حرب اهلية...إعلامية
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com عاد الحديث مجددا عن اخطار الحرب الاهلية، وانطلق، كما في كل مرة، لا من العراقيين الذين يفترض انهم سيبادرون الى هذا الخيار ويصبحون سادته ووقوده وضحاياه، بل من الخارج ..الخارج بما هو اقرب الى الرقبة من عنقها، واعني بالتحديد من دول مجاورة، عبر تصريحات وتلميحات تتخذ شكل شفقة(خطية) على العراقيين من ان ينحدروا الى محاربة انفسهم بانفسهم، ولا موجب للتأكيد بان هذه الشفقة غلاف لشئ آخر اسمه في علم السياسة: التشفي.
وبعيدا عن الريبة في نيات المحذرين من اندلاع حرب اهلية في العراق فإن شرعة الخوف علي وحدة العراق وسيادته وعلي نسيجه الوطني تشترط ان يكون التحذير من هذا المآل مترافقا مع خطوات أو مبادرات تخفف من أجواء الاحتقان الذي يفرّخ، عادة، اسباب وخلايا وذرائع الحرب الاهلية، كما هو معروف.
على ان مناسيب الحديث عن الحرب الاهلية في العراق ارتفعت هذه الايام فجأة، وبصورة لافتة، بعد الانتهاء من صياغة الدستور والشروع في مناقشته، وظهور الخلافات حول عدد من بنوده، وهو أمر متوقع، غير ان الامر الغريب يتمثل في اصرار القلقين الزائفين من اندلاع الحرب الاهلية على تقديم المزيد من التسهيلات اللوجستية والاعلامية والمعنوية لعصابات الجريمة الارهابية المنظمة، التي تعمل بكل قواها على تاثيث المسرح لاحتمالات هذه الحرب، بل ان إشعال الحرب الاهلية في مقدمة اهدافها الشريرة.
ولعل كثيراً من المشغولين في تأمل المستقبل العراقي يتوقعون حدوث بعض التهرءات في النسيج السياسي الاجتماعي العراقي خلال التقدم لبناء السلطة الجديدة، وحسب هنري كيسنجر، فإن الخطوات الأولي من العملية "ستؤدي إلي تفكيك البلد بدلا من توحيده، إذ ستسعي كل فئة إلي الحصول علي أكبر ضمانات ضد وقوعها تحت هيمنة فئات أخري، ومن أجل تحقيق مشاركة اكبر في السلطة والثروة. لذلك، قد يتدهور الوضع الأمني في العراق ــ علي الأقل مؤقتا ــ مع تحويل بعض الأطراف الساخطة هجماتها علي مؤسسات الحكومة الجديدة" غير ان هذا لا يعدو عن كونه قراءة من الخارج من تلك القراءات الكثيرة التي انتشرت عشية حرب العراق وأطلقت فرضيات اندلاع المذابح الاهلية في العراق، او انفصال المنطقة الكردية، او قيام الدولة الشيعية، أو تشظي العراق بين جيرانه الطامعين به والخائفين منه في آن.
لا شك بان حطب الحرب الاهلية متوفر في العراق، وأن ثمة جيوب وجدت نفسها (وأخري تخشي أن تجد نفسها) خارج سياقات الانتقال الي التطبيع تحبذ، أو تروج، أو تسعي الي تقريب الوضع من حرب اهلية قد تحسّن من مواقعها أو تفتح لها فرصا سياسية افضل في عراق ما بعد المذابح.
لكن ثمة ما يجاور ذلك، ويعاكسه (فيزياويا) هو ان العراقيين الذين دفعوا قسرا الى ثلاثة حروب طاحنة نالوا، عن جدارة، امتياز الشعب الذي يحسن تعريف معني الحرب علي حقيقته، فنأوا عنها طوال عامين كان الحديث عن احتمال اندلاعها وجبة دائمة للتهريج الاعلامي الخارجي، كما احسنوا احتقار مروجيها فعاملوهم بما يليق.
ـــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــ
"إما أن تسيروا، وإما ان تنقرضوا".
فولتير[/size]