قصة قصيرة
غزارة في الأنتاج... وسوء في التوزيع
اندراوس هرمز
كان في ربيع شبابه مقدماً على الحياة بلهفة حادة، وتمسك مذهل بالأمل. حين التقى أول مرّة أبنة الجيران التي كانت تبادله النظرات. كان لقاؤهما خارج الحارة ولم يكن يومها في البلدة ، المنتزهات التي تضم المحبّين والعشاق، وجدها تلتفت نحوه وكأنها شعرت بوطأة نظراته. وكانت لفتة سريعة، ونظرة أسرع ولكن لكم كانت ثاقبة!.. خُيّل له أنها قرأت جميع أفكاره، وأنها ابتسمت في سرّها. كانت تبتسم وتجالد كي تخفي ابتسامتها، وإلاّ فلماذا كانت قسماتها تشيعّ بما يُشبه البريق حتى لقد بدت له أنيسة جميلة في تلك اللحظات. هل تكون هذه النظرة بداية قصّة جميلة من قصص الحبّ التي يقرأ أو يشاهد. ولِمَ لا ؟ حدثها في ذلك اليوم عن القائد (آغا بطرس ايليا) ، "والذي امضى نصف عمره البالغ 52 عاما في العمل من اجل أمته، التي أحبها أكثر من حياته، مناضلاً في سبيلها من أجل الحصول على رقعة جغرافية من وطن أجداده الكبير المغتصب، على أمل أن تنعم أجيال هذه الأمة برقعة من الأرض يعيش عليها بعز وشرف وكرامة. لكن المصالح والأطماع الأستعمارية وقفت ضد طموحات هذا القائد، مما أدى إلى إبعاده عن شعبه ووطنه، ونفيه إلى فرنسا حيث مات مهموما دون تحقيق ذلك الهدف المقدس ، الذي كان قد رسمه وخطط له في ذهنه ، عندما كان شابا في السادسة والعشرين من عمره. إن آغا بطرس لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، وإنما كان مفكراً وسياسياً محنكاً، لم تتمكن الألاعيب الأستعمارية من إخضاعه لإرادتها، فما كان منها إلا أن تبعده عن طريقها." ثم قدّم لها هدية ، كتاب (قسطنطين ماتييف – الآثوريين والمسألة الآثورية ) أستلمت أبنة الجيران هديتها الأثورية من العاشق، المؤدلج بفتور واضح. وكان هذا آخر لقاء بينهما رغم محاولاته المتكررة للحصول على موعد جديد.
بعد عامين من اللقاء الأول تعرف على فتاة أخرى ، ولكن هذه المًّرة من حارة أخرى ، وفي أول لقاء بينهما ،حدثها مطولاً عن تسميات شعبنا ، بكثير من الأنفعال ، "متى كانت هويتنا مبنية على الإسم أو على تسمية معينة من التسميات العديدة التي تسمى بها شعبنا ؟؟؟ إن هويتنا وأصالتنا لا تأتي إلا من صلب الوطن ومن كل ذرة من ترابه الذي منه إكتسبنا كل تسمياتنا التي نفتخر بها بكل إعتزاز. فكلما كان الوطن سليما ً مُعافىً عزيزا ً مكرما ً، كلما كانت هويتنا أكثر شفافية ووضوح، لأن الوطن هو الذي يُعطي ويمنح الهوية لابنائه وليست الكنيسة، ولا الدين، ولا الطائفة، ولا الحزب، ولا الكتابات النارية عبر الإنترنيت والجرائد وشاشات التلفزة والإذاعة.... هويتنا منذ الأزل هي (الوطن)، إنبثقت من سومر، وأكاد وبابل، وأشور، وبلاد الرافدين، والعراق، وسوريا... وما إن فقدنا الوطن، فقدنا الهوية معها أيضا. ليس مهما أن نُسمّى كلداناً، أو أشوريين، أو سرياناً، بقدر ما نشعر بأننا شعب واحد ، ويحمل هوية وطنية واحدة وثقافة ً واحدة ولغة ً مشتركة واحدة، ووطنا ً مُعافى واحد."
و خلال هذا اللقاء لم تنطق الفتاة بحرف واحد، حيث لم يَدَع لها مجالاً للنطق. وكان ذاك هو اللقاء الوحيد بينهما.
في سنته الجامعية الأولى استطاع الحصول على موعد مع زميلة لـه، أخذته إلى مكان جميل على كتف قلعة أثرية قديمة ، فأمضى الوقت معها وهو يحدثها عن " الحوار المشترك حول كتابة الدستور العراقي الجديد و مناقشة حقوقنا القومية فيه للوصول إلى الرأي المشترك. بعد ذلك كان كلّما طلب منها موعداً في مكانهما السابق على كتف القلعة أو أي مكان آخر، كانت تجيبه "لا أستطيع " أو "مشغولة". حين هيّأت لـه الأقدار التعرّف إلى فتاة أخرى ذهبا إلى الحديقة العامة حيث جلسا في مكان شاعري داخل الحديقة. وفي المكان الشاعري الجميل شنَّ هجوماً شرساً على (يونادم كنًّا ) " لماذا لم يبادر بالإتصال بالكيانات السياسية العاملة في صفوف شعبنا و خاصة القومية منها ؟ أليس هذا من دواعي تمثيل شعبنا أم إننا سندع الشعب جانباً لممارسة توجهاتنا الحزبية الضيقة التي تخلق أحياناً الطائفية و الإنقسام ؟ أليس الأجدر التحاور مع الأحزاب العاملة في صفوف شعبنا لتكون الآراء و القرارات المطروحة مشتركة ؟ أليس من الضروري مخاطبة الأحزاب و الكيانات السياسية العاملة في ساحة شعبنا (السرياني الآشوري الكلداني). وقبل أن يودِّع الشاب الفتاة سألها ـ هل استطيع اللقاء بك ثانية؟ أجابته: ـ لا أعتقد . وافترقا.
في البولمان المسافر إلى بلدته ، بعد أن أنهى دراسته الجامعية ، كانت طالبة جامعية، تجلس إلى جواره في ذات المقعد ، وقد تبادل معها الحديث حول الأقتصاد والتجارة في منهاجها الجامعي. وبعد أن رَكَنت إلى دماثة خلقه قَبِلَت أن تلتقيه في اليوم التالي في إحدى المطاعم في بلدة مجاورة لبلدته وبلدتها. ولأنها توسّمت فيه الخير فقد جاءت إلى الموعد بثياب أنيقة ، وتسريحة شعر جميلة. وبعد الحديث عن الطقس والأمتحانات ، سألته إن كان يحفظ بعضاً من الأغاني الآشورية ، فأسمعها الأغنية المشهورة ( بيث نهرين اثري ويت... بيث نهرين.... ) فطالبته بأغنية أخرى. فصدحت حنجرته: ( قيميخ كولن آتورايه........ ) مرة أخرى قاطعته إن كان يحفظ شيئاً لإدوار موسى. فبدأ يغني: (أو شميرام....). وقبل أن يُكمل القصيدة نظرت إلى ساعتها معتذرة ثم غادرته دون أن يستطيع الحصول على موعد آخر ، بدأت آذانه الداخلية تزن وتطن ، وحكاك حاد ، مثل أنصال يخرمش قشرة دماغه لم يتمكن من هرشه ، دخن سيجارة لعله يهدأ ، تركها تحرق نفسها ، وترك فنجان القهوة يتقيأ في بطنه .
أدخله التعب والنعاس فيما يشبه الغيبوبة، سمع همساً بعيداً يقول : يبدو أن القدر صالحني أخيراً، وقرّر منحي حباً ما بعده حب ووجهاً وديعاً أحنّ إليه منذ زمن بعيد... وربما سأقبّله بعد قليل، أو ألمسه بعد أسبوع... لا يهم. المهم الآن أن أصل إليك. أما الوردة فقد أحضرتها بالأمس. ووضعتها داخل كأس مليء بالماء، حتى تحين الفرصة، وأعتقد أنها ستعجبك، لأن لونها أحمر، ولا تزال تحتفظ ببعض الرائحة، وبلون لا يصلح إلاّ ليكون على الورود.....رفع رأسه قليلاً أداره الى مصدر الهمس ، صبية جميلة وشاب وديع في مطلع الشباب الأول ، كانا يرشفان نبيذا أحمر ويطعمان بعضهما لوزا مالحا ، وعينا كل منهما تشعّان حباً وهما معلَّقتان بعيني الآخر. استوقفه هذا المنظر للحظات، ثم تابع طريقه متثاقل الخطى ، وهو ينوء بحمل ثقيل ثقيل ..
- لبنان -