صيحات إيليا العجوز امام المذبح (قصة قصيرة)


المحرر موضوع: صيحات إيليا العجوز امام المذبح (قصة قصيرة)  (زيارة 128 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري منتديات
  • عضو مميز
  • *
  • مشاركة: 1786
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



صيحات إيليا العجوز امام المذبح!!
بقلم يوحنا بيداويد

ملاحظة
مقال جديد  على شكل قصة قصيرة
نشر في نشرة نسمة الروح لارسالية الروح القدس للسريان الكاثوليك في مدينة ملبورن
يحمل في طياته هموم شيخ عجوز في المهجر

كعادته اليومية، ركع إيليا العجوز امام صليب المذبح، غمض عيناه وراح يصلي بصوت خافت. لم تمر برهة حتى صعد صوته من الهمس الى مسامع المصلين الموجدين داخل الكنيسة متسائلا:" الى متى؟ الى متى؟".
   بعد تردد هاتين الكلمتين، خيم السكون داخل الكنيسة، واندهش الحاضرون من سماع هذه الكلمات المتقطعة، فهذه ليست من عادة هذا العجوز الهادئ ان يعلو صوته حينما يصلي، بدأ يسال المصلين بعضهم الآخر:” ماذا حدث له؟ مع من يتحدث هذا الرجل الذي تعودنا على رؤية ملامحه الهادئة، الابتسامة المعبرة عن القناعة، فمحياه كانت تشير الى قبوله كل شيء بدون تذمر او شكوى؟ "
طمأنتْ زوجة الشيخ النساء الجالسات حولها والدمعة في مقلتها قائلة:" لا تقلقن، لا يوجد ما يجلب الازعاج، كلما ما في الامر، بدأ إيليا في الآونة الأخيرة يصلي بصوت عالي" توقفت هنا وكأنها تريد إخفاء شيء ما.
سألت احدى الجالسات قربها:" وما السبب يجعله ان يرفع صوته عالياً؟ الا يعرف انه في كنيسة، وكل الناس تصلي بهدوء وخشوع فيها؟"
اجابت العجوز:" من شدة ضيقه النفسي، فهو لا يجد من يهتم به او يشاركه في همومه، ولا من يسمعه او يسمح له بالحديث، فيلتجئ الى الصليب، اثناء صلاته يشكو له عن همومه، كأن ربنا يسوع المسيح جالس يستمع اليه" كأنما كانت تريد تقول انه الممر الوحيد الذي يتنفس من خلاله فيخرج كل ما في اعماقه!
في باحة الكنيسة اقترب رجل معروف بسخريته وقلة ادبه اسمه (تيمز) من زوجة الشيخ حينما كانت تنتظر زوجها ان يخرج من الكنيسة قال لها مازحا:" كنت أرى في ركوع الشيخ اليوم امام المذبح، وصوته العالي اثناء الصلاة، صورة معاكسة لقصة زكريا المذكورة في الكتاب المقدس، حينما ترآى له ملاك الرب داخل الهيكل وهو يقدم البخور للمذبح "
اجابته زوجته بحزن عميق وهي تحاول تدافع عن زوجها كمن عمل اثم كبير: " لا تظلموه فهو طاعن في السن، وفي هذه الأيام أصبح حساسا لكل شيء " ثم توقفت من الكلام.

وفيما هما يتحدثان عنه، خرج إيليا العجوز من داخل الكنيسة، يخطو خطواته ببطء وصعوبة شديدة، مثقلا بالهموم، كأنما يحمل هموم الدنيا كلها على اكتافه!!
تجمع حوله اصدقائه المعمرين، الذين لا تجد غيرهم في الكنيسة في كل مناسبة، مستفسرين عن صحته. فيما كانوا يتحدثون، بادر تيمز المشاكس سائلا بسخريته المعهودة الشيخ المعمر:" هل من نتيجة لطلباتك الصاخبة في هذا الصباح داخل الكنيسة ؟!".
 نظر اليه إيليا الشيخ بطرف عينيه بغضب شديد، ثم هز رأسه يمينا ويساراً عدة مرات، شعر الحاضرين حدثت غصة في قلبه بسبب مشاعر الأسى والالم.ثم بدأت الصور والخواطر تتراكض في مخيلته. بالنسبة اليه، شخصيات مثل تيمز التي تعيش على هامش الحياة، وجودها او عدم وجودها شيئا واحدا، لأنهم لا يفكرون، ولا يقرؤون، ولا يصلون، ولا يعملون اي شيء سوى إطلاق مثل هذه العبارات الفارغة، الفجة الطائشة تنطلق من افواههم، والتلفيقات غير المبررة، فحياتهم فارغة من العطاء او الاهتمام او التفكير، ليس لديهم سوى سلاح السخرية والابتذال في كلماتهم فلما الغضب وتعكير مزاجه بسبب تافهه!. كأنما كانت هذه اللحظات تلخص احداث قرنا من الزمن.
أخيرا رجع الشيخ المعمر من هاجس غيبوته او حلم اليقظة الذي شاهده، فبدا يهز راسه ثم قال: "ان ظهور جيلا من اباء غير مبالين خلق لنا جيلا من التافهين مثلك يا تيمز! لا يثمنوا القيم ولا العادات ولا الأخلاق، جيل لا يفكر بغير الملذات والشهوات الانية جيل غارق في وهم الذاتية، البحث عن الانا الفارغة في كل لحظة من حياته"
كانت هذه الكلمات بمثابة قنبلة سقطت بجوار الحاضرين، فساد على الحضور صمت، فهم الجميع من العبارات، ان سخرية تيمز عبرت حدودها وجرحت مشاعر الشيخ.
 ثم رجع إيليا ليقول لمن حوله كمن يريد يكمل عضته قائلا: " ان مشاكل المجتمع والتغيرات الجنونية التي تحصل في كل يوم حولنا، لا تعطي لنا الا إشارة واحدة، ان مستقبل الإنسانية مظلم، بل متجه للدخول في نفق مظلم، نعم سوف ندخل في مرحلة صعوبتها ربما تكون حينما نخرج من الجهة الثانية نعود الى حضارة العصور الحجرية".
امام هذا النقاش الحميم، اقترح أحد الحاضرين الذي يسكن قريب من الكنيسة ( سورو)، ان يكملوا حديثهم في ضيافته وهم يشربون كوب الشاي، فلبى معظمهم الدعوة كما هي عادة الجارية  بينهم في صباح كل يوم الاحد من وراء القداس.

بعد الجلوس في ديوان صديقهم سورو استطرد إيليا الشيخ يقول لأصدقائه بعد ان هدأت اعصابه قليلا:” كنت أقول له (يقصد السيد المسيح الموجود على صليب المذبح) يا معلمي، ما الذي يحصل في هذا العالم الذي صنعته ؟!، متى يتجلى ملكوتك وجبروتك مرة أخرى امام انظارنا، انهم تركوك كما تركك بطرس ليلة الصلب ونكر معرفته بك. فكل شيء في هذا العالم بدا يتساقط، لم يعد هناك شيئا متماسكا بعد، حتى الذرات بدأت تفقد دقائقها وهويتها" ثم توقف وبدا ينظر الى قدح الشاء الفارغ امامه كمن يريد يستذكر شيئا مهما ليقوله.
بعدها استدار وجهه الى الحاضرين: “الا تلاحظون يا أصدقائي الاعزاء اننا نشعر أحيانا فقدنا الامل في كل شيء، فكل شيء تجدد، لهذا اصبح التجدد خطر شيء على حياتنا، حتى معاني كلمات لم تعد تحمل نفس معاني اوالأفكار، فكلمة الحق مثلا فقدت معناها، لان لم يعد هناك مستقر القيمة سوى الدولار؟! وان الاخلاق لم تعد تعني الحاجز ضد ممارسة الرذيلة، بل الناس ترغب بالاستمتاع باللذة الانية اليوم أكثر من اي شيء اخر، لان لم يعد لهم الايمان ولا الخوف ولا حاجة الى الله!!"
رفع عجوز آخر بين الحضور اسمه (شمعون) يده وطلب من الحاضرين السماح له بالتحدث، فوجه كلامه الى إيليا ثم قال: "عزيز إيليا، نحن نفهم دوافعك، والضغط النفسي عليك، نحن نقدر مشاعرك وهمومك وحزنك، ولكن من الافضل ان تعطي الأولوية لصحتك".
ثم استكمل جملته (عمو خوشابا) الذي كان جالسا بجانبه قائلا:" ثم ما الذي بأيدينا اليوم، نحن مجموعة من الأشخاص المتقاعدين والعاجزين عن العمل، ليس لنا دور في تغير الواقع مهما فكرنا او تحدثنا وناقشنا او قلنا، لان اصلا أحدا لم يعد له الرغبة بسماعنا، او حتى يقترب ليؤدي التحية، او حتى يرانا، حتى المسافات بين الاب وابنائه أصبحت بفضل الفيس بوك والموبايل ابعد من جيل الذي سبقنا بعشر مرات، اذن هناك مشكلة كبيرة نواجهها هي ابعد، هي انقطاع الحوار بين الأجيال اليوم، نعم كأننا نعيش في وادي عميق لا يسمع احدنا الآخر.
في هذه اللحظة تدخل صاحب البيت عمو سورو قائلا: " اخواني صحيح الظروف التي نمر فيها حرجة، وكل شيء كأنما ينجرف من ايدنا بسبب الحضارة وتغير القيم، لكن بلا شك هناك شيء لو مسكنا كلنا فيه لن نخسر، بل ربما نوقف الزحف او هذا الخطر"
كانت كلمات عمو سورو بمثابة انبلاج الصباح بعد ليل دامس ظلام، ففتح إيليا العجوز اذانه ليستمع كل كلمة تخرج من فم عمو سورو، فحاول جلب انتباه الحاضرين الى كلام سورو من خلال اهتمامه الزائد به، فقال له:" كيف يمكننا انقاذ صرح تم هدم نصفه؟ كيف يمكن انقاذ مجتمع أصبح الدولار مصدر حياته؟"
على الفور رد عمو سورو " ان نكره الشيطان ونبتعد عنه، نعود الى قيم اجدادنا وتعاليم المسيح مخلصنا ووصايا القديسين، ونعطي الأولوية لتعليم أطفالنا على المبادئ الصحيحة."
فلم يعجب بعض من الحضور كلام عمو سورو، فأصبح معظهم واقفون طالبين المغادرة. حينها قال إيليا الشيخ: " نعم املنا بالعودة الى مبادئنا لان الانسان كالبرميل مملوء من الغرائز لكنه مثقوب فلن يمتلئ مها مر الزمن!"