على أشكالهم يولّى عليهم


المحرر موضوع: على أشكالهم يولّى عليهم  (زيارة 309 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 222
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
على أشكالهم يولّى عليهم
« في: 17:42 23/12/2017 »
على أشكالهم يولّى عليهم
لويس إقليمس
بغداد، في 12تشرين ثاني 2017
كان ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، من بين الشخصيات السياسية البريطانية التي نالت القسط الأوفر من الاهتمام في تاريخ بريطانيا السياسي والاقتصادي، في ضوء دوره المتميّز بتعزيز المقاومة البريطانية ضد الخطر النازيّ حتى تحقيق النصر. وهذا ما أكسبه زخمًا وصيتًا دوليين على مرّ السنين. فكانت كلماتُه وخطاباتُه أشبه بالحِكَم في توجيه عقول العامة والخاصّة بفضل إدارته الواقعية لشؤون البلاد والمواطن. والكثير من المقولات التي نُقلت عنه، ماتزال رائجة بسبب جدّيتها وواقعيتها، ومنها مقولتُه الرائعة:"كلشعبفيالعالمينالالحكومةالتييستحقها". ومن وجهة نظره أيضًا، أنّ برلمان الشعب وتشكيلتَه يعكسان صورةَ طبيعةِ الشعب الذي يختاره وشخصيتَه، ومن خلاله يمكن الحكم على ذلك الشعب، إنٍ كان يستحق الأفضل أم بعكسه. ومعروف عن تشرشل استعداده للتحالف، حتى مع الشيطان من أجل مصلحة بلاده. وهذا ما أكسبه قيمة وطنية مضافة إلى سجلّه السياسي والاقتصاديّ الحافل بالانتصارات والتفوّق على غيره من سياسيّي عصره ولغاية اليوم.
حالُ الدول والأمم، تفوّقُها وتراجعُها، فوزُها وخسارتُها، تقدّمُها وتأخرُها، منوطة بطبيعة شعوبها ونوعيتها وأسلوب تفكيرها وسلوك السياسيّين وممثلي الشعب فيها على السواء. فإنْ ارتفع هؤلاء وارتقوا في سلّم الفضيلة والنزاهة والتطور ومخافة الله في ممثليهم، كانت شعوبُهم من أجلّ شعوب الأرض وأكثرها سعادة وتقدمًا وأقربها إلى ربّ العالمين علمًا وصناعة وفضيلة ومحبة ورحمة. وإنْ هبطت بهم الأخلاقُ وزاغوا عن طريق الحق، واستأثروا بالسلطة هدفًا، واستهتروا بحقوق ممثليهم واستغلّوا بساطتَهم في فرض القوانين التي لا تسايرُ تطور المجتمعات وبثروات بلادهم التي هي ملك الشعب وليس السلطة، فإنّهم قصدوا بذلك طريق الضلالة، ولهم عند رب لعلمين يوم القيامة حسابٌ عسيرٌ. تلكم بعضٌ ممّا ننتصح به في الأديان السمحة وما تعلّمناه من أبجدياتٍ في الحياة الإنسانية التي تولي قيمةً عليا للإنسان وترتفع به نحو الفضيلة كونه صورة الله الجميلة في الأرض، وكونه أيضًا، من أرفع الكائنات ممّا هو قائم على الأرض بعد الخالق.
الحياة تتطوّر نحو الأمام، ولا يمكن أن تتراجع إلى الوراء. ف"مَن وضع يدَه على المحراث، لا ينظرُ إلى الوراء"، أي بمعنى أنه لا يمكنه التراجع حتى تحقيق حراثة كامل الأرض كي تأتي بثمار جمّة في موسم قادم. ومواسمُ البلدان لا يرسمُها ويخطّطُ لها ويُعدّها إلاّ الخيّرون وذوو الإرادة الطيبة وأصحابُ الأفكار المستنيرة الذين يرتبطُ مصيرَهم نظريًا وفعليًا، بمصير الوطن والشعب معًا، وموازاتهما بالإنسانية جمعاء. فالاثنان قاربُهما واحد، إنْ هزّته الرياح وقلّبَته الأمواجُ العاتية يمينًا ويسارًا بلا هوادة، فقدَ توازنَه ومال إلى الغرق. وتلكم نهايتُه القاتمة، فيخسرُ ما حصدَه في أيام العزّ والنضال والجهاد، ليذهبَ هباءً منثورًا.والأمثلة في التاريخين القديم والحديث المعاصر كثيرة ولسنا بصدد ذكر نماذجها العديدة. بل لنا منها من أفضل ما حصل حديثًا لأحد أهمّ مكونات الشعب في شمال الوطن، فأطاح بمقدّرات الشعب الكردي وأفقده مكاسبَ ناضلَ من أجلها عشرات السنين، بل أجيالاً.
المنطقة الشرق أوسطية منذ زمن، على كفّ عفريت، والعراق ليس استثناءً.هذه المنطقة بالذات، تتجاذبُها اليوم، أمواجٌ داخليةمنها عنيفة صاعقة لا تقبل المهادنة، وأخرىضعيفة مهزوزةتقارعُها مصالح وضعية لا تتعدى مرمى منافع ذات طابعيّ شخصانيّ أو فئوي محدود الرؤية والمفاعيل، أو غيرها دخيلة مدسوسة أو هجينة معتوهة. وجلُّ هذه التطورات الخائبة، لا تنطق باسم الخير والحق ولا تسير وفق الصراط المستقيم، وطنيًا وإنسانيًا ودينيًا ومجتمعيًا. وإنْ لم يدرك أربابُها والقيّمون عليها من الساسة والزعماء ما يُرتكب من عمق الشرّ والتشظّي والانقسام بفعل القوانين وإجراءات الجائرة البعيدة عن خطّ الإنسانية والحضارة والمدنية وإرساء سبل السلام العالمي، فالمنطقة ماضية فعليًا في سيرها القائم الحثيث نحو الهلاك والتشظّي والتحوّل نحو الأسوأ، بحسب الشواهد والوقائع والحقائق على الأرض. والسبب في كلّ هذا وذاك، ضعفُ الرؤية البعيدة لواقع الحال وتسمّرُ القائمين على حكم البلدان والشعوب في المنطقة بفكر قاصرٍ ونزعة منكفئةٍ على الذات ونظرة طائفية ضيقة غير قادرةٍ على استيعاب تطوّر الأحداث وآفاقها وتصوّر مستقبلها الذي ينبغي فيه ضمانُ مصلحة عليا تسمو فوق أيّ شيء، تُسمى بالمصلحة العليا للوطن والشعب والإنسانية. وهذا يتطلب قبل كلّ شيء إدراكٌبضرورة فصل الأشياء والوقائع عن بعضها، من حيث فصل اختصاصات السلطات وتمييزها وإعطاء كلٍّ منها ما تسحقُّه من مسلَّمات الحياة من دون خلطٍ ومزجٍ عشوائيين، إلاّ في التنسيق فيما بينها من أجل رفعة البلدان والشعوب المقيمة فيها وتقدّمها وتحقيق أرفع نتائج التلاحم مع هذه الأخيرة بضمان تلبية مطالبها الطبيعية وحقها بحياة آدمية تكفلُ للجميع حرية الرأي والمعتقد والتنقل والتملّك والاختيار الأمثل وليس بفرض إرادات طائفية ضيقة على الغير أو استفزازات إجرائية لمكوّن دون غيره. فالإنسان أينما حلّ وارتحل، يبقى كائنًا بشريًا يستحق كلّ أنواع الرفاهة والسعادة والخير، وليسهو من ثمّة، سلعة للمتاجرة أو بضاعة مستهلكة بأيدي السياسيين والحكّام والسلاطين الذين يستغلّون طيبتَه وخلفيّتَه الدينية وبساطتَه الشعبية متى ما شاء الأسياد والفقهاء من أجل تحقيق مكاسب شخصية وفئوية وحزبية وطائفية ضيقة في أغلب الأحيان.
في هذا السياق يأتي ما أُريد به مؤخرًا، من تعديل في قانون الأحوال الشخصية بالعراق، والمرقم 188 لسنة 1959م الذي صان أحوال جميع المكوّنات بنظرته الشاملة من خلال صيانته للطفولة وفق اتفاقية الطفل الدولية التي أقرّها العراق. فأبسطُ ما يمكن قوله في السائرين في طريق التعديلات الطائفية الجديدة بحسب الشرع الجعفري، أنهم ماضون فيتأصيل الفكر الطائفي في البلاد وتقسيم المجتمع العراقيمن خلال إضعافهمللهوية الوطنية الجامعة لكلّ العراقيين، التي حافظ عليها قانونالأحوالالشخصيةرقم 188 لسنة 1959، مستبعدًا التشبث بالهويات الفرعية الجزئية التي لا يمكنها الحفاظ على مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، كماينص عليه الدستورالعراقي. وإنْ حصلت الكارثة وتمت المصادقة على هذه التعديلات، فعلينا أن نترقب عودة قادمة مؤلمة وكارثية تعيد العراق وشعبَه إلى حظيرة البلدان المتخلفة، أكثر ممّا هو عليه اليوم،لنعيش خارج المسارات المتحضّرة للإنسانية. أي أننا، سنسجل انتكاسة إنسانية جديدة للبلاد والعباد، عبر الانتقاص مجتمعيًا وثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا من كلّ امرأة عراقية، لكون بنود هذه التعديلات المجحفة لا تحفظ للمرأة العراقية كرامتَها وحقّها في الاختيار الذي يجري اغتصابُه بهذا القانون الطائفي بامتياز، بحجة الدين والطائفة والشرع الذي ينظرُ إلى الزواج كونه عقداستمتاعوليسعقدزواج ورضا بين طرفين ناضجين. بل ستكون الطفلة القاصرة في ضوء هذ1ه التعديلات، سلعة ومتعة للبازار ولمَن له ومَن يدفع أكثر في مجتمع ذكوريّ يريد فرض السطوة واستغلال المرأة والقاصرات منهنّ بعبارة أدقّ، بعيدًا عن قيم الرحمة واحترام خيارات الطفولة. كما أن مثل هذه القوانين الطائفية التي يراد سنُّها، ستبقيهذه الإنسانة المظلومة عورة، في شكلها وحديثُها وعلمها ونشاطُها ومساهمتها في بناء الأسرة والوطنوالمجتمع. فأين منها وقول أحمد شوقي:
الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددتَ شعبًا طيب الأعراق
أساس المشكلة في شعوب المنطقة الشرق أوسطية ومنها العربية والإسلامية، عدمُ إحكامِ العقل والرويّة في إدارة البلدان والمجتمعات، ذلك لأنها في مفرداتها الدينية والمجتمعية، لا تقرّ جوهريًا بحريّة الفرد والكائن البشريّ وبمنهج الديمقراطية والتطور الذي سادَ غيرها من المجتمعات الأخرى في العالم منهجًا إنسانيًا قائمًا. فمجتمعاتُنا كانت وما تزال منكفئة عقليًا ومنغلقة فكريًا وأسيرة الذات القبلية والطائفية والشرع القاصر والنهجٍ الحرفيّ في التفسير والتطبيق والتحليل والتعليل. فهناك مَن يريد حصر هذه المجتمعات بلون واحد، وهو يصرُّ عليه بالرغم من قتامته وبهاتته وخلوّه من الطعم والرائحة. وهذا الفكر الناقص كفيلٌ بإبقاء بلدان المنطقة مهزوزة، ضعيفة الشخصية، ركيكة العلم والمعرفة، لكونها تُدار من حفنة أو شلّة صلبة القوالب في تخلّفها، ناقصة الخبرة في تقييمها للأمور، وليس من نخبة ارتوت من العلم والمعرفة ووسائل الديمقراطية الصحيحة التي تكفل تداول السلطة والإتيان بالأشخاص المناسبين لقيادة البلدان وشعوبها على أساس المواطنة والكفاءة والرحمة وكلّ المعايير التي تتطلبُها الحياة بكافة تفصيلاتها وفروعها ودهاليزها، وليس وفق نصوص شريعة قديمة لم تعد مقبولة في عصر التقدم والرقيّ.
مع طيّ استذكارنا لأربعينية الإمام الحسين، نسأل بجدّية: هل هذا الذي يجري اليوم في مجتمعنا الذي يدّعي الالتزام الدّيني والأخلاقي، وفي بلدنا الغارق في الفساد بشتى أنواعه ونوافذه والذي أصبح قاعدة لا استثناءً، فيه لمساتٌ من ثورة الحسين الحقيقية ضدّ الظلم والاستبداد والفساد واستغلال الدولة والبشر من أجل مصالح ضيقة، شخصية وحزبية وطائفية؟ أليسَ هذا جزءًا بل بابًا مضافًا من سيادة رجال السياسة من الذين تجلببوا بغطاء الدين والمذهب والطائفة على عقول البسطاء من الأتباع الذين يهرولون مضطرين وراء هذه الفئات السلطوية بوعي أو بدونه بسبب حاجتهم إليهم جرّاء ضائقتهم الماديّة والاقتصادية التي تسبب بها مَن تولّوا أمرَهم؟
ولكن، تلكم سنّة شعوب المنطقة والبلدان التي تأبى التطوّر في الحياة، فكرًا وعقيدةً وإنسانيًا ومجتمعيًا. فهي تستحق مَن يولّى عليها من حكّام الفساد وانتهاب المال العام والسطوة غير المنضبطة على العامّة من البسطاء وبؤساء العصر، إنْ هي أبقت ذاتَها وفكرَها في حدود بوتقة القصور الذاتيّ. أليس ينطبق على المنطقة الحديث المنقول"كيفماتكونوايولّعليكم"؟فالشعبُ الذي يتحرّج أو يتردّد بالثورة والانتفاضة الشجاعة على الطغيان بأية حجة أو أعذار، يستحقّ ما يقع عليه من مثل هذا الظلم وإبقائه في بؤسه صاغرًا منبطحًا وتابعًا ذليلاً. ونموذج العراقيين خيرُ شاهدٍ. فهم يعيدون ذات النكبة وذات الخطيئة في كلّ دورة انتخابية لاختيار ممثليهم، حين عودتهم لإعادة لحس مؤخرات مرشحيهم الفاشلين الذين سرقوهم في عزّ النهار وتغوّلوا بغير حقّ على المليارات التي كان ينبغي أن تُصرف من أجل سعادة الإنسان العراقي وتحسين الخدمات البلدية في حيّه وبلدته، والترفيه عن حاله المتعبة حتى الانهيار وعدم المقدرة على إقاتة النفس الجائعة والسكن الآدمي الذي يستحقه.أليست هذه النزعة السلبية في حياة العراقيين، تعزّز من سمةالازدواجية في الشخصية،التي تحدّث عنها بإسهاب،عالم الاجتماع الوطنيّعلي الورديّ، ومَن يؤازره في الرأي والتحليل من علماء الاجتماع والسيكولوجيا؟
كلنا اليوم مسؤول عن إعادة الأمور إلى نصابها والذود عن الانتصارات المطّردة المتحققة ضد قواعد الإرهاب ومموليه وداعميه، ومؤازرة الحكومة في المكتسبات السياسية والاقتصادية المتنامية، والتي نتوقع منها المزيد في خانة الإصلاحات والكشف عن رموز الفساد ومحاسبتهم،والوقوف بوجه مَن يستغلّ بساطة البشر وفاقتَهم الحالية من أجل تحقيق منافع طائفية أو فئوية أو شخصية ضيقة الأفق تسيء إلى سمعة البلاد وشعب العراق العريق. وهذا هو السبيل الأمثل لرسم خريطة طريق جديدة للوطن والنهوض به وبمقدراته وفق أنجع السبل وأكثرها حضارة، كي نحافظ على ديمومة شعبٍ متجدّد التفاعل مع الأحداث وواضح الرؤية في التعامل مع احتراف السياسة والاقتصاد والاجتماع. وهنا فقط، يمكن قطع دابر مَن يسعى للولاية على الشعب المظلوم باستغلال ما أصابه من أحداث مؤلمة، ومن تخلّف مفروض عليه ومن رؤية قاصرة استغلُّتها إرادات ذكورية بحجة تطبيق مفاهيم فقهية طائفية لا تساير العصر والمنطق والعقل.
فهل "سيقع الفأس على الرأس" مرة أخرى، ويُلدغ العراقي من جحره ثالثة ورابعةً، ويولّي عليه ذات الشخوص الغائصة في الفساد والاستغلال السلبيّ للبسطاء من الشعب؟