هُمْ نالوا الشهادة، ونحن كُنّا شهودًا


المحرر موضوع: هُمْ نالوا الشهادة، ونحن كُنّا شهودًا  (زيارة 372 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 213
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
هُمْ نالوا الشهادة، ونحن كُنّا شهودًا
لويس إقليمس
بغداد، في 21 تشرين أول 2017
لا يختلف اثنان على أنّ شعب العراق بكافة مسمّياته وطوائفه ومكوّناته الدينية والعرقية على السواء، عايشَ الشهادة والاستشهاد مرارًا وتكرارًا منذ نشأة دولته السياسية الحديثة في 1921. إلاّ أنَّ الشهادة، أساسًا وفكرًا وهدفًا، تتباين من فئة لأخرى ولدى طائفة لأخرى ومن دين لآخر. وهي في المسيحية مبنية على أساس الإيمان بما هو مكتوبٍ من مصيرٍ للكائن المؤمن بربّه، وبالرجاء بقيامة الأموات يوم الظهور الإلهيّ الكبير ليدين الأحياء والأموات، وبالحياة الجديدة المختلفة ما بعد الموت التي لا أنهارَ ولا خمرة ولا نكاحَ ولا حوريات عليها وفيها. حينها، أي يوم الدينونة، " يَسمعُ جميعُ مَن في القبور صوتَه (أي صوت الربّ)، فيخرجُ الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيّئات إلى قيامة الدينونة" (إنجيل يوحنا5: 28-29). "عن الأعمال على الأرض، إنّما يُدان الإنسان".
في بداية المسيحية، لم تكن الحياة سهلة. فقد كانت هذه الديانة الغريبة التي بشّرت "بالإله المجهول"، قد فعلت فعلَها، وتمكن الرسلُ الأوائل وتلاميذُهم، من تغيير مفاهيم بالية وقديمة كانت سائدة في العهود الوثنية مع بدء انتشار المسيحية. كما لم تكن أسُسها قد رسيت بعدُ، بل إنها لاقت اضطهادًا شنيعًا وحملات قتل وتهديد وإبادة، ما حدا بالمسيحيين الأوائل للعيش في الدياميس ووسط المقابر وفي المغاير مختفين أحيانًا، خوفًا على أرواحهم. لكنّ إيمانَهم الوطيد كان بمثابة "ترس عنيدٍ وبيضة خلاص وسيفًا للروح" بوجه الأعداء والمتكالبين عليهم من شيوخ اليهود ومن الأمم على السواء، كما حصل ذلك مع نيرون الطاغية. وقد استحق مَن سقطَ قتيلاً في تلك الأزمنة الصعبة الغابرة، أن ينال إكليل الشهادة ليروي بدمه الأرض التي تطهّرت من الدنس الوثنيّ، فصارت تلك "الدماء بذارًا لحياة جديدة"، وعنفوانًا لسلمية الديانة الجديدة التي تمكنت أن تنهي بأخلاقها ومبادئها الراقية، أزمنةَ الوثنية التي سادت الامبراطوريات القائمة آنذاك، أي الرومانية والفارسية. وبالرغم من الحملات التشهيرية الكثيرة التي شكّكت بمبادئها والاضطهادات العديدة التي ضربتها بشدّة، ظلّت المسيحية وإلى يومنا هذا من أكثر الديانات انتشارًا في العالم، بسبب عالميتها وسلميّتها ووداعتها ومبادئها ولاسيّما باتخاذها مبدأ الخيار والحرية في الحياة، وإيمانها بفصل الدين عن الدولة واحترامها لقدسية الإنسان، كونه صورة الخالق الحسنة على الأرض.
بعد أكثر من ألفي سنة، تدور الدوائر وتُلاحَقُ هذه الديانة ثانية وثالثة ورابعة، مثل غيرها من الأديان التاريخية في العالم، ولاسيّما في منطقة الشرق، ويُضطهدُ أتباعُها من قبل جماعات أعماها الغلّ الأعمى والكراهية النتنة من نفرٍ ضالٍ من العاشقين المغترّين بثقافة الموت والمتشبعين بخطاب الكراهية، لا لشيء إنّما بسبب اختلاف غيرهم عنهم في الدين والعقيدة والفكر والسلوك وحسب، وبسبب عدم اعترافهم بثقافة الحياة وجمالها وأحقيتها لكلّ إنسانٍ خَلَقَ فيه إلهُ البشر الطيّب نسمةً حسنةً للإنشاد باسمه القدوس ورفع الطلبات والمدائح له، وهو خالق الأرض والسماء والعناصر. إنه لَمِن المؤسف حقًا، أن تحصل مثل هذه الانتهاكات المفسدة والمخجلة، في زمن العولمة   والتطور والتقدّم في أدوات الفكر والعلم والتكنلوجيا، بجرّ العالم المتنامي إلى زمن التخلّف والبوادي والصحاري والجِمال ووأد البنات، حين يُنحر بشرٌ أبرياء في الساحات العامة والمصلّيات والكنائس والشوارع والمسارح باسم صيحة "الله أكبر".
هكذا ارتفعت أصوات الإرهابيين الذين اقتحموا كنيسة سيدة النجاة مساء الأحد 31 تشرين أول 2010 أثناء رفع الصلوات لله في قداس مساء ذلك اليوم، واقترفوا جريمتَهم مثل غيرهم، كما يحصل ذلك لغاية الساعة في أماكن أخرى من العالم هذه الأيام.وهذه إشارة بارتهان الفكر والذهنية عند هؤلاء المارقين من الإرهابيين، ليبقوا أسرى عصور التخلّف التي كان ينبغي أن يمحوها الزمن منذ أجل بعيد. فهذه الفئات المغالية في فساد الفهم والموغلة في ترّهات الإدراك، مصرّةٌ كما يبدو بالمضيّ في غيّها الطائش، بسبب قصورِها وعدم قدرتهاعلى احتواء التعددية الجميلة في حياة البشر، والإقرار بجمالها وغناها للبشرية، وفهم الاختلافات الطبيعية في حياة البشر التي تعزّز من الابتكار في تطوير حياة سكان العالم وتقريبها نحو أعمال الخير والصلاح التي رسمها لها الخالق من خلال المنافسة الشريفة في التقرّب من هذا الجبّار محبّ البشر. فما يزال نفرٌ مارق متعطّش لسفك الدماء البريئة مصرّا بالعودة إلى سُنن التخلّف التي إن كانت صَلُحتْ استثناءً وفي حالات شاذة وفي ظرفٍ زمانيّ ومكانيّ محدَّد، بالأمس البعيد، فإنها لا يمكن أن تكون مقبولة في الألفية الثالثة. لم تتغيّر لدى هذا البعض الذي يصرُّ بالبقاء أسيرَ الأزمنة القبلية البالية والأحاديث الظرفية المنقولة غير المسنَدة التي لم تعد تنفع مع تقدّم الإنسان وتطوّر فكره وآلته وسلوكه البشري المتحضّر.
   مع قدوم القاعدة وداعش ومَن على شاكلتهما ووصماتهما منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 بأشكال عديدة، بأفكارهم البالية وكراهيتهم العالية للمختلف عن أجندتهم ومعتقدهم، حافظ المسيحيون على وديعة الإيمان والمعتقد، عندما خُيروا بين ثلاثٍ لا سواها: إمّا الإسلام، أو الجزية، أو القتل، تمامًا كما كانت هي ذات المواقف بالنسبة لأتباع ديانات أخرى مثل الإيزيديين وغيرهم. لذا آثروا ترك الأرض والمال والممتلكات والبيوت، مقابل حفاظهم على ترس الإيمان الذي فيه بيضةُ الخلاص، أملاً بالرجاء في الأبدية التي لا تنتهي مع مَن وعدَهم بالملكوت السماوي الذي لا تنضب جنانُه، ليس بشكلها الأرضي والماديّ التي صوّرتها التنظيمات والجماعات الإرهابية الإسلامية وفتاوى شيوخ القتل والكراهية والترهيب لأدعيائها المغرَّرين بهم، بل بالتمتّع بصورة الله، الرب، خالق السماء والأرض والعناصر، ومالك جميع البشر والحجر والهواء والأرض والماء والسماء. هكذا رسم المسيحيون، حتى في أيامنا هذه الصعبة، صورة رائعة للشهادة للإيمان والرجاء والمحبة التي ترافقهم منذ الولادة حتى الممات.
يمكن وصف ما يعيشه أبناء كنيسة العراق ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا، منذ زلزال 2003، وقدوم الخريف العربي "الأصفر" المشحون بالتشدّد الإسلاميّ المتطرّف حدّ النخاع، بالشهادة، ولو من نوعٍ آخر. عندما يبرز المسيحي إيمانَه من دوت خوفٍ، فهو شاهدٌ وشهيدٌ أمامَ الغير الآخر الذي يستكثرُ عليه مثل هذا الإيمان الراسخ في ضميره وفكره وقلبه ونفسِه. هو استشهاد أخضر مفعَم بالحياة، كتعبير عن الرجاء والاستعداد للحياة وللبذل والعطاء من أجل غد أفضل للجماعة وللمجتمع الذي يعيشُ وسطَه. أي بعبارة أخرى، هو شهيدٌ وشاهدٌ في إبراز "النمذجة" المسيحية المتميّزة والقدوة الإنسانية المشهودِ لها ضمن المحيط الذي يتواجد فيه. وهذا لا خلافَ فيه البتّة. فقيمةُ الشهادة تدوم مع التاريخ وفي قلب الشعوب ووسط الأمم ما عاشت ودامت وتذكرتْ.
الشعوبُ والأمم تفتخرُ بمواطنين، مدنين أو عسكريين، ضحوا بحياتهم من أجل الوطن في صراعاتٍ أو حروبٍ زُجّوا بها قسرًا، أو أُهلكوا دفاعًا عن مبدأ نبيلٍ عاشوا له أو هدفٍ سامٍ ذادوا عنه. كما تُقام لهم احتفاليات ويُشاد بفعلهم البطولي، لأن فعلَهم هذا كان متميزًا. ولو كان غير ذلك، لما أقاموا لهم أعيادًا وتذكارات واحتفالات تعيدُ ذكراهم، ذلك لأنهم خالدون مدى الدهر. واستشهاد مدنيين أبرياء ومصلّين مسالمين من أمثال شهداء كنيسة سيدة النجاة وما في أمثلتها وعلى شاكلتها، هي الأخرى شهادة تستحق التقدير والتبجيل والاحتفال بذكراهم. حتى وإنْ لم يقاتلوا في ساحات المعارك، لكنهم واجهوا الموت في لحظة عشق لملاقاة الخالق على طريقتهم، وهم يصلّون ويرفعون آيات الشكر والمديح للخالق الرحمن ويدعون بالخلاص والأمان والسلام لبلدهم وللعالم. كانوا هم أيضًا شجعانًا، لأنهم لم ييأسوا من رحمة الرب وواجهوا الموت في وجه شراسة مجرمين عتاة لا يعرفون تقدير الرحمة في الحياة. إنهم شغورٌ من الرحمة التي لا يعرف أمثالُ هؤلاء الإرهابيين مداها ولا مفعولَها ولا مصدرَها، وهم الذين يرددون كلّ يومٍ مرارًا وتكرارًا أنَّ الله الذي يعبدونه رحمن ورحيم، غفّارٌ وكريم!
هذا الصنف من البشر المتوحش، يعيشُ تناقضًا في الحياة وفي الفكر وفي المنهج، لا يقبلُه أيُّ صاحب عقلٍ رزين أو إنسان طبيعي خرج من بطن أمّه إلى الحياة حرًّا، جميلَ المنظر كما أراده الله الخالق أن يكون وأن يعيش. إلاّ أنَّ أمثال هؤلاء الكواسر، قد كسروا سنّة الخالق واختاروا ثقافة الموت واستهانوا بخليقة الله الحسنة المجبولة على صورته وشكله. أيُعقلُ أن يكره أمثال هؤلاء وجه الله الحسن الذي صوّرَه في حياة خليقتِه، لا لشي إلاّ لاختلاف ضحاياهم عنهم في الدين أو العرق أو المعتقد أو اللون أو أيّ انتماءٍ آخر؟ نعم، قد فعلها هؤلاء الأوباش، وسوف يفعلُها غيرُهم من أمثالهم الضالّين، كما يحصل اليوم في مواقع مختلفة وكثيرة من العالم الغربيّ الذي يأوي الآلاف وربما الملايين ممّن يُعدّون قنابل موقوتة قابلة الانفجار في أية لحظة أو مناسبة، طالما هناك فكر منحرف ومنهج معوجّ ونية مبيّتة وخطاب كراهيّة ساخن يرفضُ تكفيرَ أمثال هؤلاء، وفي ظلّ وجود دول وساسة وحكومات تخطّط وتدعم وتموّل وغيرِها تغضّ الطرف، وذلك في تواصل للإساءة إلى الغير المختلف أو المعترض.
في حادثة كنيسة سيدة النجاة المؤلمة، خسرنا كاهنين في ريعان الشباب والنشاط، ورجالًا ونساء وأطفالًا. همْ الذين نالوا الشهادة مساء ذلك الأحد 31 تشرين أول 2010، فانضمّوا بالتالي إلى قافلة شهداء المسيحية والإنسانية، إلى شهداء العراق والديمقراطية والحرية، حرية الدين والعقيدة والفكر والتنقل والراحة والاختيار. ونحن كنّا شهودًا للحدث، بل من "المعترفين" في المصطلح الكنسيّ المعروف. ولنا أن نفتخر بهذا، وأن تكون بعض دمائنا قد سالت هي الأخرى، شهادة حيةً للحدث، بل للمجزرة التي قصمت ظهر المسيحية من حينها ولغاية الساعة. فقد سالت دماءُ بعض الحضور المحاصَر في جنبات الكاتدرائية، وتعرّض العديدون للجروح والآلام والأذى في بعض الأعضاء والأجهزة الجسدية، طيلة أربع ساعاتٍ من القهر النفسيّ والرعب الجسديّ المتواصل.
اختصارًا، وبمقتضى الشهادة التي نعرفها، يُحصى شهداء كنيسة سيدة النجاة، مثل غيرهم من الذين سقطوا ضحايا العنف الأحمق والحقد الهمجيّ والكراهية الممقوتة في كلّ شبرٍ من أرض الوطن الجريح والإنسانية في كلّ مكان وزمان. هم شهداء الشجاعة أيضًا، لأنهم لم يتخاذلوا أو يضعفوا أمام السيف المستلّ على رؤوسهم والسلاح الأحمق الذي صُوِّب باتجاه أجسادهم البريئة. ونحن أيضًا شهودُ الشجاعة والبأس والرجاء، لأنّنا عشنا لحظاتها بإيماننا وصلاتنا وتقرّبنا من الله في محنة لا أحدَ حسدَنا فيها أو تمنّاها.
كيف لي أن أنسى الشهيد الشاب "أيوب" المرتمي إلى جنبي الأيسر في تلك الغرفة المظلمة بجانب المذبح "السكرستيا"، وهو مضرَّجٌ بدمائه الزكية. كان االشهيد الشاب أيوب، يصلّي بحرارة صلاة الوردية "أبانا والسلام" من دون كلل ولا ملل، بالرغم من إصابته الخطرة، وغادر بعدها الحياة نزفًا شديدًا بعد أن طالت المأساة وتأخرت النجدات. حالةٌ فريدة تستحقّ التأمل ولا يمكن نسيانُها. وهل لي أن أنسى أيضًا، ابتسامة الكاهن الشاب وسيم، وأنا ألج باب الكنيسة الرئيسي وهو يحيّيني بمحبته، أو القس ثائر الذي لم يخلُ حديثي معه قبل بدء القداس من طرافة وتندّر. فكانت تلك آخر ذبيحة إلهية يقرّبها على مذبح الرب. وتلك الذبيحة، إن هي لم تكتمل كما المعهود، فقد أتت كمالَها بلستشهاده وهو يسلّم نفسَه بيد باريها أمانةً، مطمئنًّا كما الفعلَة الأمناء في كرم الرب.
إنّي لمعتقدٌ أن العديد من الذين سقطوا شهداء تلك الجريمة وكذا مَن نجا من تلك الكارثة، كانوا محاصَرين في ذات الموقف من الصلاة وتسليم النفس والروح والجسد بيد الخالق والعذراء سيدة النجاة. بسببهم وبسبب شهادتهم، نحن نعيش اليوم لحظات الحزن والفرح معًا: حزنٌ لفقدانهم أعزاء وأحباءَ بيننا، وفرحٌ لكونهم نالوا الجعالة مكافأةً لتميّزهم عن غيرهم. ونحن اليوم معهم شهودًا ومعترفين، الذين عشنا معهم ساعات تلك الشدّة، بصدد إعداد ملفاتٍ لتطويبهم، إنْ شاءت السماء. لا أحد يستطيع تصوّر الموقف، إلاّ مَن شهد الواقعة المجزرة وهو بين الحيّ والميّت ينتظر المصير المجهول!
ليس كثيرًا أن تخصصَ كنيسةُ العراق، وشعبُ العراق وكلّ الأخيار فيه وفي العالم، لحظاتٍ لاستذكارهم والدعاء بشفاعتهم كي تزول الغمّة عن هذه الأمّة المبتلاة بالفساد والفاسدين والمفسدين، والمغالين والمتطرّفين والمتشدّدين منهم في الأرض. وما أكثرهم اليوم!
هذه اللحظات تستدعي منّا أن نجاهد في سبيل القيم الإلهية والإنسانية معًا، تلك التي يريدها الخالق من خليقته أن تتحلى بها أمام السماء وأمام البشر خليقته، باحترام الآخر المختلف والاعتراف بوجوده وبقيامه على الأرض مخلوقًا من ربّ السماوات والأرض.
شهداؤنُا، هم فخرُنا وعزّتُنا ورفعةُ رؤوسنا، ليسَ لأنَّ دماءَهم سالت، وروتْ أرضيةَ إحدى أهمّ كنائس العراق والشرق، فحسب، بل لأنهم شهدوا شهادة حقّ لربهم عندما قصدوا بيتَه للتعبّد له وللصلاة والاستراحة فيه. تلك كانت دعوةُ ربهم لهم كي يشهدوا تلك شهادة الحقّ لمخلوق تجاه خالقه أمام العتاة والطغاة والسفّاحين، تمامًا كما كان طغاةُ روما يقدّمون مَن سبق من الشهداء من المؤمنين فرائس للأسود النهمة التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة بأجساد ضعيفة.
إنْ كان كلُّ شهيد، له خصاله وشخصيتُه وسلوكُه تميّزُه عن سواه، إلاّ أنَّ الجميع اجتمعوا مساء ذلك اليوم حول مائدة الرب لتسبيحه والهتاف باسمه القدوس. فكانوا على موعد مع قدسية الشهادة. وأية شهادة؟ في كنيسة سيدة النجاة، لتُسعد أن تُدعى سيدة الشهداء.
شهداؤُنا، صاروا مثالاً للأمانة لكنيستهم ولرسالتها الإيمانية كما لأمّهم العذراء التي احتضنتهم في ديار ابنها التي لا تزول ولا تنتهي. ليست بمثل تلك الديار التي يشتهيها العتاة والمنحرفون من الجهاديين كارهي الحياة، ديارًا للخمرة والعربدة برفقة الحوريات العذارى، بل ديارٌ للخير والشراكة في الحياة مع الله الخالق ومع أوليائه وقدّيسيه الأبرار. إنهم شهداء الله، بل أحبابُ الله ومختاروه في فردوسه الذي لا تنضب فضائلُه ولا تنتهي نعمُه ولا تنفذ بركاتُه.
كنيسة المسيح ترافق اليوم، شهداء كنيسة سيدة النجاة في رحلتهم التي بدأوها في مساء الأحد 31 تشرين أول قبل سبع سنوات خلت، كلّ بحسب ظروفه وشخصيته وزمان عيشه وسلوكه. مبادئها   الأخلاقية والعقائدية كانت سفينتَهم نحو الشهادة، بعلمهم أو بدونه، بإدراكهم أو بدونه. وكما كانت الشهادة للمسيح ومن أجل المسيح، في بدايات المسيحية علامة للرفعة والافتخار والفرح، هكذا شهداؤُنا ومعهم كلّ الشهداء عاشوا تلك اللحظات الحرجة من حياتهم في ضيافة ديار الله. ما ينيف عن أربع ساعات مروّعة أمضوها بين الثنايا الكثيرة في بيعة الله المقدسة، كان خلالها أحباؤُهم خارج أسوار الكنيسة المجروحة يشاركونهم الألم والقلق والمصير المجهول.
ما زلنا مسيحيين، نواصل اليوم، عيش عصر الشهادة منذ سنوات في العراق الجريح، وما زلنا في هذه الأيام الصعبة، وعديدُنا يتناقص كلّ يوم، بسبب من هول تلك الكارثة.ما العمل؟ ما المصير الذي ينتظرنا؟ أنذرفُ دموعَ الحسرة والحيرة ونطيل البكاء والعويل كما يفعل الوثنيون ومَن على شاكلتهم؟ أم نعيشُ حياتنا وأيامَنا بالالتزام بالمبادئ الرسولية المعهودة والوقائع الإنسانية الوضعية والسلوك المسيحيّ المتميّز دائمًا وأبدا، كبشرٍ يحبّون الحياة ويعيشون حلوَه ومرَّها ويقدّرون ويحترمون أمثالَهم من البشر على اختلاف دينهم وعرقهم ولونهم ومذهبهم؟