التهجير القسرّي لأبناء العراق بدعوى التبعية الإيرانية


المحرر موضوع: التهجير القسرّي لأبناء العراق بدعوى التبعية الإيرانية  (زيارة 332 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 112
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
التهجير القسرّي لأبناء العراق بدعوى التبعية الإيرانية
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
      فيما يخص كلمة تهجير فإنها اشتقت من كلمة هجر  يهجر تهجيراً فهو مُهجر , أي بمعنى التهاجر والتقاطع , واسم الهجرة من أرض إلى أرض , أي ترك الأولى للثانية(1).
      أما الكلمة من عنوان المقال ونعني بها (القسرّي) فجاءت من (قسرّ) , أي القسرّ القهر على الكُره , قسرّه يقسرّه قسرّاً , واقتسرّه غلبه وقهره وقسرّه على الأمر قسرّاً , أكرهه عليه واقتسرّته أعم(2) . فالتهجير القسرّي : هو ممارسة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة اتجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أرض معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلاً عنها(3).
      كما يضاف إلى مفهوم التهجير القسرّي حالات الأسر في الحرب , فالتهجير الجماعي : تم فيه نقل مجموعات سكانية كبيرة من مكان إلى آخر , وغالباً ما يكون لأغراض تطهير عرقي أو أثناء الحرب , كما تلجأ إليه بعض الأنظمة الاستبدادية لغرض سيطرتها على مكونات بعينها.
      من أقدم صور التهجير القسرّي في العراق القديم ما ورد بخصوص الملك رموش الأكدي (2315 – 2307ق.م) الذي خاض معركتين في بلاد عيلام كان النصر فيها حليفه , وما بينهما في ذلك أن هذا الملك أهدى إلى معبد الإله آنليل من الغنائم ستة نفر من الرقيق من كلا الجنسين(4).
      حالات التهجير القسرّي تعد من أقبح ما تقوم به الجماعات أو الحكومات ضد مجموعات أخرى , وقد جاءت من المحاولات الهادفة إلى الحد من ظاهرة الأعداء وما ينجم عنها من تهجير قسرّي لأفراد وجماعات , فأصدرت الأمم المتحدة في القرن العشرين وما بعده العديد من القرارات في هذا السياق , كما أسست منظمات للهدف ذاته , لكن بقيت معاناة التهجير القسرّي مستمرة رغم كل محاولات مكافحتها , بل أنها أخذت طابعاً أكثر قسوّة بدوافع دينية ومذهبية وعرقية والتي لا تزال نعيش فصولها المؤلمة في العراق وما حدثَ عام 2014م للمكون الأيزيدي على يد عناصر داعش المسلحة خير شاهد على ذلك.
      من صور التهجير القسرّي ما تعرض له الأكراد الفيلية إذ تم تهجير بضع مئات منهم في عهد الرئيس عبد السلام محمد عارف , إذ وصل عدد المهاجرين العراقيين خارج العراق نتيجة للضغوطات التي كانوا يواجهونها إلى (25857) شخصاً في عام 1965م وتناقص العدد إلى أن وصل إلى (3145) شخص فقط في عام 1967م(5).
      بعد انقلاب 17 تموز 1968 ومجيء حكم البعث للعراق جرت حملات قمع وتهجير واسعة ضد أبناء العراق من أعضاء الحركات السياسية ورموزها , وحملات أخرى بذريعة التبعية الإيرانية , إذ بلغ عدد المهاجرين العراقيين من أصحاب الكفاءات خلال ثلاثة أعوام فقد نحو (4192) شخصاً إلى الولايات المتحدة و(254) شخصاً إلى كندا , وبلغ عدد الذين نالوا الجنسية الأمريكية من هؤلاء خلال الفترة المذكورة (975) شخصاً(6).
      ومن أشد عمليات التهجير القسرّي ما تعرض له الأكراد الفيلية , فقد مروا بعدّة موجات من التهجير القسرّي , فكانت الموجة الأولى جرت بعد انقلاب 8 شباط 1963م , حيث زج بأعداد غفيرة منهم في السجون والمعتقلات , وعذبوا أشّد تعذيب(7) , وكان الاضطهاد مضاعفاً لهم كونهم أكراداً أولاً , أو أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني ثانياً , فضلاً عن كونهم من معتنقي المذهب الشيعي ثالثاً(8).
      أما عام 1969 وعام 1971م فقد شهد العراق عمليات اعتقالات وإعدام بحق يهود العراق , وضغوطات سياسية وأمنية الغرض منه للضغط على أبناء الديانة اليهودية لغرض الهجرة والهروب من العراق بشكل رسمي أو غير رسمي عبرَّ الحدود العراقية الإيرانية . فضلاً عن ضغوطات على أبناء العراق ممن يحملون الجنسية الإيرانية أو من الأكراد الفيلية أو ممن يعتنقون المذهب الشيعي , فقد بلغ عدد الأكراد الفيلية المهجرين قسراً خارج العراق بدعوى أنهم ينحدرون من أصول إيرانية نحو (150000) شخصاً(9).
      وبعد توقيع النظام العراقي اتفاقية الجزائر عام 1975م مع نظام الشاه في إيران , بدأت هجرة واسعة للأكراد العراقيين باتجاه إيران ودول أخرى , والتي مكنته من التفرغ لشن حملات قمع وإبادة ضد الأكراد العراقيين في منطقة كردستان العراق , حيث أدى هذا إلى تهجير أكثر من (150000) مواطن كردي عراقي من مناطق سكناهم في كردستان إلى مناطق أخرى في مناطق الفرات الأوسط والجنوب . وتم توطين قسم كبير من هؤلاء المهجرين في بيئات صحراوية لم يعتادوا عليها , وفي نفس المدة قامت سلطات البعث باعتقال وتهجير عدد كبير من الأكراد الفيلية إلى إيران وفق الحجة القديمة كونهم من التبعية الإيرانية(10).
      كانت الموجّة الأكبر لتهجير أبناء العراق من حاملي الجنسية العراقية من أكراد وعرب لأنهم من معتنقي المذهب الشيعي عام 1980م , أي بدأت قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية , وذلك بتهجير الآلاف , إذ يُقدر عدد الذين تمَّ تهجيرهم أكثر من (400000) شخص , أما من هربوا من المشاركة فيما بعد في الحرب العراقية الإيرانية من الشباب فبلغ نحو (24750) شاباً توزعوا على عشرة دول معظمها من الدول الأوروبية , بعد أن امتنعت الدول العربية من منحهم تأشيرات إقامة أو دخول(11).
      كانت بداية انطلاق موجة التهجير القسرّي بعد حادثة جامعة المستنصرية ومحاولة اغتيال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي في 1 نيسان 1980م كما ادعى النظام , إذ بدأت عمليات الاعتقال ومن ثم التهجير , إذ قدرت صحيفة كيهان الإيرانية عدد المهجرين خلال ثلاثة اشهر من بدئها بـ (150000) شخص , واستمرت التهجيرات القسرّية حتى عام 1990م , إذ قدر عدد المهجرين من العام 1980م إلى العام 1990م بـ(600000) شخص(12).
      كانت تلازم عمليات التهجير القسرّي لأبناء العراق في مناطق الوسط والجنوب عمليات السلب ومصادرة جميع ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ومحلاتهم التجارية ومصانعهم وسياراتهم وودائعهم في البنوك , وجميع وثائقهم العراقية من شهادات ميلاد وجنسية وشهادة الجنسية العراقية وغيرها , وأخذ نقودهم وحلاهم الذهبية وتفتيشهم الدقيق . ومن ثم يوضعوا في شاحنات وباصات دون السماح لهم بأخذ أي شيء معهم سوى ملابسهم التي عليهم , ثم أخذوا إلى الحدود الشرقية الإيرانية وأمروا بالسير على الأقدام في مناطق جبلية وعرّة وكان رجال الأمن قد هددوهم بعدم العودة وإلا سيطلقون النار عليهم.
      كانت بداية حملة التهجير للمتهمين بالتبعية الإيرانية الواسعة بداية الثمانينات من القرن الماضي , بدأت عن طريق دعوة التجار الكبار منهم إلى اجتماع في غرفة تجارة بغداد لمناقشة موضوع تصاريح وإجازات استيراد جديدة , ولبحث قضايا اقتصادية مهمة , وعند حضور التجار إلى مكان الاجتماع قامت قوات الأمن بغلق كل الأبواب ونوافذ المكان ثم أخذت جميع الأوراق والوثائق الرسمية منهم , وتم تفتيشهم للتأكد من عدم بقاء أي شيء بحوزتهم سوى الملابس . وبعد استجوابهم والتحقيق معهم أخذوا إلى الحدود العراقية الإيرانية دون أخطار أو إعلام أسرهم أو ذويهم بذلك , وبسبب قسوة الظروف الجغرافية والمناخية مات العديد من المهجرين.
      كانت عمليات التهجير القسرّي تتم باحتجاز الشباب , وقد قدر عدد المحتجزين خلال الستة اشهر الأولى بأكثر من (20000) شاب , وقد تم حجز الشباب العسكريين في بدئ الأمر في معسكرات الجيش العراقي التي كانوا يخدمون فيها , ومن ثم نقلوا إلى سجن الحارثية الواقع غرب مدينة بغداد , وبعد أسبوع تم نقلهم إلى سجن رقم واحد في معسكر الرشيد , وبعد عدّة اشهر من الحجز نقلوا إلى مديرية الأمن العامة في بغداد . واستمرت هذه الحالة حتى 14/7/1981 حيث جاء مسؤولوا السجن وبزيارة برزان التكريتي ليهدئوا حال المحتجزين والمضربين عن الطعام بسبب حجزهم من قبل الحكومة العراقية دون سبب وجيه , ثم بعد ذلك أخذوا مجموعة من المحتجزين حسب قائمة أسماء بحجة أنهم سوف يهجرون إلى إيران , وكان عدد هؤلاء بين (700) و(750) شخصاً , إلا أن هؤلاء لم يهجروا ولا يعرف مصيرهم سوى المسؤولين الكبار في الحكومة العراقية(13).
      استمرت هذه الحالة حتى تاريخ 5/12/1984 حيث تم نقل المحتجزين على شكل ثلاث مجموعات (كل مجموعة مكونة من 600 إلى 700 شخص) إلى سجن نگرة السلمان , وكانت الرحلة تبدأ في الصباح الباكر وتنتهي بعد منتصف الليل , علماً أن السجن يتكون من (16) قاعة مع (6) ملحات , وكان يودع في كل قاعة ما بين (100) و(120) شخصاً , بينما يودع في كل ملحق حوالي (30) شخص , وكان يقدم في بعض القاعات الطعام وعلاج بعض المرضى من شبابيك القاعات(14).
      وخلال شهر تشرين الأول من عام 1985م صدر قرار حكومي حول المحتجزين في سجن نگرة السلمان , ابلغهم به مدير الأمن العامة للشؤون السياسية المدعو (المقدم أبو سيف) قال لهم : (بمكرمة من الرئيس صدام حسين سيطلق سراح كل محتجز له أب أو أم أو أخ أو أخت غير محتجزين أو زوجة على ذمته غير مطلقة ولا محتجزة .. وسيشمله العفو ويطلق سراحه) وبناءً على ذلك فقد سلموا المحتجزين الاستمارات المطلوبة لملئها حيث يجري بعد ذلك التحقيق معهم(15).
      في أوائل عام 1986م بدأوا بنقل مجموعات من المحتجزين من سجن نگرة السلمان إلى سجون مديريات أمن المحافظات , بينما نقلت مجموعات أخرى إلى جبهات الحرب مع إيران في مناطق العمارة والفاو وكذلك العمادية وزاخو , أما البقية والذي بلغ تعدادهم (22000) شاب فلا يزال مصيرهم مجهولاً لحد يومنا هذا(16).
 
المصادر/
1- ابن منظور. لسان العرب. بيروت. ج1. ص631.
2- ابن منظور. المصدر السابق. ج5. ص91.
3- د. محمد فهد القيسي. تاريخ ما بين النهرين. التهجير القسرّي منذ الألف الثالث ق.م حتى الألف الثالث بعده. دمشق. تموز للطباعة والنشر.2016. ط1. ص13 ؛ عادل عامر. مفهوم التهجير القسرّي في القانون الدولي العام.
4- عامر سليمان. الجيش والسلاح في العصر الأكدي. بغداد. 1988م. ص120.
5- أياد عطية الخالدي. الهجرة العراقية. جريدة المدى.
6- سلام إبراهيم عطوف. التهجير القسرّي في الأدب السياسي العراقي الراهن. موقع الحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوار المــــــــــــــــــــــــــــــتمدن 4568 لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيوم 8/9/2014. رابـــــــــــــــــــــــــــــط           http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=431854
7- د. محمد فهد القيسي. تاريخ بلاد ما بين النهرين. مصدر سابق. ص145.
8- د. كاظم حبيب. محنة الأكراد الفيلية في العراق. مجلة الثقافة الجديدة.
9- جابر الجابري. انتهاكات النظام العراقي لحقوق الأكراد الفيليين في العراق. اصدار منظمة حقوق الإنسان للأكراد الفيليين في العراق. فيينا 1993. ص23.
10-                    المصدر السابق. ص23.
11-                    الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي الحالي بعد عام 2003.
12-                    عبد الأمير الجيزاني. جريمة تهجير الكورد الفيليين في العراق ؛ د. محمد فهد القيس. تاريخ بلاد الرافدين. ص148.
13-                    عبد الأمير الجيزاني. جريمة تهجير الكورد الفيليين في العراق. موقع كلكامش. النت.
14-                    لقاء مع المهجر عادل محمود خضير أغا في مركز مدينة الديوانية يوم يوم 11/10/1989م بعد اطلاق سراحه من السجن كون والده متوفى ومتهم بالتبعية الإيرانية , ووالدته على قيد الحياة ومن عائلة عراقية. مع العلم أن زوجته وطفله قد تم تهجيرهم عام 1979 إلى إيران مع عائلة الزوجة عائلة حميد الكعبي.
15-                    د. محمد فهد القيسي. تاريخ بلاد ما بين النهرين. ص155.
16-                    المصدر السابق. ص156.