الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن الجزء السابع والخمسون


المحرر موضوع: الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن الجزء السابع والخمسون  (زيارة 2037 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 563
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن
الجزء السابع والخمسون
الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في القرن 20 وبداية 21
 في مُستهَل القرن العشرين وقع اختيار مجمع الأساقفة الكلدان المنعقد في كنيسة مِسكنتا بالموصل في التاسع من تموز من عام 1900م، على مطران ابرشية سعرد مار يوسف عمانوئيل توما بغالبية الأصوات نظراً لِما عُهِد فيه من التقوى والعِلم وحُسن التدبير، وجرت رسامته بطريركاً في الأحد الواقع في 24 تموز للعام ذاته، واتخذ اسم " يوسف عمانوئيل الثاني توما بطريرك بابل على الكلدان"تزامنت حبريته الرئاسية مع سنوات عِجاف تخللتها الحروب والمجاعة، فكان الأقدر على التفاعل مع ظروفها من حيث تقديم الخدمات الضرورية للمحتاجين من أبناء شعبه. < كان لدوره أهمية قصوى أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، وكان لصوته صدىً مسموعٌ لدى عصبة الأمم حين النظر في عائدية ولاية الموصل المتنازع عليها بين العراق وتركيا، فالى المُستندات الثبوتية التي أرسلها اعتمدت العصبة في ضمِّ الولاية الى العراق! وكان عضواً في مجلس الأعيان العراقي ويحظى بإجلال من قبل الملك فيصل الأول ويستأنس برأيه ومشورته >. انتقل من هذه الفانية الى الأبدية عام 1947م بعد 47 سنة رئاسية كنسية عليا ( البطريركية).

خلف البطريرك الراحل (يوسف السابع غنيمة 1947-1958م) ومنذ بداية بطريركيته عام 1947م، نقل الكرسي البطريركي من الموصل الى العاصمة بغداد، ومنح عضوية مجلس الأعيان. وفي تموز عام 1957م دعا الى عقد مجمع في بغداد أعيد فيه تنظيم شؤون الكنيسة، فعيَّن له معاونان أحدهما في بغداد والآخر في الموصل، وما عداهما هناك أحد عشر اسقفا تحت سُلطته، خمسة منهم في العراق يُديرون أبرشيات شمال العراق: كركوك، عمادية، عقرة، زاخو، والبصرة في الجنوب، وفي ايران إثنان يُدير احدهما أبرشية سِنّا وطهران والآخر اورميا وسلامس. (وكانت للكنيسة الكلدانية رئاسة اسقفية في مدينة الأهواز، ولسوء الأوضاع السياسية في تلك الأثناء تركها مطرانها حنا زورا وقدِم الى كندا يقدم خدماته في خورنة تورنتو منتظراً تحسُّن الأوضاع السياسية في ايران ليعود الى أبرشيته) ولكن للأسف لم يجر أيُّ تحسن، فثُبِّت حنا زورا مؤخراً على رأس أبرشية استُحدِثت لمؤخراً للكلدان في كندا باسم < أبرشية مار أدَّي الكلدانية في كندا >، فأدارها حتى تقاعده في عام 2014م.

وللكنيسة الكلدانية أبرشية في بيروت العاصمة اللبنانية، وأبرشية في مدينة  حلب والجزيرة بسوريا. وفي تركيا ومصر، ونائب بطريركي في اورشليم – القدس، ووكالة بطريركية في روما لشؤون اوروبا. وفي عام 1982م تأسست أول أبرشية كلدانية في ولاية مشيكان الأمريكية باسم "أبرشية مارتوما الكلدانية في الولايات المتحدة الأمريكية" أنيطت رئاستُها بالمطران ابراهيم ابراهيم . في عام 2001م تأسَّست أبرشية ثانية في ولاية كاليفورنيا باسم أبرشية مار بطرس الكلدانية، مركزها مدينة سان دييكَو يُديرها المطران سرهد يوسب جمو، فغدت الأولى تشمل القسم الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية ويُقدَّر عددُ نفوس أبنائها بما يزيد على 250الف نسمة. أما الثانية فتشمل القسم الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية ويبلغ عددُ نفوسها بما يقرب من 100الف نسمة بعد الزخم الكبير الذي طرأ على الهجرة منذ منتصف عام2014م ولحد يومنا هذا. إنَّ هذه الأعداد تقديرية ومُرشحة لزيادةٍ مستمرة بسبب الهجرة، ولنا الكثير للحديث عن تقدم الأبرشيتين وازدهارهما في ربوع الولايات المتحدة، إلا أننا نترك ذلك للتاريخ ليتحدَّث عنهما بإسهابٍ في المستقبل.

إن عدد الكلدان في مختلف بلدان القارة الأوروبية يُقدَّر بحدود 100 الف نسمة بعد الهجرة الطارئة منذ منتصف عام 2014م وهو في ازدياد مستمر، وفي كُلِّ بلدٍ تأسست خورنة كنسية كلدانية أو أكثر تبعا للكثافة السكانية الكلدانية فيها، يُشرف عليها زائر بطريركي برتبة اسقف الى حين استطاعة الرئاسة العليا للكنيسة الكلدانية تعيين أكثر من اسقف للجاليات المنتشرة في أنحاء اوروبا، ونتمنى للرئاسة أن تمُنَّ عليها العناية الإلهية بالعون والمُساندة للقيام بأعبائها الثقيلة.

بعد وفاة البطريرك يوسف السابع غنيمة عام 1958م تمَّ انتخاب مطران عقرة بولس شيخو في ذات العام، وجرى انتخابُه بعد فترةٍ قصيرة من الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالنظام الملكي في 14 تموز 1958، فتولّىَ السلطة زمرة من الضباط بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، وسُرعان ما دَبَّت الخلافات بين الحكام الجُدُد، فلم تستقر الأوضاع كما كان متوقعاً ونجحت حركات انقلابية، وأخيراً نجح حزب البعث باستلام مقاليد الحكم في 17 تموزعام 1968م، وبدأت تظهر معوقات أمام البطريرك بمواجهته وضعاً جديداً، إذ في عام1972م فرض الحُكم البعثي تعليماً مسيحياً على جميع الطوائف المسيحية، ولم تمضِ على ذلك إلا ثلاثة أعوام حتى أصدرت حكومة البعث قراراً بتأميم جميع المدارس الخاصة. وفي غضون هذه الحقبة وبسبب الحرب التي اشتعل أوارُها بين الحكومة والأكراد، نزح سكان بعض قرى الشمال الى بغداد سعياً وراء الرزق وطلباً للأمان، فغدت الكنائس في بغداد تضيق بمُرتاديها لكثرة المُهجَّرين الوافدين إليها، فانبرى البطريرك ماربولس شيخو الى تشييد كنائس جديدة في مختلف مناطق بغداد لإحتواء أكثر عددٍ ممكن من المؤمنين حتى بلغ عددُها خمسة وعشرين كنيسة، كما شيَّد معهداً كهنوتياً وديراً وميتماً للصبيان. ورغم انعقاد السينودس في نيسان 1980م ومتابعة جلساته في روما بعد ستة أشهر، لكنِّه لم يُسفر عن أيِّ تجدُّدِ في حياة الكنيسة ومسيرتها. وللحقيقة القول: إنَّ البطريرك مار بولس الثاني شيخو تميَّز بصفاتٍ قلَّ أن اتصف بها رُعاة الكنيسة، فتجلَّت في حياته: البساطة والتواضع والتقوى والنزاهة والتجرُّد والغيرة على خلاص النفوس، وقد اتهم من قبل البعض بعدم التجدُّد والإكتفاء بالموجود، ولكن التاريخ هو الذي سيقول عنه كلمته الأخيرة.

وبعد وفاة ماربولس الثاني شيخو انتخب خلفاً له مطران أبرشية بيروت روفائيل بيداويذ في أيار عام 1989م، اكتسب تحصيله العِلمي من خلال دراسته في روما، فحصل على شهادة الدكتوراه، وكانت اطروحته لنيلها "عن رسائل البطريرك طيمثاوس الأول الكبير"، ونال الليسانس في الحق القانوني الكنسي،  وباطروحته عن الغزالي حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، رُسم اسقفاً لأبرشية العمادية في شمال لعراق عام 1957م، وفي أثناء اضطرابات كُردستان تعرَّضت دارأسقفيته للقصف وأصاب التدميرُ مكتبته العامرة بالمخطوطات النادرة، فنُقل عام 1966م الى ابرشية بيروت، وهنالك ايضاً تعرَّضت كاتدرائيتُه ودار اسقفيته الى التدمير أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. حظيَ بمكانةٍ كبيرة لدى الرئيس العراقي صدام حسين على غِرار ما حظيَ به سلفه الأسبق مارطيمثاوس الأول الكبير الذي عاصر أربعة من أعظم الخلفاء العباسيين، وكان نديماً للخليفة المهدي وأبنه الخليفة هارون الرشيد، إلا أن إنجازات مار روفائيل لم ترقَ الى مستوى إنجازات مار طيمثاوس، لأنَّ صدام حسين لم يرقَ الى مستوى المهدي والرشيد! في آخر حبريته أصيب بمرض جعله طريح المُستشفى في لبنان، فوافاه الأجل في السابع من تموز عام 2003م في بيروت التي كان مُغرماً بحبِّها حيث أمضى معظم حبريته الأسقفية فيها وكثيراً ما كان يتردَّد إليها خلال فترة بطريركيته التي دامت 14 سنة.

كانت علاقات الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية متميِّزة دوماً مع الحكومات العراقية المتعاقبة منذ بداية الحكم الوطني باستثناء فترة حكم الأخوَين العارفَين، إلا أنَّ في عهد البطريرك مار روفائيل الأول بيداويذ غدت أكثرتميُّزاً واتخذت علاقات الكنيسة طابعاً رسمياً مع الحكومات العراقية إبان حكم البعث ولا سيما عندما دانت السلطة بالكامل للرئيس صدام حسين، حيث قامت الحكومة بتخصيص إعانات مالية لتشييد كنائس جديدة، وتجديد القديمة المتهدِّمة من المزارات والأديُرة في شمال العراق. وكانت اللقاءات متواصلة بين البطريرك روفائيل بيداويذ والرئيس صدام حسين، وتبثُّها كافة وسائل الأعلام المرئية منها والمسموعة والمقروءة. ولم يتوانَ البطريرك عن حَثِّ الإكليروس لإظهار الولاء للنظام ودعوة المؤمنين للتعاون بإخلاصٍ معه على عِلاته. في عام 1989م قام البطريرك بزيارة بقايا المسيحيين في لبنان يُرافقه السفير العراقي، فالتقى بالعِماد ميشيل عون واكَّد مُساندة صدام حسين له بدون قيد أو شرط في نضاله ضِدَّ النظام السوري العدو المُشترك للبنان والعراق.

في أثناء انعقاد السينودس في روما بتاريخ 4- 5 من آذار1991م، نشبت حرب الخليج الثانية، وكان البطريرك روفائيل بيداويذ أحد المُشاركين في السينودس، فهبَّ واقفاً أمام سبعة بطاركة الكنائس الكاثوليكية في الشرق، والى جانب رؤساء المؤتمر الأسقفي لأساقفة المغرب وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، رفع صوته عالياً معلناً مُساندته لحكومة بلاده! وكان لا يتوانى ولا يتردَّد في الدفاع عن الرئيس العراقي صدام حسين كُلَّما سنحت له الفرص للحضور في المحافل والمؤتمرات، وهو يُردِّد مقولته: إنَّ الرئيس صدام حسين لا يُجسِّد الشرَّ المُطلق، كما ينظر إليه القادة الغربيون، ليُبرِّروا التدخل العسكري ضِدَّه،  وتزكية ضمائرهم في إعلان حربٍ على نظامه يعتبرونها عادلة!

كان البطريرك بيداويذ جريئاً وبعيدَ النظر، ففي المجمع الذي انعقد في آذار 1991م، تحدَّث وبتصوُّر مسبق عن الخطر والمأساة اللذين سيتعرَّض لهما الشعبُ العراقي فيما لوعَمَّت العراق "فوضى وأدَّت الى حربٍ أهلية" وعن نتائج حرب الخليج وصفها بالوخيمة، إذ لم تُفلح في حَلِّ المشاكل التي قامت من أجلها بل زادت عليها مشاكل أخرى أكبر منها. وفي تصريح له مع صحيفة الحياة في لقاء أجرته معه في كانون الثاني 1991م قال في جرأةٍ وصراحة < نحن المسيحيون مُواطنون عراقيون، وإن أحاق الخطر ببلدنا، فمِن الواجب علينا أن نُدافع عنه.

في ظروف العراق التي كانت محفوفة بالمخاطر تحدَّثَ عن مسيحيي العراق منبِّهاً عن الخطر الذي يُهدِّد هذا المكوَّن الأصيل والصغير نسبياً لدى حدوث أيِّ تغيير للنظام القائم في بغداد " إنَّه المُكون الذي عرف بحكمة أبنائه كيف يحتفظ بكيانه في بلده العراق " ولكن الدول الإسلامية وعلى إثر الحرب التي شُنَّت على العراق تأجَّج غضبُهم وزاد سُخطهم على الغرب وعلى    المُكون المسيحي بشكل عام متهمين أبناءَه بالولاء للغرب ثقافياً وسياسياً، وهذا هو الخطأ الفاضح بأن قسماً كبيراً من الشعب المسلم لا يُميِّز بين الولاء الوطني والولاء الديني! وفي تقرير آخر للبطريرك حول العلاقات المسيحية – الإسلامية يُصرِّح بأنَّ هذه العلاقات كانت جيدة قبل الحرب ولا تزال، إلا أننا نخشى المُستقبل، من أنَّ الجماعات الغوغائية ستتهيَّج ضِدَّ المسيحيين في مناطقها.

لا ينقطع المُسلمون عن التحدُّث عمّا وصفوه بالحملات الصليبية التي جرت قبل قرون ماضية ضِدَّ بلدان الشرق ذات الغالبية المُسلمة، ولكنَّ ما يغيبُ عن بالهم سهواً أو عمداً، بأن تلك الحملات لم تكن تُميِّز بين المُسلم والمسيحي في عدوانها، وها هم المُسلمون حتى اليوم ايضاً لا يُميزون بين الأمريكان والغربيين وبين مسيحيي بلدانهم. يقول البطريرك: كُنت احاول أن افهم المُسلمين بأن يُميِّزوا بين شخصٍ غربي وآخر شرقي مُواطن شريف وأصيل في هذا البلد وإن كانا ينتميان الى نفس الديانة ولكنهما يختلفان في المُواطنة. نحن لسنا بكُفّار ولا نحن بصليبيين. أما مُعاون البطريرك المطران عمانوئيل دلي الذي سيخلفه على الكُرسي البطريركي، لم يُغادر العراق وبقيَ مُقيماً في بغداد أثناء حرب الخليج الثانية. وكان يدعو الشعب الى الإطمئنان، حيث قال في إحدى مُقابلاته الصحفية: < ما مِن أحدٍ هدَّدنا، نحن شريحة من نسيج الشعب العراقي، لا أحد يشك في هذا أبداً، نحن المسيحيون في العراق نتمتع بكامل حقوقنا غير منقوصة >.

وكان لأساقفة الكلدان تحرُّكٌ وطني ضِدَّ الظلم الواقع على الشعب العراقي ولا سيما عندما غدا ضحية الحصار القاسي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي، فكانوا أول مَن هَبوا الى جانب سائر اساقفة البلاد الذين اتحد صوتهم احتجاجاً على ذلك الوضع اللاإنساني، مُطلقين صرخة مدوية الى العالم بأسره ومعلنين: <  نحن رؤساء الأساقفة الكلدان الحاضرون الآن  في بغــداد   الموقعون أدناه، نرفع تظلُّمَنا الى مسؤولي الأمم، والى جميع المحافل الدولية، والى إخوتنا في المؤتمرات والمجامع الأسقفية والى الجماعات المسيحية، والى جميع ذوي الإرادة الصالحة، راجينهم أن يتدخَّلوا لكي تُرفع جميع العقوبات المفروضة على بلدنا كونها غير إنسانية، أوضاعنا الإقتصادية والإجتماعية باتت كارثية، هذه العقوبات تطال الجميع، وبنوع خاص الأطفال والمرضى والمُسِنين والأكثر فقراً.  إننا أمانة لروح الإنجيل، وفي خط شرعة حقوق الإنسان، ندعوكم مُجدَّداً للعمل للإخاء العالمي، كي تُرفع العقوبات المؤدية الى مأساة انسانية متفاقمة يوماً بعد يوم. < قدَّر الأطباء بلا حدود عدد الأطفال المُهدَّدين بالموت جراء نقص الغذاء ب/(118) الف طفل، مع عدم أخذنا بالحسبان انتشار وباء التيفوئيد والإسهال والكوليرا والسحايا نتيجة قصف المؤسسات الصحية/ في 6 كانون الأول 1991م / توقيع 127 طبيباً >.

 خلف البطريررك الراحل روفائيل الأول بيداويذ نائبُ سلفه بولس الثاني شيخو ونائبُه أيضاً المطران المتقاعد عمانوئيل دلّي، ولد البطريرك عمانوئيل الثالث دلّي في تلكيف في 6/10/ 1927م، وبعد إنهائه المرحلة الدراسية الأولى في بلدته تلكيف، دخل الى معهد شمعون الصفا الكهنوتي الكلداني في الموصل. توسَّمت فيه إدارة المعهد نبوغاً وميلاً نحو التوسع في نهل العِلم، فأُرسلته إلى روما عام 1946م، ليستكمل دراسته العليا في كلية "انتشار الأيمان" وعقب تخرُّجه تمَّت رسامتُه كاهناً في21/12/ 1952. وبعد مرورعشر سنوات على سيامته الكهنوتية، رُسم اسقفاً في كانون الأول عام 1962م وكان عُمرُه آنذاك 34 عاماً، عيَّنه البطريرك ماربولس الثاني شيخو معاوناً له وسكرتيراً للبطريركية عام 1963م، واستمر في منصبه هذا طوال فترة بطريركية سلفه مار روفائيل الأول بيداويذ ولغاية 18/10/2002م حيث قدَّم استقالته لبلوغه السن المسموح بها للتقاعد وقُبِلت، انتُخب بطريركاً من قبل مجمع أساقفة الكنيسة الكلدانية "السينودس" المنعقد في روما في الثالث من كانون الأول عام 2003م، عُقِدت في عهده القصير نسبياً ثلاثة سينودسات في بغداد وعنكاوا ودير السيدة حافظة الزروع، نال شهادة الدكتوراه باللاهوت عن أطروحته “مجالس إيليا برشينايا مع الوزير المغربي” عام 1954م، ولما انتهى من دراسة الحق القانوني، قدَّم فيه اطروحة بعنوان( المؤسسة البطريركية في كنيسة ألمشرق) ونال عنها شهادة الدكتوراه عام 1959م. ومن إنجازاته: تشييده مركزاً للتثقيف المسيحي، روضة للأطفال في كنيسة مار يوسف شفيع العمال، مدرسة ابتدائية في كنيسة قلب يسوع الأقدس، مدرسة ابتدائية في كنيسة مارايليا الحيري، ومركزاً شبابياً في كنيسة ماريوسف في الكرادة، وداراً كبيرة للعجزة في بغداد تتسع  لمئة عاجز. وتقديراً لخدماته الجليلة في الكنيسة الجامعة وفي العراق، وتكريماً للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والشعب ألعراقي، أعلنه قداسة البابا بنيدكتس السادس عشر كردينالاً ضمن اثنين وعشرين كردينالاً جديداً في الكنيسة الجامعة يوم 17/10/2007، وفي يوم 24/11/2007 ألبسه قداسة الحبر الأعظم القبعة الكردينالية وفي اليوم التالي سلمه الخاتم الكردينالي مع الكرادلة الجدد. فكان بذلك أول كاردينال كلداني وثاني كاردينال عراقي بعد جبرائيل تبوني (عن البطريركية الكلدانية بتصرُّف صياغي).

لقد تزامنت بطريركية مار عمانوئيل الثالث دلي مع ظروف صعبة كان يمُرُّ بها العراق بعد التغيير السياسي الذي حدث في التاسع من نيسان عام 2003م. فلم يبرح عنه القلق على الوضع الأمني في العراق. تفاءَل خيراً بالإنتخابات العراقية، وبالرغم من ذلك فقد آلمته كثيراً أعمال العنف المُستهدِفة للمسيحيين الذين نأوا بأنفسهم عن مُساندة أيِّ طرفٍ من أطراف الصراع مُلتزمين بالحياد التام، فانتقد تلك الأعمال العنفية المُمارسة ضِدَّهم بشدة، ولم يتوانى عن بذل أقصى جُهدِه من أجل تحسين وتقوية معنويات الشعب العراقي عموماً والشعب المسيحي خصوصاً، الى جانب حرصه للحفاظ على علاقات صداقة مع القادة المُسلمين ومناشدتهم لإطلاق سراح المُختطفين. توفي البطريرك عمانوئيل الثالث دلّي في يوم 9 نيسان أبريل 2014 في مدينة سان دييغو، كاليفورنيا - الولايات المتحدة الأمريكية ونُقل جثمانُه الى مدينة ديترويت في ميشيغان - الولايات المتحدة. ليُدفن فيها، حيث تُقيم فيها أكبر جالية كلدانية ليس في الولايات المتحدة فقط بل في كُلِّ بلدان المهجر التي أمَّها الكلدان، وتلي جالية مشيكان جاليةُ كاليفورنيا من حيث تواجد الكلدان وتُعتبَر مدينة سان دييغو المركز الأكبر لتجمُّعهم.

في الأول من شهر شباط 2013 أعلنت إذاعة الفاتيكان، أن سينودس أساقفة الكنيسة الكلدانية المنعقد في روما قد اختار رئيس أساقفة كركوك سيادة المطران لويس روفائيل ساكو بطريركاً جديداً للكنيسة الكلدانية، بلقب (البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو) خلفاً لغبطة البطريرك الكاردينال مار عمانوئيل الثالث دلي الذي قدم استقالته في 19/12/2012. وقد  حظيّ الإنتخاب بموافقة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر استناداً الى المادة 76 من قانون الكنائس الشرقية.

ولد البطريرك مارلويس ساكو في قرية اصطبلاني التابعة لقضاء زاخو في شمال العراق عام 1949م لأبوَين تقيَّين . بعد إنهائه مرحلة دراسته الإبتدائية، دخل معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي التابع للمُرسلين الدومنيكان في الموصل عام 1963. وعقب إكماله الدراسة المقرَّرة في المعهد، رُسم كاهنا لأبرشية الموصل الكلدانية في الأول مِن ايار 1974. حصل على شهادة الدكتوراه في علم آباء الكنيسة من الجامعة البابوية في روما سنة 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقاً على شهادة الدكتوراه في تاريخ العراق القديم من جامعة السوربورن في باريس سنة 1986.


خدم في كنيسة ام المعونة في الموصل مدة 11 عاماً. وعين مديراً لمعهد شمعون الصفا الكهنوتي البطريركي في بغداد عام 1997 وحتى 2001، وعمل استاذاً في كلية بابل الحبرية. وفي 14 تشرين الثاني 2003م رُسِم مطرانا لأبرشية كركوك الميطرابوليطية.

للبطريرك لويس ساكو دورٌ استشاري في المجلس البابوي للحوار بين الاديان. وخلال خِدمته الكهنوتية في الموصل ألقى مُحاضرات عديدة ومتنوعة في الكثير من الأندية الدينية والثقافية والدورات اللاهوتية التي أشرف عليها فترة من الزمن. له اصدارات وبحوث ومقالات كثيرة منشورة في مجلات محلية وعالمية ومواقع الكترونية متعدِّدة تزيد عن 200 مقالة، فضلاً عن تأليفه ما يربو على العشرين كتاباً. اشترك في عدة محافل ومؤتمرات دولية، وكان عضوا بما تُسمّى "الهيئة السريانية في المجمع العلمي العراقي"، وعضوا في هيئة تحرير المجلتين الكلدانيتين "بين النهرين" ومجلة "نجم المشرق". وفي عام 1988م سنحت له فرصة التعليم في كلية اللاهوت بالمعادي – القاهرة. وقد حصل على العضوية في مؤسسة برو – اورينتي من اجل الشرق ومقرها النمسا.


حاز المطران لويس ساكو على عدة أوسمة منها وسام الدفاع عن الايمان من إيطاليا، ووسام باكس كريستي الدولية ووسام القديس إسطيفانوس عن حقوق الانسان من ألمانيا. يتكلم البطريرك لويس ساكو اللغة الكلدانية باعتباره كلدانيَّ القومية رغم مَيلِه الى ما تُسمّى بالسريانية الى جانب العربية، الايطالية، الفرنسية والالمانية والإنكليزية.


بالختام نتمنى للبطريرك الجديد مار لويس روفائيل الاول ساكو، كل الموفقية والنجاح في رسالته وخدمته الجديدة، كما نرنو الى أن يعدل عن فكرة مُحاربته لقوميته الكلدانية التليدة، ولا نُريد أن يُنادي بها ليل نهار، هذه الحجة التي يُرددها غبطتُه في رَدِّه على مُنتقديه، وإنما نُطالبه بعدم التنكُّر لها! وغبطته ليس الوحيد بهذه المُعاداة، وإنما مُعظم خريجي المعهد الدومنيكي ( معهد مار يوحنا الحبيب) المُعادي لتطلُّعات الكلدان قد ساروا على هذا النمط باستثناء البعض منهم ولا سيما الراحلين من دار الفناء الى دار البقاء، والخلود في الملكوت! ولكنَّني لا زلت واثقاً بأن سيدنا البطريرك ساكو لن ينجرَّ وراء ما يطرحه القابعون بجانب أجهزة الكمبيوتر ليل نهار مِمَّن استمرأوا الإرتزاق لقاء الترويج لِما يُمليه عليهم السياسيون الذين لا يهمُّهم إلا مصالحهم الخاصة حتى وإن أصاب من جرّائها المسيحيين الذين يدَّعون تمثيلهم أفدح الأضرار! وكما جاء في إعلان بطريركيتكم بتاريخ 14 نيسان 2015م ( بأنَّ مَن يبني البيت هم أهل البيت! نعم الآخرون يمكنهم المساعدة إذا كانت نياتهم صافية، ومع ذلك لن يستطيعوا الحلول محلَّ أهل البيت، وأن يبقى شعبنا شعب الرجاء يتطلع الى روح جديد وثقافة جديدة ويستخلص العِبَر من الماضي للخروج من أطره الضيِّقة ويتحرَّر من عقليته ومفاهيمه القديمة ويوصد الباب أمام انقساماته المُزمنة، وكما ذكرتم بأنَّ شعبنا أمام تحدٍّ مصيري أكثر مِن أيِّ وقتٍ مضى <يكون أو لا يكون> ) اقتباس من الإعلان. وطالما أنَّ سيدنا البطريرك مار لويس ساكو لا زال في ربيع العمر أطال الله عُمره، ومنحه القوة للصمود أمام هذا الظرف العصيب، ليس لنا الحق في الحكم على أفعاله الراهنة، لأنَّ الزمن وكما عَلَّمنا كفيل بالتغيير، فنترك ذلك للتاريخ للحكم على الصالح والطالح مِنها، نسأل المولى أن يكون صالحُها الأقوى.

إنَّ أحوال الشعب المسيحي عامة والكلداني منها خاصة في بلده الأصيل العراق ومنذ تحرُّره من الهيمنة العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقيام الحكم الوطني فيه بقيادة الملك فيصل الأول وخلفائه، كانت تتصف بالهدوء والأمن والإستقرار. ولما انقلب العسكرُ على الحكم الملكي في 14 تموز 1958م بانقلاب دموي، ظنَّ الشعب العراقي بأن أوضاعه ستنتقل الى الأفضل، ولكن الواقع خيَّب ظنَّه إذ لم تمضِ إلا فترة قصيرة حتى ثار الإنقلابيون على بعضهم البعض، فقامت حركة معادية للنظام الجديد بقيادة عبدالكريم قاسم قادها العقيد عبد الوهاب الشواف من الموصل عام 1959م، ولكنها باءَت بالفشل حيث قضي عليها في مهدها وراح ضحيتها عدد كبير من الشعب، ثمَّ أعقب ذلك انقلاب آخر في شباط عام 1963م قام به ضباط قوميون أسفر عن قتل الزعيم عبدالكريم قاسم وبطانته وعدد لا يُستهان به من الموالين له، ولم تمضِ إلا فترة قصيرة استطاع بعدها عبدالسلام محمد عارف من الإستفراد بالحكم وطرد شركائه البعثيين، فتعرَّض للإغتيال في حادث سقوط طائرته، فأنيط الحكم بأخيه عبدالرحمن محمد عارف رغم عزوفه عنه! وفي 17 تموز 1968م استطاع البعثيون بقيادة أحمد حسن البكر بإزاحة عبدالرحمن بانقلاب سلمي ونفيه الى تركيا ثم تصفية جماعته المتواطئين معهم وذوي الفضل في نجاح الإنقلاب، فصفا الجو للبعثيين ومسكوا زمام الحكم بيد من حديد، وبعد عقدٍ من الزمن، استطاع نائب رئيس الجمهورية صدام حسين من إجبار الرئيس أحمد حسن البكر على الإستقالة وإناطة الرئاسة به، فاستفرد صدام بالرئاسة وبحزب البعث منذ عام 1979م وحتى 9 نيسان عام 2003م الذي فيه احتل الأمريكان العراق بمشاركة الحلفاء الدوليين.

لم يكن المُراد من الإستعراض الوجيز الذي أشرتُ إليه بخصوص التحولات السياسية التي جرت في العراق، إلا للدخول الى ما آلت إليه أوضاع المسيحيين الكلدان أكبر المكوِّنات المسيحية الأخرى من الإنتكاس ووصولها الى الحضيض، بعد التغيير السياسي الذي حدث في العراق من جراء الإحتلال الأمريكي للعراق، وإرسائه نظام الحكم المُرتكز على المُحاصصة الطائفية والمذهبية الدينية، التي أدَّت الى بروز الصراعات الدموية بين الفئات المُنخرطة فيه. ما كان وضع المسيحيين الكلدان ينحدر الى هذا المستوى المتدهور لولا تآمر أصغر مكوِّنات المسيحيين المعروف بالمكوَّن الآثوري ( وهو في حقيقته كلداني نسطوري متمرِّد) الوافد الى العراق تحت حراب الإنكليز زمن انتدابهم على العراق في بداية عهده الوطني بصفة جماعةٍ لاجئة وقتية مطرودة من موطنها في منطقة هيكاري الجبلية العائدة الى تركيا ومنطقة اورميا في ايران، وستُعاد إليها بعد استقرار الأوضاع في تركيا الحديثة وريثة الإمبراطورية العثمانية المُندحرة. إن هذا التبرير الإنكليزي كان خدعة انطلت على الحكومة العراقية الفتية وعلى الشعب العراقي عامة، ولم تنكشف إلا بعد فترةٍ عندما ضغط الإنكليز من موقعهم القوي آنذاك على الحكومة العراقية بوجوب إفساح المجال لإقامة هؤلاء بصورة دائمة في العراق، فلم يكن هناك خيار أمام الحكومة العراقية إلا الرضوخ لأوامر الإنكليز! وهكذا أصبح هؤلاء الغرباء مُقيمين دائمين في العراق.

إنَّ هؤلاء الأغراب الوافدين الى العراق عن طريق الإحتيال الإنكليزي المُرتكز على الخداع والدجل، والمعروف من قبل كافة الشعوب ذات الحظ العاثر بوقوعها تحت سطوة الإنكليز، لم يرضوا بالعيش في العراق بهدوءٍ واستقرار، لكنهم أبوا وأرادوأ تعويض الخسارة التي مُنيوا بها بالأرواح والممتلكات في موطنهم بتركيا وايران وبين مجاوريهم أبناء القبائل الكُردية، عن طريق تحدّيهم للحكومة العراقية التي وافقت على ايوائهم في العراق وإن كانت مضطرّة على ذلك، حيث طالبوها بإفراز اقليم مستقل لهم من أرض العراق يُمارسون فيه الحكم الذاتي تحت قيادة بطريركهم الذي طالب بالسلطة الزمنية الى جانب سلطته الروحية! وهذا المطلب سبَّبَ لهم الكارثة بمأساة سميل وضواحيها في السابع من آب 1933م. وبعد هذه المأساة ارتحل عددٌ منهم الى سوريا أيام الإنتداب الفرنسي واستقرّوا في منطقة الخابور، وأما مَن بقي في العراق فلم تعترض الحكومة العراقية  على عيشهم في العراق وتحت القوانين العراقية بالرغم من نفيها لزعيمهم البطريرك النسطوري وبطانته الى قبرص.

لم يبقَ أمام هؤلاء الآثوريين النساطرة (كلدان الجبال المتمردين) مَن يتحرَّشوا به، بعد اندحارهم في موطنهم بتركيا وايران والعراق إلا أن ينتقموا من إخوتهم الكلدان الكاثوليك الذين غدوا من أشدِّ أعدائهم منذ أن حرَّروا أنفسهم في منتصف القرن السادس عشر مِن المذهب النسطوري الهرطوقي، ثمَّ انعتاقهم من الإستبداد المُمارَس ضِدَّهم بل الإستعباد من قبل رئاسة كنيستهم العشائرية المتخلفة المتمثلة بالعشيرة الأبوية (آل أبونا)، وبما أنهم غير قادرين على المُجابهة القتالية أولاً لضآلة عددهم بالنسبة للكلدان، وثانياً لخوفهم من ردع الحكومة لهم واحتمال قيامها بنفيهم، فلجأوا الى التآمر على الكلدان بكُل أشكاله وألوانه ولا سيما بعد التغيير السياسي في العراق الذي تمَّ عام 2003م، حيث سنحت لهم ساحة التآمر بكُل وُسعها، فقاموا بإغراء حاكم العراق المدني الأمريكي بول برايمر حفيد أسيادهم الإنكليز بكُل أنواع الإغراءات غير المشروعة، فناصر ممثلهم الثعلب يونادم كنا النسطوري على غبطة البطريرك عمانوئيل دلي الكلداني الكاثوليكي وعهد إليه بتمثيل المسيحيين في مجلس الحكم الإنتقالي، ومن موقعه هذا بدأ يُغازل ممثلي الطوائف الكبيرة العرب بشقيهم الشيعة والسنة والأكراد مُستخدماً الدهاء الإنكليزي الذي تعلَّمه مِن اسلافه المُستعبَدين من قبل الإنكليز زمناً طويلاً، فراح يعقد معهم صفقات مُريبة ويروي لهم تاريخاً مزيَّفاً ضِدَّ الكلدان، ويعدهم وكُلٌّ منهم على حِدة، بأنه قادر على استمالة الأمريكان الى جانبهم، وهكذا استطاع خداعهم فوافقوه على نفاقه، فمَن هم الكلدان ومهما كان عددُهم حتى يُناصروهم.

والتآمر الأبشع الذي مارسه يونادم كنا بذكائه الإحتيالي وبمساندة أعضاء حركته اللاديمقراطية الشوفينية وأعضائها فاقدي الضمير مُحترفي التشهير بائعي ذواتهم للشرير، هو قيامهم ببَثِّ سموم دعاياتهم بين الجماهير التي لا اهتمام لها بالمصير، ولا يعنيها تأنيب الضمير، لماذا كُلُّ هذا النزوع الفاشي المتفشّي في دواخلكم يا منتسبي الأحزاب الآشورية المُزيَّفة لمُعاداة الكلدان وفي مقدمتكم المُهرِّجون الزوعاويون! هل كان الكلدان المُسبِّبين للكوارث التي حَلَّت بكم في مثواكم الإنعزالي؟ هل الكلدان هم الذين غَرَّروا بكم ودفعوكم لخوض القتال ضِدَّ مَن كنتم تسكنون بين ظهرانيهم الأتراك والإيرانيين والأكراد؟ بماذا أساء إليكم الكلدان حتى تُجابهونهم بالعِدوان؟ لماذا كُلُّ هذا الحقد المُفرط في الإستهانة بوجودنا التاريخي كأمةٍ كلدانيةٍ تليدة فاقت بمجدها وتُراثها اللذين لم تستطع أية أمةٍ في تاريخ البشرية أن تُجاريها بهما، من حيث الثقافة والمعرفة والعلوم التي نهلت منها الشعوب وعملت على تطويرها فأوصلتها على ما هي اليوم من مجدٍ وعظمة!

أليست الأساليب الملتوية التي اعتاد على استخدامها عدوُّ الأمة الكلدانية يونادم كنا لإبعاد الكلدان عن المناصب الحكومية دليلاً على نزعته العِدوانية الإنتقامية المُريبة؟ وهل ممارسة السيد كنا لأساليب الأحتيال  والمراوغة  للوصول إلى تحقيق مآربه وأهدافه الشخصية المريضة، هي بدافع الحرص على تنظيم زوعا أو جماعته الطورانية التي أسبغ عليها الإنكليز التسمية الآشورية الدخيلة. كلا، بل إن دافعه الوحيد هو نصبُ دمى يُحركها بأصابعه الروموتكونترولية إشباعاً لرغباته الجامحة البعيدة عن كُلِّ المُثُل الإنسانية! والدليل على ذلك هي الشخصيات الزوعاوية التي سعى الى توظيفها في مؤسسات الدولة تُبرهن ذاتياً بأنها  فارغة ومعدومة الفاعلية، ولكنها تدين بالولاء  لوليِّ نعمتها يونادم كنا. إن عِداءَكم  للكلدان هو     متوارث يا معشر النساطرة! هو عِداءٌ مذهبي متأصل بكُلِّ نسطوري منذ الولادة وحتى الموت.

اننا لا نُبالي بتخرُّصات مَن جعلوا من أنفسهم جماعة نكرة، وتنصَّلوا عن هويتهم الأصيلة "الكلدانية النسطورية" لقاء إغراء الغرباء بوعودهم الكاذبة، جعلوا منكم زمرة منبوذة، للكذب مُحترفة وللحق نابذة. ليس الكلدان بحاجةٍ الى اعترافكم إذ لا قيمة له عندنا، وعقدة النقص المُستحكمة في أذهانكم هي الدافع الأول لإنحرافكم عن جادة الصواب فدفعتكم للسعي الى الخراب! إنَّ تاريخ الانسانية زاخر بذكرنا، فليس هناك من هاجس بهذا الشأن يؤرقنا. وإنما الذين انتحلتم تسميتهم المشؤومة هي التي جلبت عليكم النقمة، كما كانت سبباً لإنقراضهم المأساوي وزوال ذِكرهم من التاريخ لِما يزيد عن خمسةٍ وعشرين قرناً، وإذا كان التاريخ يُعيد نفسه، فإننا لا نتمنى لكم ذلك المصير ولا حقدَ لدينا نحوكم، كما هو لديكم نحونا!

الذي نستهجنه فيكم هو إدِّعاؤكم الكاذب بأنَّ القربى تجمعكم بنا، فإذا كنتم صادقين لماذا انقلبتم الى عقارب تلدغنا؟ أليس الظلمُ الآتي من ذوي القربة أشدَّ وأمَرَّ مِن ظلم أيِّ فريق آخر؟ لماذا تُراودكم أحلامُكم السوداء وأمانيكم الخبيثة ورغباتكم البائسة لسرقة تاريخنا وطمس ذِكرنا، أليس هذا دليلاً لإفتقاركم الى صفاء الفكر والوجود الإنساني السليم! إننا لسنا عقبة كأداء أمام سعيكم في استعادة مجد آشوريي التاريخ المنقرضين الذين تبنيتم تسميتهم وأنتم لا تمتُّون إليهم بأيَّة صِلةٍ ومِن أيِّ نوع. وسنكون أول المُهنئين لكم لو استطعتم رفع رايتهم فوق إحدى مناطق نينوى التي لم تعرفوها ابداً حتى أتى بكم إليها أسيادكم الإنكليز فهل تُنكرون؟ وإذا انكركتم هل سيُصدِّقكم العالَم الذي يعلم أين كنتم وكيف عانيتم ولماذا جيءَ بكم الى العراق ! ونحن أبناء الأمة الكلدانية العريقة لا نُريدكم أن تُعوِّلوا علينا أن نُجاريكم في مسعاكم الخيالي، أتركونا وشأننا متمنين لكم نجاح مشروعكم.

الشماس د. كوركيس مردو