضاء كانت على استقلالية في نهجها، لما استطاع مَن يمسك بزمام السلطة وبأبوابها الاقتصادية ونوافذها المالية أن يظلّ خارج دائرة المساءلة والأحكام العادلة. وهذا واحدٌ من أسباب عدم حصول تقدّم في الوضع المزريّ القائم منذ الغزو الأمريكي في 2003، بعدما خبرنا حكمًا دكتاتوريًا عائليًا دام أكثر من ثلاثة عقود، ولم نتعلّم الدرس. فالفاسدون والمفسدون في الوطن مازالوا أحرارًا طلقاء يتخوّف القضاء من ملاحقتهم ومحاسبتهم.
في الاستحقاق القادم، قد تبدو الطموحات بتحقيق شيءٍ من جزئيات الدولة المدنية، بمثابة ضوء آخر يلمع في أفق المستقبل. وهذا بحدّ ذاته بعضٌ من نجاح يُحسبُ لصالح النشطاء في التيار المدنيّ المتنامي الذي ينطلق ويتحرّك وفق رؤية سياسية واضحة، واسعة، إيجابية في التخطيط والمتابعة والتنسيق. فقد سئم العراقيون وعود الساسة الذين صادروا كلّ شيء، حتى إرادة الناخب وطموحاته في العيش الآمن وتحقيق السلام وراحة البال وبناء ما دمّرته الحروب والنزاعات والخصومات. وهم اليوم، أمام انتصارٍ ثانٍ، إن استطاعوا تحقيقه برفض كلّ فاشلٍ وفاسدٍ وكاذبٍ من الساسة الذين لعبوا بمقدّرات البلاد والعباد وأهانوا الإرادة وخانوا الأمانة، فسيثبتون حقًا أنهم أحفاد حضارات وسليلو أمجاد وبناة بلدان. ولكنْ، إنْ حصل وأعاد هؤلاء الساسة الفاشلون، المفسدون منهم والفاسدون، أو بعضٌ منهم، ذاتَ الدعاية الانتخابية وأفلحوا باستمالة شرائح من الناخبين البسطاء إلى صفوفهم ثانية بأية وسيلة قدرية أو دينية أو أية إرادة قهرية أو ترغيبية، فإنّ الدور الأكبر سيقع على المثقف وصاحب النهج الوطنيّ وحامل الفكر الإنسانيّ الناضج الذي لا يرضى بالظلم ولا يقبل بالوسائل القسرية مهما تنوعت وتشعبت وامتدت. فدور هذه الفعّاليات الثقافية والتنويرية مهمّ في إدامة تنوير العامّة التي يسهل اختراق إرادتها بفعل المغريات على تنوعها، مادية كانت أم بشكل وعود أو على أطباق دينية أو أوتارٍ مذهبية أو دفوفٍ فئوية. فهذه الأخيرة، أي الأحزاب المتجلببة بعباءة الدّين والعرق والمذهب، قد أثبتت الأيام، أنها غير قادرة على بناء وطن موحد جامع لكلّ المواطنين باختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، ولا أن ترسي سلامًا، ولا أن تخلق واحة للأمن وطمأنينة البال وراحة الفكر، بسبب نهجها الطائفي وسلوكياتها في الفساد المستشري في عظام زعاماتها ومَن والاها وناصرها وركبَ مشاريعها الطائفية والفئوية.
إزاء ذلك، ينبغي أن يأخذ هذا التيار ضمن استراتيجيته المستقبلية ودعواته للإصلاح بشيء من الأولوية، تأييد إجراء مراجعة شاملة للدستور ولبعض القوانين المجحفة التي تمّت المساومة عليها بالتوافق، بالرغم من فداحة مضارها وتأثير تطبيقاتها على شرائح واسعة مهمّشة في المجتمع العراقي ومنها تلك القليلة العدد، بسبب من تعالي بعض الزعامات وأحزاب السلطة على هذه الأخيرة وعدّها ثانوية، وعلى هامش الأغلبية الحاكمة. وإنْ كان فات أمرُ تفعيل بعض البنود التي أقرّها الدستور الأعرج الذي كُتب بنهج محاصصة طائفية تؤمّنُ حصص المشاركة في الحكم على أساس مكوّنات طائفية وإتنية، فلا بدّ من الضغط أيضًا قبل التوجه للاستحقاق الانتخابي القادم، باتجاه إعادة مطالبة النظر بهذا الدستور منذ الآن، وتكليف فقهاء ومتخصّصين في القانون لإعادة النظر في الكثير من بنوده التي خلت من سمة المواطنة والوطنية، ومالت أكثر لسياسة التحاصص على حساب المصلحة العليا للوطن ووحدة الأرض وبناء الإنسان وبيته وحفظ ممتلكاته وصيانة فكره وتأمين حرية الاعتقاد لديه.
هنا، لا بدّ من التذكير أيضًا، بضعف دور الجهة التشريعية التي لمْ تأمنْ من نخرها بالفساد وابتعاد ممثلي الشعب عن صيانة عهودهم لناخبيهم واللهاث وراء منافعهم الخاصة عبر مساومات وتشكيل صفقات مشبوهة بالضدّ من إرادة ناخبيهم. ونظرًا لضعف الرقابة على هذه الجهة، ولما يدور في الكواليس في مثل هذه الصفقات والمساومات، حبذا، لو زاد هذا التيار "الوطني" كذلك، من فعّالياته نحو المطالبة بإقرار تشكيل المجلس الاتحادي، الذي قد يكون ذراعًا قويًا في مراقبة الجهة التشريعية، التي زاغت وتلكّأت عن تلبية طموحات الشعب بإقرار القوانين التي تعزّز من قدرة الشعب وتجعلُه صاحب الحق قبل المسؤول في الدولة. فهذا الأخير، يُفترض أن يكون خادمًا للشعب وليسَ تمثيلَهلدور السيّد القابع في البرج العاجيّالمُحاط بالخدم والحشم، والمفعم بتكديس الأموال وبناء مؤسسات عقارية وشركات تجارية وأبراج انبهارية، بعد أن أعانه الدهر على تسلّق منصب واحتلال مسؤولية، غالبًا ما لا يستحقّها. وهذه حال الكثيرين من حديثي النعمة الذين أسقطتهم الأحداث المأساوية بأقدارها ليتسلّقوا على أكتاف غيرهم ويستغلّوا ما يستطيعون لصالحهم بالوسائل التي تعينهم على ذلك أو تلك التي يسعون إليها بوسائلهم الخاصة.
العراقيون اليوم جميعًا، أمام امتحان عسير، إن لم يستطيعوا تجاوز الأسئلة الصعبة فيه والردّ عليها بصورة إيجابية للتخلّص من الورطة التي أوقعتهم فيها الفلسفة الأمريكية الغازية لعقول الساسة الفاشلين ومَن والهم، بإدامة مشروع المشاركة التحاصصية للمكوّنات بدلاً من سيادة دور المؤسسات التي تبني الدولة وتدير شؤونها وفق الدستور والقوانين الوضعية، فإنّ مصيرهم الفشل مثل ساستهم. في هذه الحالة وفي ضوء نتائج الفشل، لا سامح الله والقدر، سيضطرّ الكثير من أتباع الديمقراطية الحقيقية والمنادون بها سبيلاً حيّا لإرساء السلام وعودة اللحمة الوطنية، إلى مغادرة الأرض وتفضيل الغربة حيث الأمن والأمان وسيادة القانون واحترام الإنسان مهما كان لونُه وشكلُه وعرقُه ودينُه ومعتقدُه.
لم يعد بوسع العراقيّ الناضج أن يتحمّل أكثر ممّا لاقاه وما شهده من مآسٍ وتجاوزات، بسبب حالة الفوضى وضعف المؤسسات الخدمية والأمنية والسيادية التي خلت منها الديار العراقية المعروفة بأصالتها وقدراتها. فكلّ يومٍ يمرّ، يطلع علينا البدر والقمر والشمس بمصائب وأعمال قتل ونهب وسلب واحتراب بين الإخوة الأعداء. وإنّه بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية لدور المواطن وحقّه في المواطنة، يدفع الفقير وطالبُ الرزق النزيه حياتَه قربانًا بسبب الانفلات القائم حاليًا في الشارع العراقي، تحت مسميات كثيرة، ومنها بذرائع تطبيق الشرع بحقّ المختلفين عن دين الأغلبية. فهل نحن نعيش في دولة تحكمها شريعة الغاب وفق مفهوم نفرٍ من الفقهاء ضيّقي الأفق وعديمي النظرة الإنسانية وفاقدي البصر والبصيرة في حقوق خلق الله، الذي خلق العالمين مختلفين وفق نظرة ربّانية واسعة الأفق وتحت خيمة إنسانية وارفة الظلال؟ أمْ إننا نسعى لبناء دولة حضارية، عصرية، "مدنية"، ترقى بالإنسان إلى مقام الآلوهة التي حكمتْ بقدرتها بتساوي البشر في الخلق، إلاّ في الكفاءة وجودة الأداء وحبّ الله والإنسان والرحمة للآخرين وبالعبادة الصالحة والنصح بالحق بلا ملامة ولا افتراء ولا نفاق؟
يبقى هذا السؤال، نصب أعين المواطن البسيط والمثقّف على السواء، شاخصًا. ويتحمّل قادة التيار المدنيّ ومناصروهم من المتطوّعين ومن أتباع الأحزاب النظيفة التي تطالب وتسعى لتحقيق بلوغ الدولة المدنية، مسؤولية مواصلة الفعّاليات الوطنية من تظاهر متكرّر وتنسيق عالٍ بين روّاد الفكرة والشارع، وتجييش الأخير وتحشيد كلّ جهوده لصالح هذا المشروع، الذي إنْ جرى تجاوزُه إيجابًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، فذلك يعني، وضع سكّة البلاد على الطريق الصحية الصحيحة. وفي ضوء هذه الأمنيات التي نأمل تحقّقها، سنصل بالبلاد والشعب على السواء إلى برّ الأمان وعودة البلاد وأهلها إلى الرقيّ في كلّ شيء، في الفكر المتنور والخدمة العامة والعلوم المختلفة التي فقدناها بسبب زلّات الساسة وفساد الحكّام والسلاطين.