الغموض في تفسير المفاهيم والتطبيقات النظرية في مقالتين للكاتب" أبرم شبيرا" ج 1


المحرر موضوع: الغموض في تفسير المفاهيم والتطبيقات النظرية في مقالتين للكاتب" أبرم شبيرا" ج 1  (زيارة 779 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د.عبدالله رابي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 539
  • د.عبدالله مرقس رابي
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                       الغموض في تفسير المفاهيم والتطبيقات النظرية
                            في مقالتين للكاتب " أبرم شبيرا" ج1
د. عبدالله مرقس رابي
   باحث أكاديمي

توطئة
                      من المقالات المهمة والمتميزة التي اثارت انتباهي والمنشورة على موقع عينكاوا  تلك المقالتين اللتين كتبهما الاستاذ "ابرم شبيرا" لاحتوائهما مفاهيم تخص علم الاجتماع منطلقاً منها لتفسير بعض الظواهر كما سابين ادناه. وما دفعني للكتابة وبيان الراي حولهما ،هو اكتناف تلك المفاهيم بعض الغموض وعدم استعمالها في ارتباطها مع الحالة المدروسة من قبل الكاتب، وأقصد بالغموض، عدم الوضوح في معانيها ولم تأتِ في السياق السليم بالربط المفاهيمي للظاهرة .
الاستاذ  القدير" ابرم شبيرا" من الكتاب المهتمين بشؤون شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني وأحداثه، ويتمتع بأمكانية فكرية ابداعية متميزة لميله الى الاسلوب العلمي الممنهج بقدر الامكان فيما يكتبه-  وبحسب علمي واذا كنت خاطئاَ ،ارجو ان يصححها القدير "ابرم شبيرا" أنه يحمل شهادة الماجستير في العلوم السياسية- وبالتأكيد سيتفهم في هذه التوضيحات ويتقبلها لتمتعه بالنضج الفكري والوعي العلمي ودرايته ما للمفاهيم اهمية في الكتابة المنهجية. وأود الاشارة الى:  طالما انه مختص في احدى ميادين العلوم الاجتماعية، عليه يُرجى الانتباه، بالرغم من المشتركات والارتباطات المتبادلة في الاستفادة المعرفية بينها الا ان كل ميدان معرفي علمي من هذه العلوم له خصوصياته في تفسيره للمفاهيم وطرق البحث في الظواهر التي يبحثها وربط التنظير بالتطبيق الذي يعد من المحاولات الصعبة جداَ عند الباحثين، اذ أن هذه المبادرات بحاجة الى المام شمولي في الفكر والنظرية. ولكونه استند الى علم الاجتماع  في تحليله كما جاء في مطلع مقالته الثانية، فلابد ان أقدم وجهة نظري ولو جاءت متأخرة عن تاريخ نشر المقالتين .
 تفسير مصطلح الاقليات
                       في مقال "شبيرا" الموسوم ( مختصر في فهم مصطلح الاقلية ومقارنته بمصطلح المكون المسيحي) المنشور على موقع عينكاوافي 15/8/2017 .قدم مواضيع مهمة لا غبار عليها وفقاً لتفسيرات علم السياسة ومنها مسألة استخدام مصطلح الاقلية علمياَ وسياسياَ، انما الذي استوقفني هوالفقرة هذه( الحياة والظواهر الاجتماعية كلها تكون قائمة على المفهوم الفلسفي الذي يقول بأن الانسان في طبيعته يحمل نقيضه ،وهكذا مع الظواهر الاجتماعية، وكان الفيلسوف الالماني "فردريك هيكل 1770 – 1831 الرائد الاول في أكتشاف قانون النقض في الطبيعة الانسانية والاجتماعية.....ألخ).وانطلق من نظرية هيكل في النقيضين ،نظرية " الصراع " في علم الاجتماع، لاجل تفسير مصطلح الاقلية ونشوء الاقلية السياسية او الاجتماعية في المجتمع.أي ان محاولة الاستاذ "شبيرا" هذه هي الربط بين التنظير والتطبيق. وبناءأ على اساسيات ومفاهيم ونظريات علم الاجتماع الحديثة يتبنى الباحثون الاجتماعيون تفسيراَ مغايرا لما جاء به الكاتب. وساوضح سوسيولوجياَ مسألة نشوء الاقلية الاجتماعية في المجتمع.
بالطبع تعد نظرية هيكل من النظريات الرائدة التي تبنت مفهوم الصراع الاجتماعي وبُنيت الافكار التي جاء بها علماء الاجتماع المنظرين وفقاَ لمدخل لصراع الاجتماعي التنظيري فيما بعد أنطلاقاَ من نظرية هيكل الصراعية بدأَ من كارل ماركس. وجوهر النظرية الصراعية هو( التناقض هو جوهر الظواهر الاجتماعية، ونتيجة الصراع والحركة في كل شيْ أو ظاهرة يولد الجديد ،وهكذا باستمرار،أي لا شيْ ثابت في المجتمع بل متغير، فالجديد يحمل عناصر من القديم ولكنها متطورة الى الامام ،أو بالعكس نحو الاسوء).بمعنى لكل ظاهرة نقيضها. 
منذ أن أنفصل علم الاجتماع عن الفلسفة الام في تفسيره للظواهر الاجتماعية بالمنهج الوضعي الاستقرائي تبنى علماء الاجتماع مداخل نظرية متعددة لتفسير الظواهر الاجتماعية ،وذلك لاختلافهم في رؤية الواقع الاجتماعي لانتماءاتهم الاجتماعية والفكرية والفلسفية المتباينة ،فهم لايرون الواقع الاجتماعي بمنظار واحد متفق عليه ،وانما هناك رؤى متعددة مرتبطة بالواقع الاجتماعي والفكري .وأبرزها، الصراع الاجتماعي، الوظيفية الاجتماعية، التطورية الاجتماعية ، وهي المعروفة بالنظريات الماكروية ، أضافة الى التفاعلية الرمزية  والتبادلية التي ظهرت في الولايات المتحدة الامريكية والمعروفة بالمايكروية. وتحتوي كل نظرية في ثناياها مفاهيم متعددة ينطلق منها العلماء لتفسير المجتمع وديمومته. فالوظيفية البنائية مثلاَ تدرس المجتمع (بأنه نسق اجتماعي يتميز بالتوازن والتجديد والترابط ،فهو نسق متوازن غير متصارع ،ولكل عنصر من عناصر النسق له وظيفة تلعب دوراَ ايجابياَ من أجل المحافظة على استمرارية النسق).
والنظرية الصراعية التي انطلقت منها تعرضت حديثاَ الى انتقادات شديدة ومنذ ظهورها، فمثلا اعتبر" ماكس فيبر" بعد فحصه لمناقشات"كارل ماركس" انها خاطئة انطلاقاَ من دراساته المُقارنة للمجتمعات البشرية زمانياً ومكانياً. فقد توصل الى ( أن شروط الرأسمالية المادية كانت موجودة في مناطق كثيرة من العالم عند نهاية المرحلة الاقطاعية الاوربية، لكن اوربا فقط هي التي عرفت نطاقاَ من المعتقدات والايديولوجيات قدمت حافزاَ اساسياَ لتطور التنظيم الراسمالي وهي الاخلاق البروتستانتية ،وفصلها في كتابه " اخلاقيات المذهب البروتستانتي وروح الراسمالية ".).فالصراع الطبقي هو بعد واحد وتجاهل ماركس الابعاد الاخرى فهناك المكانة الاجتماعية والنظام السياسي الذي يعتمد على القانون .
ويؤكد عالم الاجتماع " ايان كريب" ( النظرية الصراعية لا تفسر شيئاَ حيث اذا اردنا ان نفسر صراعاَ من الصراعات الحقيقية ،لا بد من وصف الظروف العقلية التي أدت أليه. فالنظرية تتنبأ ان الصراع ممكن والاجماع ممكن أيضاَ وعليه لا نحصل على اي تفسير نظري سببي أطلاقاَ). وركزأصحاب النظرية النقدية في علم الاجتماع وفي مقدمتهم "سي رايت ميلز" على الوظائف التكاملية للصراع (أي الصراع بوصفه يؤدي الى التكامل الاجتماعي وليس الى التفكك والتحول) وفي نظرهم ليس الصراع مقتصراَ على الصراع الطبقي كما ذكر ماركس بل هناك ،الصراع العنصري ، الجنسي، الديني، السياسي، بين الاجيال، بين التجار والعملاء، بين المنتج والمستهلك، وغيرها متعددة.
وجاءت على أثر الانتقادات الموجهة الى النظرية الصراعية التي انطلقت من النقيضين ،"النظرية الماركسية البنيوية"التي استخلصت من تلاقح الافكار نظرية" الاختيار الحر" أو الاختيار العقلاني ، وهي النظرية التي تتبنى الولايات المتحدة الامريكية ودول الغرب مفاهيمها في التعاطي في سياستها الخارجية مع البلدان المختلفة في تبادل المنفعة. وأخيراَ يؤكد " فرنسيس فوكوياما" في نظريته التي سماها " نظرية نهاية التاريخ بعد سقوط الاشتراكية 1989 " (ان الليبرالية الديمقراطية حلت معضلة الصراع التاريخي من خلال قيمها في المساوات، وبذلك تكون أوقفت التاريخ عن الحركة، فهي اذن نهاية التاريخ، أي كل المجتمعات تتطور وتنتهي بالليبرالية الديمقراطية).
لتراكم المعلومات المعرفية العلمية تاريخياَ لدى المنظرين والتوسع الشامل للاتصال الحضاري بين المجتمعات، ادى ذلك الى عدم ثبات الافكار المطروحة قديماَ في هذه النظريات، فظهرت على أثرها افكار جديدة لتغذيتها، فتغيرت الافكار والمفاهيم  الى ان استقرت الحالة في " النظرية التكاملية " البايونفسي اجتماعي" أي التفسير البايولوجي المتمثل بالوراثة الجينية والعوامل النفسية والاجتماعية للظاهرة الاجتماعية و منها  ظاهرة الاقلية.وعلى أساس المنهج التكاملي للتنظير تبين ان الغرائز الوراثية أو الدوافع تلعب دوراَ مهماَ في حياة الانسان ،.اذ تؤكد النظرية على أن النفس البشرية لا تتركب من الخير والشر فقط لكي يتصرف الانسان وفقاَ للمتغيرين ،بل هناك العشرات من الدوافع بحسب نظريات "ماسلو" و"مكدوجل" و" ثورنديك" وغيرهم تُشارك في بناء شخصية الانسان وراثياَ وهي نسبية بحيث يتغلب دافع على اخر فطرياَ،وتكون المسؤولة عن تصرفات الانسان وفقاَ للبيئة الاجتماعية التي تصقلها باطراد أو تناقص. فالشخصية ليست مجبولة من الخير والشر فقط لكي تحمل في ذاتها النقيضين وثم تؤثر في حركة المجتمع، بل الشخصية مجبولة من عشرات الدوافع الفطرية التي ترتبط بتصرفات الانسان وثم تؤثر في حركة المجتمع .
لما كانت النظرية الصراعية تستند في تفسيرها للظاهرة انطلاقا من عامل واحد وهو النقيض ، فأصبحت من النظريات غير المقبولة حديثاَ في علم الاجتماع الحديث الذي يتبنى الشمولية في التفسيرأي تأثير العوامل المتعددة وبنسبة متفاوتة، فالصراعية من النظريات الحتمية التي تستند في التفسير على العامل الواحد ،والعامل المفسر هو المتغير المستقل والعوامل الاخرى هي المعتمدة عليه بأكملها. ومثلها أيضاَ الحتمية الجغرافية، الحتمية البايولوجية" الوراثة" ، الحتمية الاقتصادية ، والحتمية الجنسية لسيجموند فرويد، وهذا خطأ علمي من المنظور الحديث.
أستناداَ الى التوجه النظري الحديث في علم الاجتماع يعد تفسير " الاقلية" وفقاَ لمبدأ النقيضين خاطىء لرفضه الحتمية في التفسير. فالاقلية المسيحية في العراق أو الدول العربية الاخرى لم تأتِ الى الوجود بسبب التناقض في ذات المجتمع النهرين ذو الغالبية من المسيحيين عندما غزوا العرب المسلمين بلاد النهرين ،أنما ظهرت الاقلية المسيحية أو بتسمية أثنية من الكلدان والاشوريين والسريان تاريخياَ بسبب الغزو والاضطهاد وما حمله هؤلاء الغزاة من مبررات دينية للسيطرة على الاقوام وابادتها أو تهجيرها.نعم اصبح المسيحيون أقلية بسبب الصراع ،انما هذا النوع من الصراع تكون نتيجة العوامل الخارجية المتمثلة بالغزو الديني، والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وليس نتيجة مبدأ النقيضين في المجتمع.
وهكذا أصبح السكان الاصليون في امريكا وكندا واستراليا أقلية ،ليس لوجود النقيضين في مجتمعهم آنذاك، بل بسبب الغزو الاوربي تاريخياَ وأبادة العنصر الاصلي ،أي بمعنى آخر العوامل الخارجية للصراع. ولم تظهرالاقلية لجماعة المثليين في المجتمع الغربي لوجود التناقض في ذات المجتمع بل تكونت لتميزهم بخاصية بايولوجية فطرية لاشباع الغريزة الجنسية لميلهم الى نفس الجنس. هكذا نحن الكلدان والاشوريين والسريان أقلية في أماكن تواجدنا في المهجر بسبب الهجرة من مواطننا الاصلية لاسباب متعددة معروفة ترتبط بذات الانسان او بالمجتمع ،ولم نكن أقلية بسبب التناقض في المجتمع الغربي.
وعليه أيضاَ لا يمكن أن نفسر الاقلية والاغلبية السياسية في البلدان الغربية الديمقراطية على ضوء مبدأ التناقض في ذات المجتمع،بل ان الاحزاب متعايشة سلمياَ وتشارك في بناء المجتمع انطلاقاَ من مبادئها، وهي ليست في حالة الصراع بينها بل في حالة التنافس كعملية اجتماعية اخرى تسهم في حركة المجتمع، أي التنافس على السلطة ،وترجع الى كونها أقلية أو أغلبية الى عوامل متعددة ،ترتبط منها بذات الفرد نفسه كنزعات غريزية، مثل حب السلطة فطرياَ ، او دافع الاستقرار والمحافظة على التقليد أو دافع حب المساوات أو دافع الانانية ،أو مواقف السياسيين من الظواهر الحياتية القائمة في المجتمع من الاجتماعية والاقتصادية والدينية ،وهذه المواقف بطبيعة الحال تدفعه الى بلورة موقفه السياسي والانضمام الى الحزب السياسي الذي تنسجم أيديولوجيته مع ما يؤمن به الفرد دون صراعٍ يُذكر، بل تفسره النظرية الوظيفية لتحقيق التوازن والاستقرار الاجتماعي وتعد عمليتي التكيف والتمثيل الاجتماعيتين كفيلتان لاحتواء الصراع بأنواعه بين افراد المجتمع الواحد ، وان كان هناك صراع ، ليس وجوده بسبب مبدا التناقض، بل لعوامل متعددة ذاتية وموضوعية.
يتبع رجاءاَ