المسيحيون وخطيئة استفتاء كردستان: خيارات محدودة


المحرر موضوع: المسيحيون وخطيئة استفتاء كردستان: خيارات محدودة  (زيارة 1026 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فادي كمال يوسف

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 165
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المسيحيون وخطيئة استفتاء كردستان: خيارات محدودة
*فادي كمال يوسف
انتهى الإقليم من إجراء استفتاء شعبي حول استقلاله، وتؤكد النتائج المعروفة سلفاً أن غالبية مواطني كردستان صوتوا للاستقلال وهي نتائج منطقية وواقعية تعكس توق الكرد التاريخي.
ولكن كما أسلفنا سابقاً أن الاستفتاء لم يأتي ضمن هذا الظرف لغرض تحقيق هذا الحلم التاريخي، بل ليمثل غطاء سياسياً شعبياً لينقذ رئيس الاقليم المنتهية ولايته مسعود بارزاني، وهنا كان قرار البارزاني في الدخول بمغامرة لا بل مقامرة تشبه الى حد كبير مقامرة صدام حسين بغزو الجارة الكويت للخروج من أزمة اقتصادية خانقة، فكانت تلك المقامرة غير المدروسة وبالاً على العراق لا زال يعاني منه لليوم.
 
مسيحيو الإقليم وخيار الهجرة
إذا ما نُفذت التهديدات التي توعدت بها الدول المحيطة بالإقليم، فإن الوضع الاقتصادي السيئ الذي كانت تعيشه كردستان سيزداد سوءاً، فيما ستنهار البنى التحتية القائمة على أسس ضعيفة بالأساس. وتكون الحكومة عاجزة عن توفير الرواتب الخاصة بموظفيها المتعطلة أصلاً، ولن تستطيع الإيفاء بالتزاماتها مع المتعاقدين معها، وهذا يعني انقطاع السيولة النقدية الى السوق الداخلي، فيما سيتوقف التبادل التجاري مع أهم أسواق محيطة وهي العراق وتركيا وإيران.
يشكل مسيحيو الاقليم ما يقارب أكثر من نصف مسيحيي العراق، والغالبية الساحقة منهم هي من المهاجرين أو المهجرين من بغداد، وجلهم ممن يرفض الهجرة وقد استقر بالإقليم بحثا ًعن الأمان رغم كل الصعوبات التي عانوا منها، سواء كانت اقتصادية أو بسبب القيود التي يفرضها الإقليم على القاطنين فيه من خارج حدوده.
عندما عصفت الأزمة الاقتصادية الأخيرة بكردستان والتي اعقبتها ازمة داعش، كان خيار الهجرة
الحل الأمثل للعديد من مسيحيي الإقليم. واليوم واضح أن الأزمة ستكون على أشده، وإضافة الى ذلك سيكون شبح الحرب وانهيار الاستقرار الأمني خطراً آخر يهدد الإقليم أو الدولة المستقبلية، لذلك فالخشية كبيرة من هجرة من تبقى من مسيحيين في الإقليم هم بالأساس في غالبيتهم مهاجرون باحثون عن الأمان. لذلك لن يجدوا الأمر مختلفاً في الرحيل عن كردستان والتي لم يعتبروا فيها حتى اللحظة مواطنون من الدرجة الأولى، وفقدان الزخم الذي يمثله مسيحيو كردستان سيمثل ضربة مؤلمة لحضورهم في عموم البلاد.
 
مسيحيو سهل نينوى: نهاية البعد الديموغرافي
إنَّ إصرار حكومة كردستان غير المستند إلى أيّ حق دستوري، بشمول منطقة سهل نينوى ذات الغالبية المسيحية في الإستفتاءما يمهد مستقبلاً لضمها الى الإقلي، شكل ضربة أخرى موجعة تهدد هي الأخرى ما تبقى من حضور لأبناء شعبنا في مناطقهم.
فجاء الاستفتاء ليحول المنطقة الى بقعة صراع سياسي بين الكرد من جهة والعرب من جهة ثانية، ما يجعلها غير مستقرة سياسياً وامنياً واقتصاديا وسيجعلها مهملة انمائياً كما كانت سابقاً، فيما ستستنزف جهود أبنائها في هذا الصراع. كما سيسهم هذا الوضع في عزوف مهجريها عن العودة الى أراضيهم، حيث سيخسر السهل أكثر من نصف سكانه.
 
الصراع الكردي العربي سيقسم السهل
إنَّ ضياع جهود الأحزاب والقوى السياسية التي كانت تدعو الى تشكيل محافظة سهل نينوى، كملاذ أخير آمن ينعم باستقرار امني وضمن أجواء وبيئة حاضنة للوجود المسيحي ثقافياً واجتماعياً، إن إسقاط هذا المشروع والذي تتحمله حكومة كردستان من خلال إصرارها على الإستفتاء في السهل، أضاع على شعبنا فرصة تاريخية تدعم حضورهم وتساهم في عودة المهجرين من أبناء السهل.
من جانب آخر، فإن واقع الأرض يشير الى تواجد قوتين تتقاسم النفوذ على المنطقة، البيشمركة والتي تفرض حضورها العسكري في سهل نينوى الشمالي، فيما يتواجد الحشد الشعبي في اقسام من سهل نينوى الجنوبي، ما ينذر بحرق المنطقة وتحويلها الى ساحة صراع عسكري اذا قرر الطرفان خوض أي نزاع مسلح، وسيطيح بالمنطقة ويعرض من تبقى أو من قرر العودة من سكانها الى حملة تهجير أخرى. وهذا الأمر يتحمله الكرد وحدهم كما كانوا سبباً في عملية التهجير الأولى عند انسحابهم المخزي امام داعش بعد ان وعدوا السكان بالحماية.
 
في أفضل الحالات، وإذا فشل الكرد في ضم السهل بكامله الى دولتهم او اقليمهم فسيتم تقسيمه إلى جزئين، شمالي تحت سيطرتهم وجنوبي للحكومة المركزية. وإذا نُفِّذَ هذا الخيار فإنه يمثل كارثة أخرى على أبناء المنطقة الذين سيجدون أنفسهم منقسمين بين دولتين أو حكومتين، ما سيعمق مأساتهم شعبياً من جهة، ومن الجانب الآخر سيجعل المسيحيين سياسياً في أضعف موقف.
 
الإنهيار الاقتصادي
إنَّ المؤشرات الإقتصادية تشير الى أن أزمةَ خانقة ستعصف بكردستان، وستكون مناطقنا الضحية الأكبر فمع إهمالها المتعمد سابقًا من قبل حكومتي الإقليم وبغداد انمائياً، ستشهد اليوم أزمةً أخرى اذ أصرَّ الإقليم على ضمها له. وسيحرم المئات من الموظفين الحكوميين فيها من رواتبهم اسوة بأقرانهم في عموم كردستان ما سيدخلهم في ازمة خانقة تهدد سبل عيشهم الوحيد، وهذا بالتأكيد سينعكس سلباً على الأسواق التجارية والتي سيضربها الركود، فيما لن يتمكن الإقليم من انجاز إعادة الاعمار أو تعويض الأهالي عن خسائرهم نتيجة الحرب مع داعش، والتي كانت الحكومة المركزية قد تكفلت بها.
كل ذلك سيجبر السكان بالتأكيد على الهجرة ومغادرة أراضيهم. فسهل نينوى الذي كان الفرصة الأخيرة لمسيحي العراق لتثبيتهم في أراضيهم، وبناء ركائز صلبة لمستقبل هذا الوجود، اضاعته الرغبة الكردية التوسعية الجامحة لابتلاع أكثر ما أمكن من أراضي الدولة العراقية. ومن جانب اخر خلق منطقة حدودية عازلة لا يسكنها الكرد تعتبر ارض محروقة عند تعرضها لأي هجمات من الجار الجديد العراق، وبذلك يكون شعبنا قد وُضعَ كبش فداء لمغامرة حكومة كردستان الحالية ولدولتها المستقبلية، فتعيد التجربة المرة التي عاشها المسيحيين عندما تركهم الكرد لمصيرهم المحتوم امام داعش رغم الوعود ذاتها التي يكررها القادة الكرد اليوم.
 
محدودية الخيارات
المتابع للحدث يجد محدودية في الخيارات أمام المؤسسات المسيحية السياسية والدينية وغيرها للمحافظة على الوجود المتبقي. فاللعبة تجاوزت قدراتهم، ولكننا نشير إلى مواقف بعض القوى والتي انساق قسم منها بانتهازية مفرطة تحت العباءة الكردية ضارباً عرض الحائط مصالح ومقدرات شعبه، والقسم الآخر رفض هذا الواقع ويعمل للوقوف بوجهه بالإمكانات المتاحة التي رغم محدوديتها الا أنها تمثل موقفاً مبدئياً من قضية وجود شعب ضد واقع حال، ولم تنتهج هذا الخط سوى ثلاث أحزاب هي الحركة الديمقراطية الاشورية وأبناء النهرين والحزب الوطني الاشوري.
إن الحل لقضيتنا يكمن فقط في الحوار بين حكومتي المركز والاقليم، فأي صدام بين الطرفين ومن أي نوع كان سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً، سيكون المسيحيون فيه الضحية والخاسر الأكبر. لذلك فإن دفع الطرفين بهذا الاتجاه يمثِّل طوق النجاة الأخير، والمؤسف أن الكثير من القوى السياسية والدينية أوصلت الحال من خلال تهاونها وانتهازيتها واتكالها على قوى خذلتها الى هذه المرحلة، والتي أُخرج شعبنا فيها من المعادلة السياسية نهائياً فبات منتظراً للحلول من الآخرين.