الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك! (6-6)


المحرر موضوع: الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك! (6-6)  (زيارة 272 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1063
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
(6-6)
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بالدواعش!
هناك العديد من التصورات والمقترحات المطروحة التي ترى ضرورة الالتزام بها لمعالجة أوضاع ما بعد داعش، أو ما بعد التحرر من عصابات داعش، في حين ما يزال العراق يواجه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الذي تسبب فيما تعاني منه الموصل وسهل نينوى وبقية المحافظات الغربية، إضافة لما يتوقع حصوله من مشكلات إضافية بسبب استمرار وجود الحشد الشعبي على الصعد العسكرية والسياسية والاجتماعية. (ملاحظة: يمكن قراءة الكثير من المقالات في هذا الصدد ونشير هنا إلى: 1) الدكتور سيار الجميل في مقال له بعنوان "هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ موقع العربي الجميل، بتاريخ 24 تموز/يوليو 2017؛ 2) الدكتورة أسماء جميل رشيد، في بحثها الموسوم "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389، أيار 2017، ص 28-39).   
أن الحلول الواقعية يفترض أن تستند إلى قواعد عمل ثلاث:
** استخدام المنهج العلمي في دراسة وتحليل القضية أو القضايا المطروحة للمعالجة؛
** الاستناد إلى الواقع الموضوعي القائم لرؤية ما يمكن تحقيقه بعيداً عن الرغبات الذاتية أو الحلول المتخيلة، رغم أهمية وصواب استخدام خصوبة الخيال غير الجامح في مجمل العملية، وفهم التعقيدات المحيطة بالقضية والمتشابكة معها؛
** فهم واستيعاب دروس التاريخ التي مرّت على القضية أو القضايا التي يراد معالجتها وعلى أولئك الذين كانوا جزءاً من هذا التاريخ.
واستناداً إلى هذه الرؤية فأن صيغ العلاقات الماضية بين اتباع القوميات والديانات والمذاهب بالعراق لم تكن مثمرة وسليمة ودافعة نحو الأفضل والعيش التضامني المشترك. وهذا التقييم والتقدير لا يعودان إلى خلل في الإنسان العراقي ذاته، بل هو خلل أساسي في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت العراق على مدى تاريخ طويل، إضافة على عدم إصلاحه في أعقاب الخلاص من الحكم العثماني والوقوع تحت وطأة الاستعمار البريطاني وقيام الدولة الملكية العراقية في العام 1921 وعلى أيدي قوات الاحتلال البريطانية وحكام تربوا في الدولة والثقافة والتراث العثماني والإسلامي، والذي لم يكن متناغماً مع حضارة القرن العشرين وتطلعات الشعوب في التحرر والتقدم. كما أن غياب التنوير الدين والاجتماعي ودور المؤسسات والمرجعيات الدينية غير الإيجابي عموماً لعب دوره المميز في استمرار شيوع الأحكام المسبقة على اتباع الديانات بالعراق وعواقبه السلبية على العلاقات بين السكان. والنظم التي سادت بالعراق لم تسع إلى بناء المجتمع على أسس ديمقراطية وحياة مدنية ونهج عقلاني وتنويري لتحقيق التعايش بين قوميات العراق العديدة وأتباع دياناته ومذاهبه المتعددة واتجاهاته الفكرية واسياسية الديمقراطية. وتجلى ذلك في ستة محاور جوهرية هي:
1.   النهج القومي الشوفيني في حكم العراق منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الملكية.
2.   النهج الديني الطائفي بالدولة العراقية، حيث اعتبر الإسلام دين الدولة والمذهب السني هو الموجه للحكم، رغم عدم النص على المذهب في الدستور.
3.   ورغم إن الدستور في اغلب بنوده كان دستوراً ديمقراطياً ومتقدماً على أوضاع العراق وبنيته الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية حين أقر، فأن الممارسة الفعلية سجلت تجاوزات فظة على الدستور من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب التدخل السياسي الفظ في شؤون السلطة القضائية لصالح كبار الملاكين وشيوخ العشائر، وضد قوى المعارضة السياسية.
4.   ومع إن العراق توجه في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية صوب التصنيع النسبي وتطوير الزراعة، إلا إن الجهود لم تكن موجهة بصورة عقلانية وواعية والتي لم تنعكس في مجال التربية والتعليم، ولاسيما التعليم المهني الضروري لأي تنمية اقتصادية بالعراق، وجرى التركيز على التعليم الإنساني، ولاسيما كلية الحقوق، لتوظيف الخريجين في دوائر الدولة.
5.   وخلال الفترات المنصرمة لم يعرف العراق فترة تميزت بنهج سياسي ديمقراطي وحياة حرة وكريمة، بل كان الاستبداد والقمع والاضطهاد وسيف أجهزة التحقيقات الجنائية، التي تأسست في فترة الاحتلال البريطاني، ومن ثم أجهزة الأمن الداخلي والشرطة العراقية، مسلط على رقاب الشعب عموماً ولاسيما قوى المعارضة. وبالتالي لم يتمتع العراق، رغم مشاركته في وضع اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العام 1948 والمصادقة عليها، بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات، وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية والسياسية.
6.   وعاشت المرأة العراقية على امتداد العقود المنصرمة تحت وطأة التخلف والتمييز ضدها وضد حقوقها لا من الرجل فحسب، بل ومن قوانين وتشريعات الدولة العراقية وقانون العشائر وتقاليد العشائر العراقية إزاء المرأة والتربية الإسلامية المتخلفة التي عانى منه المجتمع والتي حرمت المجتمع من نصفه من المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالشكل المطلوب والواعي والهادف إلى تغيير الأوضاع القديمة والتقاليد البالية. ومن هنا يمكن تأكيد أن الإسلام لم يعرف التنوير، وإن الشعب العراقي لم يتعرف على مفهوم ومضمون التنوير الاجتماعي للتخلص من خرافات وأساطير بالية تراكمت بشكل مضر جداً على ثقافته وتقاليده وأعرافه، والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ليس الأمر مستحيلاً، وبالتالي لا بد من العمل بهذا الاتجاه.       
إن الهدف من الإشارة السريعة إلى هذه المسائل هو تبيان الحقيقة التالية: إن الأوضاع التي ما تزال سائدة بالعراق، والتي تجد تأثيرها السلبي على السعي لمعالجة المشكلات المتفاقمة، تستوجب الغوص الأعمق في أوضاع العراق من جهة، كما تستوجب التغيير الأكثر جذرية لنظام الحكم الطائفي السياسي القائم بالعراق حاليا من جهة ثانيةً. فمن أجل أن تكون المعالجة فاعلة وناجحة وسريعة نسبياً على مستوى العراق كله، واستناداً إلى تجربة أكثر من تسعين عاماً في إطار الدول العراقية الحديثة التي بدأت في العام 1921، وانطلاقاً من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في أجواء من الحرية والديمقراطية، لا بد من تأكيد أهمية وضرورة إجراء تغيير جذري في طبيعة الدولة العراقية الهشة القائمة، وفي طبيعة نظام الحكم الطائفي-الأثني المشوه القائم منذ العام 2003، لصالح إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، الدولة العلمانية، والحكم المدني الديمقراطي الدستوري البرلماني النزيه. إن الوصول إلى هذا الحل لا يمكن أن يتحقق دون توفير مستلزمات أو شروط تسمح بتأمين إجراء التغيير الفعلي في ميزان القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية العلمانية المناهضة للنهج الطائفي والأثني في الحكم وفي المجتمع، واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة بين أبناء الوطن الواحد المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية. أي إقامة دولة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، والفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة، وتمنع قيام أحزاب تستند إلى الدين أو المذهب، وتلك التي تمارس الطائفية السياسية في مناهضة الديانات والمذاهب والفرق المذهبية الأخرى، وحين يبدأ المجتمع بانتخاب وتكوين مؤسساته الديمقراطية والنزيهة في سلطات الدولة الثلاث.
هذه الوجهة في النضال لا يمكن تحقيقها على وفق رغبة أو إرادة ذاتية، كما يتمناها الإنسان العراقي، سواء أكان رجلاً أم امرأة، بسبب التركة الثقيلة لعقود طويلة من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والحروب والحصار والحرمان والعنف الحكومي وغير الحكومي، إضافة إلى التركة الجديدة التي أضافها النظام السياسي الطائفي الحالي منذ العام 2003 إلى تلك التركة الماضية، والتي يجد المتتبع واقعها في تخلف مستوى وعي الفرد والمجتمع وقدرته على مواجهة الأحداث وميله نحو الطائفية السياسية وخضوعه الشديد لشيوخ الدين وأحزاب الإسلام السياسي بفعل وتأثير شيوخ الدين. إضافة إلى إصرار القوى الاجتماعية الرثة الحاكمة على البقاء في السلطة وعلى ممارسة النهج نفسه والسياسات ذاتها التي أوصلت العراق إلى الحضيض والمستنقع الذي هو فيه الآن، رغم محاولاتها تبديل جلودها بجلود فاقعة مزيفة لا يمكن خداع الجميع بها.
ولكن لا يخطئ الإنسان حين يشير إلى الحراك السياسي الشعبي المستمر بالعراق والمنقطة وعلى الصعيد العالمي، وكذلك الحراك النسبي في وعي الإنسان وإدراكه لما جرى ويجري اليوم بالعراق من كوارث مرعبة لا حصر لها، ومن إرهاب وفساد مالي وإداري شاملين، وهذا ما تؤكده محاولات أحزاب وقوى الإسلام السياسي في استخدام لغة جديدة وحديث آخر يبرّز الأخطاء السابقة ويبررها، ويدعو برياء وزيف شديدين إلى الدولة المدنية، التي يفهمونها بطريقتهم الخاصة ولا تنتهي بتغيير في نهجهم وسياساتهم وسلوكهم الفاسد. ولكن وعي الإنسان العراقي الفردي والجمعي لم يصل إلى المستوى القادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الصدق والكذب، بين الحقيقة النسبية وزيف الادعاءات الجديدة التي تطلقها هذه القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في رغبتها لتحقيق التغيير المنشود. ترى قوى الإسلاميين السياسيين، ومنهم الأحزاب المؤتلفة في البيت الشيعي، بأن الديمقراطية تعني "الاليات الديمقراطية وليس مع مبادئ الديمقراطية" (علي الأديب شراسة التصلب العقائدي .. وكاشان الفقيه، تقرير واحة الحرية الإخباري، قسم سياسية، كاريكاتير، بتاريخ 07/03/2013). إذ يؤكد علي الأديب على ذلك أو كما قال في ندوة تلفزيونية: "الديمقراطية ليست الفلسفة التي يلتزم بها حزب الدعوة، بل هي أداة"، (أنظر: كاظم حبيب، دكتور، حزب الدعوة ومفهوم ممارسته للديمقراطية في العراق، موقع الحوار المتمدن في 16/10/2010)، أي إنها أداة تستخدم للوصول إلى السلطة لا غير! وحين وصلت الأحزاب الإسلامية السياسية إلى السلطة داست بأقدامها على حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ودفعت بالعراق في مستنقع الرثاثة والموت والدمار. وكان على رأس هذه القوى حزب الدعوة والمجلس الأعلى والمليشيات الطائفية المسلحة. لهذا يستوجب مواصلة العمل باتجاهين: أولاً، فضح زيف هذه الادعاءات والكشف عن خطط هذه القوى في البقاء على رأس السلطة وممارسة السياسات الطائفية المبتذلة ذاتها؛ وثانياً، تكثيف إعمال العقل لمتابعة ما يجري بحس ديمقراطي مرهف ومسؤولية وطنية والتحري عن الحلول العملية للواقع الراهن والتخلص من النظام السياسي الطائفي والصراعات الطائفية والأثنية بالعراق، والتي يفترض أن تتجلى بصياغة أهداف مهنية ووطنية ديمقراطية مقبولة وقابلة للنضال والتحقيق والتعبئة الشعبية الواسعة حولها.
وإلى أن يتحقق توفير مستلزمات التغيير المنشود في الواقع العراقي، لا يمكن ولا يجوز للنازحين والمتضررين من السياسات الطائفية والنهج العدواني المدمر منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة أولاً، ومنذ الاجتياح الداعشي للأنبار وصلاح الدين والموصل وعموم سهل نينوى وعواقبه ثانياً، أن ينتظروا معالجة أوضاعهم المأساوية إلى أن يتحقق التغيير الجذري المنشود، بل لا بد من العمل في إطار الوضع الراهن باتجاهين رئيسين:
أولاً: العمل من أجل التغيير المباشر والسريع في أوضاع النازحين والمناطق التي حررت من داعش واستكمال تحرير المناطق التي ما تزال تحت احتلال عصابات داعش المجرمة. من هنا يستوجب العمل بجميع الأساليب والأدوات المتوفرة لزيادة الضغط الشعبي الداخلي والإقليمي والدولي، سواء أكان على مستوى الرأي العام العالمي، أم على مستوى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية (اليونسكو واليونيسيف ولجنة حقوق الإنسان)، والمنظمات الإنسانية الأخرى، ومنها منظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية ومنظمة العفو الدولية، لصالح ممارسة سياسات عقلانية في المناطق التي تعرضت للإرهاب الداعشي والطائفية السياسية، لصالح النازحين الذين يعانون الأمرين وأولئك الذين ما زالوا في المناطق التي اغتصبها تنظيم داعش الإرهابي وحررت أخيراً. فما العمل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالأفكار التالية القابلة للنقاش والتي هي قابلة للتحقيق من حيث المبدأ:
** إبقاء التقسيمات الإدارية التي كانت قبل هيمنة داعش على الموصل والمناطق الأخرى على حالها أولاً ودون تغيير. على أن يتم تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة تماماً ومن شخصيات مقبولة من جميع الأطراف، مع مشاركة دولية من جانب الأمم المتحدة وعناصر مختصة في القانون الدولي، تقوم بدراسة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق حول المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 لوضع مقترحات ملزمة للتنفيذ من جانب الحكومتين لحل تلك الإشكاليات وآليات تنفيذها على أن ينتهي العمل بذلك خلال سنتين فقط كحد أقصى.
** دراسة واقعية لأوضاع السكان العراقيين المسيحيين والإيزيديين وغيرهم في المناطق التي تعرضت للاجتياح والإرهاب والنزوح والهجرة، ولاسيما بالنسبة للمسيحيين الذين يطرحون مشروع إقامة محافظة في سهل نينوى. 
** تشكيل حكومة محلية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية قوامها شخصيات مستقلة تكنوقراطية يتسمون بالنزاهة والاستقامة والمهنية العالية من أبناء وبنات محافظة نينوى، تدرك عمق المشكلات التي كانت بسبب النشاط الطائفي السياسي والتي تراكمت بفعل الاجتياح لمعالجة جملة المشكلات التي تعاني منها محافظة نينوى بمركزها الموصل وأقضيتها ونواحيها. إن إبعاد كل العناصر التي شاركت فيما وصل إليه الحال بالموصل وسهل نينوى أمر ضروري لتجنب بروز إشكاليات جديدة.
** تشكيل هيئة إعمار مركزية ترتبط بالحكومة المحلية وتابعة من حيث المبدأ للحكومة الاتحادية لتمارس نشاطها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها المعارك، ولاسيما الماء والكهرباء والشوارع والجسور، إضافة إلى إعادة إعمار الدور المدمرة جزئياً أو كلياً، وتنظيم عملية إعادة النازحين وحل المشكلات المحتملة بين الجماعات السكانية على أسس ديمقراطية وإنسانية، والتصدي لمحاولات أخذ الثأر أو أعمال الانتقام. (قارن: سيار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟، مصدر سابق).
** ومن أجل تعجيل مهمة إعادة البناء اميل إلى المقترح الذي طرحه السيد الدكتور الناصر دريد بشأن الاتفاق مع مجلس الأمن الدولي بالتزامه المشاركة الدولية في إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للإرهاب والقمع الداعشي والفساد العراقي العام في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين على طريق ما حصل بالنسبة لألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية حيث وضع مشروع مارشال لإعادة بناء المانيا. ويمكن أن يتسع هذا المشروع ليشمل العراق كله ولينقذنا في الوقت نفسه من تدخلات دول الجوار التي تريد تحويل العراق إلى شبه مستعمرات لها، كما هو حال إيران مع العراق حالياً. 
** وضع ميزانية مالية كافية وعلى وفق برنامج مدروس لإعادة إعمار المناطق المخربة وإعادة النازحين وتأمين البنى التحتية الضرورية باتجاهين: المسائل الآنية التي لا تقبل التأجيل وتلك التي تنجز بمرحلة لاحقة.
** تشكيل هيئة من شخصيات مستقلة واعية لما حصل في هذه المنطقة من العراق لتمارس عملاً إنسانياً كبيراً هادفاً إلى توفير أجواء المصالحة والتسامح والعودة إلى العيش والحياة المشتركة، على أن تبدأ عملها منذ الآن، لأن هذا هو السبيل العقلاني الوحيد القادر على تجاوز كوارث الماضي والحاضر ببناء جسور الثقة والأخوة والمودة والاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح.
** منع وتحريم أي تدخل أجنبي ومن دول الجوار بالشأن الداخلي لمحافظة نينوى أو كركوك أو المحافظات الأخرى والعراق عموماً التي تعرضت لإرهاب داعش، واعتبار أي تدخل من أي طرف إقليمي أو دولي بمثابة محاولة ثلم الاستقلال والسيادة الوطنية والتأثير السلبي على السير السلمي والديمقراطي للأحداث. 
** العمل على سحب السلاح، كل السلاح من أيدي السكان والمليشيات المسلحة بأي مسمى جاءت، وتالك التي في الحشد الشعبي وفرض احتكار السلاح بيد الدولة، مع العمل المتواصل لتثقيف أجهزة الدولة العسكرية والمدنية بروح المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلام والعدالة الاجتماعية.
** تحريم الدعاية الطائفية السياسية والأثنية المحرضة ضد الآخر والمحفزة للصراع والنزاع وتقديم الفاعلين للقضاء، إذ أن معاناة العراق من الطائفية السياسية والحكم الطافي السياسي كان مريراً وكلف المجتمع مئات الآلاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وخراب ودمار شامل وأحقاد وكراهية واسعتين.
** تأمين مراكز طبية ونفسية لمعالجة المصابين بمختلف العلل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة والنزاعات الطائفية والأثنية، وبشكل خاص بين الأطفال والصبية والشبيبة، وكذلك بين النساء. ولا بد من جلب المختصين من بلدان أخرى للمشاركة في هذا العملية، إضافة إلى إقامة وتنشيط مراكز البحوث النفسية والبحث العلمي ووضع برامج للمعالجة. فالدراسات المتوفرة تشير إلى أن داعش قد استخدم الأطفال المختطفين لأغراض شتى، ومنها تدريبهم على العنف والتوحش في قتل المناهضين لتنظيم داعش. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور علي عبد الرحيم صالح، في بحثه الموسوم "الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار" نشر في جريدة المدى بتاريخ 5/5/2015 ما يلي: "بعد تلقين الاطفال وضمان ولائهم للجماعة، يقوم القادة والمدربون الداعشيون باختبار قدرات الاطفال ومدى تحملهم للمهمات القتالية في معسكرات خاصة مثل معسكر (اشبال ابي بكر البغدادي) ومعسكر (ابن تيمية) ومعسكر (اطفال الخلافة)، وبهذا الصدد تقوم الجماعة الاسلامية المتطرفة بتصنيف الاطفال وفق المهمات المرغوبة والملائمة لمستوى قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية، ووفقا لذلك يمتلك داعش صنوفا متعددة من الجنود الأطفال". (أنظر: علي عبد الرحيم صالح، دكتور، الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار، جريدة المدى، 5/5/2015).
ثم يشير في موقع آخر من بحثه إلى الآتي: "يستعمل داعش آليات نفسية شديدة الخطورة مع الاطفال عند توجيههم وتلقينهم عمليات القتل والذبح، إذ نشاهد في الكثير من مقاطع الفديو المنشورة على مواقع الانترنيت بعض الاطفال يقومون بالقتل وقطع الرؤوس، وحرق جثث الجنود والمدنيين. واشار عدد من الاطفال الذين تم أسرهم على يد القوات العراقية الى بعض هذه التقنيات: فبعد ان يتعرف القادة الداعشيون على استعداداتهم للقوة والعدوان، يقومون بتدريبهم على قطع رؤوس دمى ترتدي زيا عسكريا يشبه الجنود العراقيين او الأمريكان، وذلك بعد القيام بذبح الجنود الاسرى امامهم، ويكون ذلك مصحوبا بجو من التكبير والتهليل والتشجيع، وبصورة تدريجية ومع التلقين وزرع الكراهية في نفوس الاطفال يكون (اطفال الخليفة او ابناء ابي بكر البغدادي) قد تحولوا الى ذباحين محترفين." (المصدر السابق نفسه). ومن هنا تنشأ المهمة الخطيرة للحكومة العراقية في إعادة تأهيل الأطفال بعد الانتصار على داعش عسكرياً، إذ ستبقى اثار ذلك الاحتلال كبيراً على الأطفال الذين عاشوا ما يقرب من ثلاث سنوات تحت حكم عصابات داعش القتلة. وهنا يمكن العودة إلى بحث قيم للدكتور فيان عبد العزيز والمهندس الاستشاري نهاد القاضي الموسوم " أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي"، حيث تقدم الدراسة مقترحات مهمة لمعالجة المشكلات النفسية للنساء والأطفال بعد الانتهاء من كارثة احتلال الموصل وعموم نينوى. (انظر: فيان عبد العزيز، دكتورة، ونهاد القاضي، أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي، أبحاث مؤتمر أربيل مؤتمر حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين بالعراق"، في 8 و9 من شهر شباط/فبراير 2015).
** اتخاذ الإجراءات الضرورية والكفيلة والعمل المسؤول لقوىً واعية لإزالة أثار النشاط الفكري والإفتائي والعملي الذي مارسته عصابات داعش وغيرها في مناطق نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة وغيرها من المناطق التي تعرضت لاجتياح أو تأثير هذه القوى. (قارن: أسماء جميل رشيد، دكتورة، "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مصدر سابق). 
** توفير مراكز صحية ومستوصفات متنقلة للعمل في القرى والأرياف والمناطق النائية التي تعرضت للاجتياح والتدمير لمعالجة سكانها والعائدين منهم إليها.
** دفع تعويضات مجزية لمئات الألاف من السكان الذين تعرضوا للأذى وتحملوا أضراراً مادية ومعنوية بما يساعدهم على النهوض ومواصلة الحياة والعمل.
** قيام القضاء بتشكيل محكمة جنائية تعتمد المعايير القانونية والإنسانية المتقدمة لمحاسبة من تسبب في سقوط الموصل وسنجار وبقية مناطق سهل نينوى والأنبار وصلاح الدين بأيدي عصابات داعش والعواقب التي ترتبت عليها، والتي ما تزال وستبقى تعاني منها لفترة غير قصيرة. إن مثل هذه المحاكمات الشفافة والعادلة من شأنها أن تحقق العدالة المنشودة وتمنع ممارسة مثل هذه السياسات والأساليب في العمل السياسي، إضافة إلى محاسبة الفاسدين والذي ألحقوا أضراراً فادحة باقتصاد الدولة والمجتمع والمناطق المتضررة.
** قيام وزارة التربية ووزارة التعليم العالي تدريس مواد شرعة حقوق الإنسان بأجزائها المختلفة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العراقية ونشرها على نطاق واسع، إضافة إلى نشر الأبحاث حول عواقب التطرف القومي والديني والمذهبي والفكري على المجتمع والعلاقات الإنسانية فيما بين افراد المجتمع من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية. 
** الأهمية البالغة للدور الذي يفترض أن تلعبه منظمات المجتمع المدني المستقلة والواعية لوظيفتها في المجتمع، ولاسيما في هذه الفترة، في التبشير بمبدأ الاعتراف المتبادل بين أبناء وبنات جميع القوميات والديانات والمذاهب والفرق بحق كل منها بالوجود والعمل بحرية دون الإساءة لأتباع القوميات والديانات والمذاهب والفرق المذهبية أو الاتجاهات الفكرية الأخرى، إضافة إلى ضرورة تأمين التسامح المتبادل لما وقع حتى الآن بين أبناء وبنات المجتمع على أن يحاسب كل من ارتكب جرائم بحق الآخرين أيا كان موقعه والجريمة التي ارتكبها. التسامح يأتي بعد أن يكون المجتمع قد شخص المذنبين بحق المجتمع أو بحق الآخر من أبناء وبنات المجتمع. إن الدور الذي تمارسه منظمات المجتمع المدني الديمقراطية يساهم في رفع مستوى الوعي والمسؤولية المشتركة إزاء الوطن والمواطن والمواطنِة وإزاء مكافحة العنف والقمع والاضطهاد والإرهاب والفساد المستشري في كل سلطات الدولة العراقية وفي مؤسساتها وفي المجتمع.
ثانياً: العمل من أجل التغيير الجذري لواقع العراق الراهن والتخلص من النهج والسياسات الطائفية التي ما تزال تمارس بالعراق. وهي المهمة المركزية الدائمة للمجتمع العراقي.