ماذا تعني المصالحة الوطنية؟ وما أطرافها ومحدداتها؟


المحرر موضوع: ماذا تعني المصالحة الوطنية؟ وما أطرافها ومحدداتها؟  (زيارة 215 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 338
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ماذا تعني المصالحة الوطنية؟ وما أطرافها ومحدداتها؟

د. تيسيرعبد الجبار الآلوسي
الوحدة الوطنية [تحديداً وحدة القوى الديموقراطية العلمانية التنويرية التي تجسدها] تبقى ضرورة تنتصر لفرص إنجاز التحولات في إعادة بناء الدولة (الوطنية) العلمانية الديموقراطية المعاصرة باشتراطات وجودها واهدافها.. ومن أجل ذلك انطلقت أصوات وطنية تدعو إلى رص الصفوف وتوحيدها لإحداث التغيير والوصول إلى البديل المنشود. ولكنها سرعان ما جابهت الاختراق والعقبات، من قوى الطائفية والجهوية وتضليلها ومن قوى إقليمية ودولية تقف خلفها أو تمد أصابعها مباشرة لمآرب بعينها. فهل من أفق لانتصار الوطني الديمقراطي أم سيعاد إنتاج المرضي؟ والتساؤل تستتبعه أسئلة تبحث عن هوية الوطني واشتراطات أداءاته  وفي خضم المجريات مسؤولية الوعي بالحدث وإدراك ما يخفي والوصول بالبديل إلى جمهوره لا توريطه في خطى تحاك عبر تلك الخروقات التي نشير إليها صراحة..
هذه معالجة تنتظر التفاعلات لمزيد تنضيج ووصول إلى الأنجع

قضية المصالحة الوطنية، من القضايا التي جابهت شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لجملة اعتبارات مختلفة متنوعة.  وهنا سأحاول اقتراح تصور للمعالجة، في ضوء التجربتين العراقية أولاً وإلى حد ما الليبية مثالاً آخر، وستسلط المعالجة أضواء على جوانب مختلفة منها حال التدخلات الخارجية سواء بوصفها أطرافا ثالثة يفترض بها الحيادية أم تلك التي لها مصالحها ومآربها التي قد يكون تدخلها محاولة إلغاء المحددات السليمة للمصالحة أو زرع ألغام بوجهها.
وفي السنوات العجاف الأخيرة، حيث ظاهرة التشظي والانقسامات تستفحل  مستغلة عوامل إثارة الشقاق المرضي سواء منها الطائفية أم الجهوية المناطقية، انطلقت أصوات وطنية؛ تدعو إلى رص  بمجابهة حالات التدهور المصطنعة. ولكن تلك الدعوات ، سرعان ما جابهت الاختراق والعقبات، على اختلافها. فهل من أفق لانتصار الوطني الديمقراطي في مساعيه أم سيعاد إنتاج المرضي؟
الحقائق ودروس الشعوب وتجاريب حركاتها التحررية التقدمية تؤكد أنَّ الوحدة الوطنية تظل ضرورة تنتصر لفرص إنجاز (التحولات في إعادة بناء الدولة)؛ ولكنها لا تأتي من دون مجابهة الاختراق والعقبات التي أشرنا لوجودها.
ما تعرضت له بعض دول ، من هزات راديكالية جاء نتيجة لرفض شعبي لحال استمرار القمع السياسي والاستغلال وانتفاء العدالة الاجتماعية في نظم دكتاتورية تحكمت باللاد والعباد… ونظراً للضربات القاسية التي تعرضت لها الحركات التحررية والتضييقات على تنظيماتها لم تكن بحال استعداد كافٍ لمجابهة مهامها والالتحام مع الحراك الشعبي الغاضب..
وبين الخلل الفادح في مستوى الوعي بالاستناد إلى تفشي التجهيل والأميتين الأبجدية والحضارية ومن ثمّ انتشار منطق الخرافة والتخلف وما يتيحه من فرص لقوى التضليل ودجلها وبين الأصابع الإقليمية والدولية وتدخلاتها لمآرب بعينها، ظهرت في السنوات الأخيرة تلك الهزات الراديكالية وما نجم عنها من تراجع وانقسام مجتمعي مفروض قسرياً من فوق…
ولابد هنا من التوكيد على أن الشعوب تحمل طابعها وهوياتها المخصوصة وطنياً في ضوء مسيرة موحدة تمتد بعمق تاريخي يساوي رحلة وجودها ومنجزها المشترك. لكن ما يتبدى هنا وهناك من انقسام إنما يتم بتغذية خطاب الشقاق سواء بأسس طائفية كما حصل بالعراق أم بأسس جهوية كما حصل في ليبيا باستغلال تاريخ من أحداث تراكمن في ظروف زمنية مختلفة.. أما شرارة الاشتعال للانقسام وصراعاتها الملتهبة فهي تجري بدور رئيس للعنف وبأيدي قوى مافيوية ميليشياوية  حيث يتم إشعال الفتن والاحترابات بمختلف خلفياتها.
هنا تظهر الحاجة لاستقبال النداءات الوطنية، كما بمثالينا عن العراق وليبيا.. وهكذا يبدأ البحث عن إجابة معنى المصالحة الوطنية كونها الخطاب المعبر عن وجود كل شعب في جغرافيا الوطن بهوية تجسد السيادة لمنجز مخصوص السمات؛ ويعبر عن تلك السمات وهويتها، بالولاء والانتماء لوطن، أولا بالشعور العاطفي الروحي وثانيا وبموازاته بالدفاع عما يمكن وصفه بالمبادئ الأولى لوجود الجماعة البشرية الواحدة بوطن بعينه، وبهذا يكون الولاء محدداً للهوية الوطنية التي تصير سداً منيعاً ضد أي انقسام، فتكون أداة وحدة المجتمع بمكوناته مهما كانت من تنوعات طيفية فيه.
ومكونات المجتمعات، أو العناصر الفرعية لتركيبة الشعوب قد تكون انحدارات قومية أو مكونات من أتباع ديانات ومذاهب أو قبائل وأعراق، تكون الوطنية سببا للتقدم على تلك الهويات وحصانة لهم من الاقتتال لأي اختلاف محتمل.. وإن حصل فإن التفاهمات وأشكال الاتفاق تقوم على مسمى (المصالحة) الوطنية بوصفها الجامع والحل…
فهل العراقيون ومثلهم الليبيون بحاجة إلى مصالحة وطنية؟ ومن هم المصطرعون عراقيا أو ليبيا كي يتم التوجه بمصطلح (مصالحة وطنية) إليهم؟
منذ 2003 عندما جرى التغيير الراديكالي وإنهاء حكم الدكتاتورية، حاول العراقيون التوجه إلى خيار بناء نظام ديموقراطي لدولتهم الوطنية وحصل مثل هذا ما بعد ثورة الشعب الليبي.. إلا أن الطرق لم تكن معبدة للتغيير الديموقراطي الأنجع…
فتدرجت قوى تتمثل بـ(جماعات) إسلاموية في السطو على المشهد بالاستناد إلى أمور منها فرض المحاصصة الطائفية على تركيبة مجلس حكم في بغداد وجاء حل الجيش ومؤسسات الأمن من دون بديل وطني لتعلو على خلفيته سلطة الجماعات المسلحة ومن ثم ليتم استيلاد ميليشيات بالعشرات أرهبت الناس وشكلت تجسيدا مثاليا لما سُميّ أحزاب الطائفية وهي ليست سوى أجنحة (سياسية) لتلك العصابات المنظمة (المافيوية) وللميليشيات المسلحة المؤتمرة بسلطان قوى إقليمية ولم يكن المذهب والطائفة إلا الغطاء الديني لقدسية مزيفة مصطنعة ضللت قطاعات بعينها. يمكننا الإشارة إلى ولادة تلك الميليشيات ليبياً بخلفية جهوية مناطقية استغلت (إذكاء) ما اُصطُنِع من خلافات ذات جذور ماضوية..
وبالإشارة إلى الحال العراقية سنجد أن العراقيين بخاصة في بنية مجتمعهم المعاصر كانوا بحال من التزاوج الاجتماعي بين أتباع المذاهب المختلفة بنسبة الثلثين من وجودهم بل أبعد من ذلك هناك تركيبة لعوائل وأسر وقبائل (مختلطة) من المذاهب وأحيانا (كثيرة) التزاوج تم بين انتماءات قومية وحتى دينية متعددة ولو بنسب قليلة في الأخيرة..
لكن للحديث عن المصالحة الوطنية ينبغي ألا نقحم مكونات الشعب إقحاما وكأنها مكونات مصطرعة تريد معاودة حوار يتبنى (متأخراً) مبادئ الوطنية… فالعمق الوطني وقيمه وهويته الإنسانية المتفتحة موجود بالوسط الشعبي المجتمعي بدليل نسبة الاختلاط بالزواج وتكوين العائلة أم بغير ذلك من تفاصيل محورية بنيوية، لكن ما جرى أفشى ثقافة سلبية بين بعض القطاعات ولكنه موجود بفعل إكراه قسري فوقي متأتٍ من سطوة وبلطجة قوى عنفية طائفية المنحى تعتاش على الانقسام والاصطراع المصطنع…
إذن، المصالحة الوطنية بضرورتها تبدأ من إطلاق حريات القوى المخلصة لقيم البنى المجتمعية المتمسكة بوطنيتها أو بانتمائها للدولة الحديثة المعاصرة بعمقها الإنساني  ومن ثم تحريرها من القيود المفروضة عليها لتكون المعبر عن طبقات المجتمع بتركيبته المنتمية لعصرنا لا إلى تركيبة مشوهة يراد اجترارها من ماضويات منقرضة في التاريخ الإنساني..
وهذا بخلاف ما يُزعم من أن حوارات (قوى الطائفية) المتحكمة  اليوم، هو ما يجسد (المصالحة الوطنية)! والصحيح أن ظهور الوطني وتعزز مكانته لا يتم إلا بالخلاص من قوى الطائفية نفسها والتحرر من سطوتها القسرية التي تثير الشقاق والاحتراب العنفي المسلح من جهة والتي تعتاش على ثقافة الانقسام والتخندق والتمترس خلف وجودها المتعارض شكلا والمعبر عن أداة شرعنة وجود الطائفي أو الجهوي بحسب البلد والمجتمع.
ومحددات المصالحة الوطنية اليوم، ليست في عودة من حرب لم يكن لأتباع المذهبين (الشيعي والسني) ممن يشكل الغالبية في العراق وهما لا ناقة ولا جمل لهما في حروب الميليشيات الطائفية ولم يكونا محتربين في وقت كانا دائما وجودا وطنيا  واحداً في دولة العراق الحديث، وعلى مدى قرن من الزمن استمدا ثقافة متمدنة بعمق فجر الحضارة الإنسانية بوادي الرافدين  وبامتداد آلاف السنوات والأعوام..
إذن، محددات المصالحة الوطنية تكمن في حوار يقوم على استعادة المدني بإزاحة الظلامي الطائفي المتخلف وإطلاق حرية الإنسان العراقي وحقه في بناء نظامه الجديد، بمبادئ (الوطنية) ودولة (المواطنة) وبترسيخ قيم الوطنية بعمقها الإنساني كما أكدت التجاريب وكما نستنتج من هذه المعالجة.
إن ما تطلقه قوى  الطائفية اليوم بشأن (المصالحة) الوطنية هو محاولة ذر الرماد في العيون وتوكيد خطابها التضليلي لتمكينه أكثر من التسلط على المجتمع عبر الادعاء أن الصراع يجري بين مكونات المجتمع والبديل كما يزعمون في حوارات تجري بين أحزاب الطائفية وأجنحتها وطبعا إسكات مؤقت بهدنة لتمرير قوة عاصفة الرفض الشعبي ومعاودة الفوز انتخابيا بالعراق أو معاودة النفوذ عبر اتفاقات جديدة تشرعن القوى المسلحة ووجودها بتعديلات شكلية على اتفاق الصخيرات ليبيا.
إن القوى (الوطنية) المعنية بموضوع المصالحة يجب أن يكون خابها عالي الصوت أن البديل يكمن في نظام (علماني ديموقراطي اتحادي) يستجيب لـ(بنى الدولة المعاصرة وطابع المجتمع المدني وتركيبته الحديثة) فالهوية الوطنية لها شروطها ونظام الدولة الذي لا يسمح بوجود ما يتعارض ودلالاته وأداءاته كما بوجود التخندقات الطائفية أو القبلية والعلاقة بين الشعب والوطن تحكمها مبادئ الوطنية وشرط المواطنة وحقوق الإنسان وحرياته التي لا تلتقي قطعا مع نظام الطائفية المجتر من مجاهل الزمن الغابر المنقرض…
فليحذر الشعبان العراقي والليبي من لعبة تتم باسم سليم للوطنية ومصالحتها بأسسها ومحدداتها السليمة وتخفي تحتها تسليم السطوة ورأس الشعبين لهمجية قوى الإرهاب الميليشياوي وما يحمي مافيويا من فساد وسرقة للشعب في قطف حيوات بناته وأبنائه وفي نهب ثرواته حيث خيرات الوطن (الطبيعية) وخيرات الشعب ومنجزه المادي والروحي..
فلنبحث عن البديل: أولا في فهم جوهر أو حقيقة (المصالحة الوطنية) ودلالاتها ومحدداتها والمكونات والقوى التي تشترك فيها وما الهدف من توجهها إلى تلك المصالحة..  وثانياً في تمكين القوى الوطنية الحقة التي تنتمي للدولة الحديثة وآليات اشتغال مؤسساتها وطابع بنيتها عبر (مؤتمر التغيير من أجل دولة علمانية ديموقراطية اتحادية تحقق العدالة الاجتماعية).. بخلاف ذلك لا يجوز للقوى الوطنية الديموقراطية أن تنخرط في أنشطة تضليلية لن تكون فيها سوى تابعاً لاهثا وراء قوى تحكمت بالمشهد طوال المدة التي أعقبت التغيير الراديكالي سواء في العراق أم في ليبيا.
يلزم تجنيب الشعبين حال استيلاد أزمات جديدة وتوريطهما في مطب إعادة إنتاج السلطة المرضية سواء المهلهلة المفروضة من قوى دولية وهي لا تضفي سوى شرعية على قوى ميليشياوية إرهابية تتحكم بها مصادر تمويل إقليمية مثل قطر وتركيا بليبيا أو سلطة طائفية بكل ما فرضته من حروب خنادقها وتمترساتها الإجبارية التي تم اصطناعها بالإكراه والقسر الدموي الأبشع في التاريخ المعاصر..
إنّ الشعبين العراقي والليبي ليسا بحاجة لمصالحة افتراضية في وهم المضللين يفرضضونها تغطية على ما أوصلوا به البلدين إليه من منحدر ولكنهما بحاجة إلى تغيير باتجاه البديل الوطني الذي يُنهي الطائفية والجهوية ويقيم بل يعيد الوطني بنظام ديموقراطي يمكن الشعب من عملية التغيير والبناء والتقدم..
ونحن اليوم أما سنقع بورطة تعيد إنتاج الجريمة الواقعة على الشعبين وربما تقع بمساهمة من بعض القوى الوطنية التي تنجر وراء ما يسمى مفاوضات وحوارات للمصالحة الوطنية المزعومة وهي ليست سوى إعادة ترتيب أوراق المحتربين من أجنحة الطائفية والجهوية وتقسيم (الغنيمة)  أو سنتحرر وننعتق بفضل وعي شعبي وإدراك القوى المعنية بالتغيير لبرامج الوصول إلى البديل ووسائلها القائمة على وحدة تلك القوى بمجابهة أعتى قوة ظلامية غاشمة في عصرنا…
وللمعالجة بقية تتجسد بتفاعلاتكم وإضافاتكم وبقراءة ملموسة لكل نموذج ورد هنا.