يهود العراق والهوية الوطنية.. دور المثقفين والأدباء اليهود في الثقافة العراقية/ الحلقة الثالثة عشر


المحرر موضوع: يهود العراق والهوية الوطنية.. دور المثقفين والأدباء اليهود في الثقافة العراقية/ الحلقة الثالثة عشر  (زيارة 203 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 120
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور المثقفين والأدباء اليهود في الثقافة العراقية/ الحلقة الثالثة عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
لقد حاول الكتّاب اليهود خلق ثقافة أدب عراقي عربي من خلال الدراسة الدقيقة للغة العربية الحيّة الفعالة, غير أن اللغة العربية بالنسبة ليهود العراق هي اللغة الأم لأن اليهود كانوا مدركين لحجم التعامل في المجالات كلها داخل المجتمع العراقي, وقد اكتشفوا عند هجرتهم القسرية عام 1951م إلى إسرائيل إن الثقافة العربية كانت حيّة وفعّالة, مما ارتفع عدد اليهود العراقيين في إسرائيل ممن مارسوا الفنون الأدبية والصحافية ورواية القصة, لكن قلّة متابعة الجمهور الأدبي لهم مما ادى إلى سرعان تخلي هؤلاء الكتاب عن اللغة العربية وبدأ نتاج مؤلفاتهم الروائية باللغة العبرية, إلا الروائي سمير نقاش (1938-2004م) إذ استمر بالكتابة باللغة العربية مع زكاي أهارون وسامي موريه واسحق بار موشيه, فضلاً عن دراسة الأدبين العربي والفارسي في الجامعة العبرية مطلع سبعينات القرن الماضي, فكانت رواياتهم وشخصياتهم الرئيسة تتحدث عن ذكرياتهم في العراق ومشقة الحياة وانتمائهم لأرضه معززين هويتهم الوطنية بذلك, فقد قاوم الروائي سمير نقاش وبعناد الخضوع للثقافة العبرية الإسرائيلية, مفضلاً كتابة رواياته وقصصه القصيرة باللغة العربية, بالمقابل كان موقفه عكس موقف الروائيان شمعون بلاص وسامي ميخائيل وخضوعهما الجزئي للثقافة العبرية والفكر الصهيوني.
أسهم عدد من اليهود العراقيين إسهاماً فاعلاً في الثقافة العراقية, عدَّ بعضهم من الرواد في مجال القصة والرواية أمثال أنور شاؤل وشالوم درويش وسلمان درويش إذ كتبَ الأخير قائلاً (إن اللغة العربية وثقافتها نفذت في دمائنا) وبقية اللغة العربية ترافق اليهود العراقيين حتى بعد هجرة الكثير منهم من العراق (190-1951). عدَّ أنور شاؤل من رواد الشعر والقصة الحديثة, إذ دمج هويته العراقية وديانته اليهودية وحافظَ مع هذا الدمج على شيء من التوازن في شخصيته, أصدر كتباً عدّة في اوقات متفاوته منها (الحصاد الأول عام 1930م, وليم تل (ترجمة) عام 1932, أربع قصص صحية (ترجمة) عام 1935, قصص من الغرب عام 1937م, عليا وعصام عام 1948م الذي تحول إلى أول فلم عراقي, ليل الصبا عام 1950م, في زحام المدينة عام 1955, همسات الزمن عام 1956م, قاموس المصطلحات المطبعية عام 1967, كليتن كلين (ترجمة) عام 1967م.
ويشير الباحثون المهتمون بالأدب اليهودي العراقي إلى دور الباحث والكاتب والشاعر والاقتصادي مير بصري في الحياة الثقافية العراقية من خلال نتاجه الأدبي الذي تعود بداياته لعام 1928م, إذ نشر في صحيفة النهضة العراقية شعراً منثوراً بعنوان (الحرية), ونظم عدداً من الملاحم شعراً منها (نهاية الأبطال) التي نشرت في مجلة الكاتب المصرية عام 1946م, وكتب عن العديد من النخب العراقية السياسية والشخصيات اليهودية في المجتمع العراقي, وذكر الأحداث التي مرت باليهود في العراق كما في أحداث الفرهود في يومي الأول والثاني من حزيران عام 1941م, التي رواها في كتابه (رحلة العمر).
كما برز من يهود العراق في مجال الشعر مراد ميخائيل, الذي نشر مقالاته وشعره وقصصه في الصحف والمجلات وهو لم يتجاوز السادسة عشرة, فقد نشرت لهُ صحيفة دجلة بعددها الصادر في 11 نيسان 1922 قصيدته (يا وطني), ويعد الشاعر مراد ميخائيل من رواد قصيدة النثر. أما الشاعر الوطني إبراهيم عوبديا فقد ربط مصيره بمصير العراق والأمة العربية, وتجلى حبه في قصائده مثل : (بلادي, حارس الملك, بغداد, ذكرى النهضة العربية الكبرى, أيها الحق), كما كتب القصائد التي كانت تذاع من إذاعة بغداد في مناسبات شتى في مدح الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة والجيش العراقي, وحتى عند خروجه من العراق قائلاً (ولكنني بالرغم عني سأبقى إلى يوم القيامة بغدادي). أما الشاعر جاد بن مئير فعبَّرَ عن حبه للعراق من خلال قصائد شعره وتغزله بدجلة والفرات في قصيدة عنوانها (مياه الرافدين).
ونعود للروائي سمير نقاش الذي غادر العراق عام 1951م وعمره ثلاثة عشر عاماً, لكنهُ بقي يعبر في غربته عن هويته العراقية, وفي إحدى لقاءاته قال نقاش (اللغة العربية هي أقوى أدوات الكتابة, وأنا اكتب باللغة العربية التي أشم وأتذوق وأشعر بها, ومهما تعلمت من لغات أخرى فليس بمقدوري استحضار الكلمات مثلما استحضرها من لغتي العربية, ولهذا أنا وصلت إلى ما لم يكن بمقدوري الوصول إليه. وعلل سبب استمراره في الكتابة بالحرف العربي من دون الحرف العبري قائلاً (أنني أعشق هذه اللغة التي نطقت بها أول ما نطقت, واستطيع بواسطتها التعبير عن دواخلي بشكل أفضل, فلماذا أقيد نفسي بلغة اعرف عنها أقل وهي اللغة العبرية؟ ثم أن اللغة العربية تؤكد انتمائي العضوي إلى أصلي العراقي.
تميزت النخبة اليهودية الثقافية في العراق بمجالسها الأدبية والثقافية, ومن اشهر هذه المجالس (مجلس مناحيم صالح دانيال, مجلس عزرا صالح دانيال, مجلس الحاخام ساسون خضوري, مجلس أنور شاؤل, مجلس مير بصري, مجلس داود سمرة, مجلس نعيم زلخة, مجلس يوسف الكبير, مجلس إبراهيم حاييم, مجلس روبين بطاط, مجلس صالح قحطان), وكانت لهذه المجالس أهمية كبيرة في موقع الحوار الفكري في كل المجالات, وتداول الأخبار حول أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, فهي بمثابة تكوين الرأي العام على الرغم من محدوديته لأنها في أغلب الاحيان تكون نافعة وتجمع طوائف المجتمع العراقي كلها.

المصادر:

خلدون ناجي معروف. الأقلية البهودية. مصدر سابق. ص141.
أزهار عبد علي حسين الربيعي. النخبة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص171.
طالب مهدي الخفاجي. أدب اليهود العراقيين وثقافتهم في العصر الحديث. ط1. بغداد. مؤسسة مصر. 2008. ص42.
شموئيل موريه. القصة القصيرة عند يهود العراق 1924-1978. القدس 1081. ص85.
مهدي السعيد. مير بصري ينقب في ذاكرة بغداد الثقافية. مجلة المسلة العراقية. العدد 56. عام 2000. ص39.
مازن لطيف. يهود العراق تاريخ وعبر. مصدر سابق. ص343.
رشيد الخيون. الأديان والمذاهب بالعراق. بغداد. منشورات الجمل. ط1. 2003. ص107.