ما حال 'النصف' الذي يربي النصف الآخر من المجتمع على نبذ التطرف


المحرر موضوع: ما حال 'النصف' الذي يربي النصف الآخر من المجتمع على نبذ التطرف  (زيارة 444 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 21523
    • مشاهدة الملف الشخصي
ما حال 'النصف' الذي يربي النصف الآخر من المجتمع على نبذ التطرف
لا يمكن الحديث عن مكافحة الإرهاب دون الاهتمام بدور المرأة في المجتمع بداية من التنشئة ووصولا إلى الشراكة مع الرجل في تأسيس أسرة سليمة متوازنة ومعتدلة، وهذا الأمر لن يتم في الوضعيات التي تعاني منها المرأة العربية شتى أنواع البؤس والهزال الاجتماعي والتعليمي والسياسي، ومن هذا المنطلق كان لا بد من عقد اللقاءات التشاورية مع كافة هياكل ومؤسسات المجتمع.
العرب/ عنكاوا كوم حكيم مرزوقي [نُشر في 2017/09/22، ]

المرأة أكثر المفجوعين من الإرهاب
المؤتمر الذي نظمه فرع المجلس القومي للمرأة ببني سويف المصرية الأربعاء الماضي وحمل شعار “المرأة المصرية صانعة السلام.. معا ضد التطرف والإرهاب”، محكوم عليه بأحد الأمرين: إمّا أن يكون حدثا صانعا للأحداث ومؤثرا في التطورات التي ستعقبه كما يصبو إليه أصحاب النوايا الصادقة من المشرفين عليه والمشاركين في فعالياته، وإما أن يطوى أدراج النسيان وتخبو أوراقه وتوصياته فيذهب هباء منثورا مثل كل المهرجانات الخطابية في العالم العربي، والتي تعزز حجة القائلين من المغرضين أو غير المغرضين بأن العرب ظاهرة صوتية.

ولكي لا ينزع المرء نحو التشاؤم، ويكتفي فقط بالنظر إلى النصف الفارغ من الكأس، فكل شيء يبدو مطمئنا وجديا في قاعة المؤتمرات بكورنيش النيل بمدينة بني سويف، وتحت رعاية رئيسة المجلس القومي للمرأة، وبحضور محافظ الإقليم، وعدد من القيادات التنفيذية والأمنية بالمحافظة، إضافة إلى أن هذا المؤتمر جاء متزامنا ومواكبا لاحتفالية اليوم العالمي للسلام الذي أقرته الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر من كل عام.

ولأن النصف المليء من الكأس هو واقع يتمثل في توفر وتضافر العزم على مكافحة الإرهاب من طرف الجهات الرسمية والمؤسسات المدنية وحتى الدينية، ومن خلال أنبل مصادر السلام رمزية وعطاء إنسانيا وهو المرأة، فالسؤال الأهم هو ماذا سنفعل بهذا النصف المليء من الكأس؟ هل نسفحه ونهدره بالمزيد من التضييق على حرية المرأة وهضم حقوقها أم نستفيد من تلك التي تمثل نصف المجتمع وتربي نصفه الآخر؟

المرأة المصرية، مثل نساء عربيات كثيرات، مشهود لها بتحمل أعباء ومسؤوليات جمة داخل البيت وخارجه، لكن مسألة التصدي للتطرف والإرهاب لا تتحمل وزرها وحدها في مجتمعات ذكورية يحدد فيها الرجل مصير المرأة منذ ولادتها ونشأتها، وهو بالتالي يساهم في نحت وتشكيل المرأة التي تمثل نصف المجتمع وستربي نصفه الآخر.

هذه المعادلة تخضع لمنطق رياضي تفاعلي صائب لا محالة، فالرجل في المجتمع الذكوري هو الذي يحمل المرأة على الانخراط في الجماعات الإرهابية نازعا عنها طبيعتها الإنسانية الرؤوم أو يبقيها في موقع الدفاع عن القيم النبيلة المتمثلة في مكافحة التطرف والكراهية والاعوجاج الأخلاقي.

الرجل في المجتمع الذكوري هو الذي يحمل المرأة على الانخراط في الجماعات الإرهابية نازعا عنها طبيعتها الإنسانية الرؤوم
المرأة المصرية والعربية عموما تقف على جبهتين: الأولى هي محاربتها للتبعية، والثانية هي محاربتها التطرف وسط خلية العائلة عبر اعتماد أساليب التربية الصحيحة والمعتدلة، أمّا إن قدر لها أن تلتحق بجبهة القتال الفعلي مع القوات المسلحة ضد العصابات التكفيرية فهذا فعل نضالي يضاف إلى إنجازاتها، وقد حصل ويحصل في بلاد عربية وإسلامية تقاتل فيها المرأة فلول الإرهاب.

الذي يجعل من المؤتمر واعيا لمسؤوليته وحريصا على تحديد أهدافه، هو أنه لم يكن على شاكلة تلك التجمعات النسائية التقليدية في العالم العربي، والتي تثار فيها نزعات نسوية تحريضية ضد الرجل دون تشخيص واع للأزمات، فلقد حضرت فيه شخصيات وفعاليات وحساسيات عسكرية وأمنية وفكرية ودينية، تجعله يوزع مسؤولية تصدي المرأة للتطرف على كل الأطراف السياسية والمدنية والروحية.

ولم يغفل المؤتمر عن تشريك كل مكونات المجتمع انطلاقا من مفهوم وقاعدة المواطنة، ذلك أن تغييب طرف أو أقلية يعدّ أمرا خطيرا من شأنه أن يزرع بذور الفتنة ويعزز الانعزال والسلبية إزاء موضوع الإرهاب، فكان حقا وواجبا على المكون المسيحي أن يحضر باسم المواطنة أولا ثم لكونه أكثر الأطراف تضررا واستهدافا لوجوده من طرف العصابات التكفيرية، وهو ما أكده القمص بطرس بطرس بسطوروس، وكيل عام مطرانية دمياط وكفر الشيخ، من خلال التركيز على أهمية دور المرأة وتفعيل مشاركتها في بناء المجتمع، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، ودورها في مواجهة مختلف التحديات، ودورها في تعزيز مسيرة البناء والتطوير؛ بشراكة الجميع في القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، مشيرا إلى أن المرأة هي صمّام الأمان كونها مربية الأجيال، ولها دور كبير في رسم مستقبل المجتمعات.

المرأة المصرية تستحق اهتماما أكثر بالنظر إلى المسؤوليات الملقاة على عاتقها وانخراطها في الحياة العامة في بلد ذي ثقل بشري وسياسي وتاريخي مثل مصر، وكذلك بسبب خطورة مستوى ارتفاع الأمية (الحليف الافتراضي للإرهاب والتطرف)، ولكن الأرقام والمعطيات والمبادرات التي تصب لصالح تقدم المرأة العربية ليست كافية، ولا مؤشر على تجاوزها عتبة الخطورة في الانزلاق نحو التطرف، فتونس التي تعد من البلدان العربية الرائدة في حقوق المرأة، تعد مصدرا مخيفا للنساء المقاتلات في صفوف داعش، وعرفت ولا تزال تعرف وجوها إسلامية متطرفة من النساء اللاتي يعتبرن حرية المرأة ضربا من الفسق والكفر، ولعل أوضح مثال على ذلك ما كتبته إحدى المنخرطات في تنظيم إسلامي تونسي محظور “حزب التحرير الإسلامي” منذ أيام؛ تقول هذه الفتاة على صفحة الجريدة الإلكترونية وعلى خلفية القرار الرئاسي الأخير بالسماح للفتاة التونسية المسلمة بالزواج من غير مسلم: وها هو السبسي يودّ أن ينجح في ما فشل فيه أسلافه ويلغي البقية الباقية من أحكام الإسلام من الحياة العامة، يفعل ذلك وهو يرنو لتحقيق مرضاة الغرب وعينه ترقب رد فعل الناس. وتستغيث هذه الفتاة في لهجة ذات صراخ تحريضي واضح “فيا أهلنا في تونس، قوموا لدينكم ناصرين وأعلنوا تمسككم بأحكام شرعكم الحنيف، وقِفوا في وجه دعاوى الباطل وحاسبوا حكامكم على ما تقترفه أياديهم الآثمة المتنكبة عن الحق ونصرته”.

الجماعات التكفيرية تلعب على أوتار القبلية والعشائرية، وتجد لها مرتعا في التجمعات الزراعية التي للمرأة فيها حضور قيادي
وتختتم هذه الفتاة الحاملة للجنسية التونسية، والمتمتعة قانونيا بحقوق لا تعرفها نظيراتها العربيات، مقالتها التحريضية الموجهة إلى إسلاميي بلدها بقولها “إن سكتم اليوم عن إقرار هذا القانون الذي يُحل زواج المسلمة من الكافر، فغدا ستشهدون تبديل أحكام الشرع للمواريث وغيرها وغيرها، وستسألون أمام الله عن صمتكم وتخاذلكم”.

هذه الفتاة تشاركها في نفس الجنسية مواطنة أخرى، نوردها هنا على سبيل المثال لإبراز حدة التناقض، وهذه المواطنة هي سهام بلخوجة، مصممة الرقص التعبيري التي أكدت أهمية فكرة محاربة التطرف عبر توظيف الرقص بما يعطيه من طاقة تحررية خلاقة، تخرج الجسد والعقل من حالة الغضب والتعصب، واستطاعت بلخوجة أن تجمع في مركزها مجموعة من الشباب كانوا يعتزمون التوجه إلى سوريا وليبيا قصد القتال مع الجماعات التكفيرية، لكنهم في آخر لحظة تراجعوا متأثرين بأسلوب هذه الفنانة في البحث عن الطاقات الشابة في الأحياء الشعبية، وقدرتها على احتوائهم وتحويل وجهاتهم نحو الأنفع والأبهج في الحياة.

وبالعودة إلى مؤتمر “المرأة المصرية صانعة السلام.. معا ضد التطرف والإرهاب” الذي اختتم أخيرا في بني سويف المصرية، بتوصيات لا تتأكد أهميتها إلا بضرورة المتابعة والعمل على تنفيذها في بلد ما زال يضرب الإرهاب في عمق محافظاته وقراه النائية التي يجب أن تتسلح بالتنوير سبيلا لمكافحة التطرف، لا بد من لفت النظر إلى أن الجماعات التكفيرية تلعب على أوتار القبلية والعشائرية، وبالتالي تجد لها مرتعا في التجمعات الزراعية التي للمرأة فيها حضور قيادي ملفت رغم انتشار الأمية.

وإذا كانت المرأة الريفية تتعرض لأخطار التجنيد المباشر أو غير المباشر من طرف المتطرفين بسبب الأمية، فإن المرأة في المدن والتجمعات السكنية الكبرى ليست في منأى عن شبكات الإرهاب والتجنيد عبر طرق أخرى لعل أسهلها “عدم أميتها” وعمليات التصيد في شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا ما حدا برئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى أن يلتقيا مع رؤساء وممثلي شركات مثل غوغل فيسبوك، لحثهم على القيام بالمزيد من الجهود في محاربة الإرهاب. فوفقا لوزارة الداخلية البريطانية فإن داعش نشر 27 ألف رابط لمواد إرهابية خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، وإن هذه المواد بقيت على الإنترنت لمدة 17 ساعة في المعدل قبل حجبها.