“الفساد في العراق”.. تفكيك المشكلة وسُبل القضاء عليها


المحرر موضوع: “الفساد في العراق”.. تفكيك المشكلة وسُبل القضاء عليها  (زيارة 472 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مــراقـــــــــب

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 5709
    • مشاهدة الملف الشخصي
مقدمة:
يواصل منتدى الإعمار العراقي في عقد حلقاته النقاشية حول المواضيع المهمة التي تتعلق بواقع العراق الحالي، وفي هذه الحلقة ك أن السعي لتشخيص الأخطاء التي سببت الفساد في العراق حيث يعد الفساد من اكثر المشكلات التي تواجه العراق منذ سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق عام 2003 ولحد الان، فيما يعد عدم القضاء على الفساد من اكبر التحديات التي تواجه العراق حيث بلغ الفساد ذروته وفق احصائيات دولية ومتخصصة، فيما تركز كل الاحصاءات الحكومية إلى ارقام لا تتناسب مع حجم الضائع من أموال العراق في محاولة للإشارة إلى أن الحكومة جادة وسائرة في مكافحة هذه الآفة.
إلا أن الفساد في العراق ربما يختلف عنه في دول اخرى من حيث انه لم يعد حالة استثنائية في الفكر الشعبي والوظيفي والسياسي العراقي، كما أن الفساد في العراق يمارس كسلاح في حرب مستعرة بين اطراف اصحاب القرار في العراق، من احزاب وتيارات وشخصيات سياسية أو زعامات.
ويختلف الفساد في العراق عن غيره بانه يقاس بالمليارات وليس بالملايين مع راهنية الجسد القضائي لقوة الحكم واصحابه وتأثير ذلك على عدم المحاسبة الجادة وافلات الكثير من العقاب.
ولذلك فأبطال الفساد والمتهمون به هم قيادات سياسية، أو مقربون منهم، أو وسائط لهم، وبالتالي  فإن الفساد لا يخرج عن دائرة اصحاب القرار الذين دعموا وجودهم بالحصول على اكبر كمية من المال العام وبشتى الطرق كي يتمكنوا من احكام القبضة على القواعد الجماهيرية والسلطة في أن واحد.
وهناك رأي آخر يقول أن الفساد في العراق ليس من جراء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية كما تقول عنه "منظمة الشفافية الدولية"، وإنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة.
في العراق الفساد عمودي وأُفقي ويتمثل العمودي بالمناصب التي تشغل من مدير عام فما فوق، والاخر الافقي هم الموظفون بشكل عام، واذا بحثنا بقضية الفساد نجد من انتاج الصنف الاول بل هم من يساعد ويخلق اجواء ومناخ الفساد، والسبب يعود اما أن يكون المسؤول فاسد أو غير كفوء أو غير شجاع دائما قمة لهرم الوظيفي هم المسؤولون عن ذلك يأخذ الفساد اشكال متعددة (السياسي / المالي / الاداري / الاخلاقي).
اما باستخدام مقاربة العائدية  فإن الفساد يمكن أن يكون على انواع عدة من اهمها تأثيرًا وادامة له هي:
 
 
الفساد السياسي:
عندما اخذت العملية السياسية بالعراق شكل المحاصصة شكلت عبئًا على كاهل الحكومة عند اشغال اي مسؤول لموقع ما وتؤشر عليه ملاحظات الفساد يقوم الحزب بالدفاع عنه تحت غطاء الاستهداف سواءً بالطائفية أو العرقية أو الحزبية، وهنالك امثلة كثيرة حدثت خلال الاعوام المنصرمة.
اذن فالفساد السياسي هو الذي تمارسه السلطة والاحزاب السياسية والذي يتجسد في التحايل على القوانين وتمييع تطبيقها ومجمل الاختراقات الدستورية التي تم التوافق عليها من قبل اصحاب القرار في العراق ضمانًا لإدامة بقائهم ولو بتأثير متفاوت. وهذا هو الفساد النوعي الاول الذي لم تستطع أية دولة أن تجتازه على اعتبار أن فيه خروقات واضحة للوائح القوانين والدستور والوثائق الاخلاقية التي صوت عليها الشعب وبرلمانه المتحزب.
 
الفساد الوظيفي:
ويتجسد في الممارسة التي يحرص اصحاب القرار على أن ينفذها الموظفون بدرجات ادنى وفق اتفاقات مشبوهة مع اصحاب القرار والمتنفذين لتمرير صفقات أو ايرادات أو تهريب... الخ.
ويتسم هذا النوع بانه الاكثر متابعة من قبل هيئة النزاهة في العراق لكون أن هذا النوع يعتمد على كثرته وقلة موارده قياسا لأنواع اكبر منه.
وهنا يأتي دور المفسد كأداة مهمة من ادوات الفساد وهذا النوع لم تتم الاشارة اليه حيث أن المؤسسات المعنية تعتم بالضحايا بالمجرم الظاهر ولا تستطيع الغوص في المجرمين المفسدين، اي انها تهتم بالفاسد ولا تهتم بالمفسد.
ومثال على ذلك، ما جرى في قضية تهريب المدير العام السابق في الشرطة العامة للتجهيزات الزراعية “عصام جعفر عليوي” من سجن مركز شرطة المثنى من قبل النائب جواد الشهيلي حيث أن القضاء حكم على المتهم بسنتين حبسا دون المطالبة بإعادة الاموال المسروقة، والتي بلغت اكثر من 36 مليار دينار عراقي، اي ما يعادل 30 مليون دولار تقريبا، هذا الحكم على "الفاسد"، اما المفسد فقد برأه القضاء لأنه "شاب في مقتبل العمر"! ولأنه ما زال يدرس والمستقبل امامه!
ومن واجب "السنة" القضائية أن تسري على كل شخص بغض النظر عن انتمائه وعرقه، وبالتالي فإن اي مواطن تنطبق عليه شروط براءة الشهيلي يجب أن يفلت من عقاب جريمته، كما
 
أن العراقيين من الممكن أن يفكروا أن سرقة 36 مليار دينار عراقي تستأهل أن يسجن من اجلها سنتين فقط حيث انه وفق القانون المشرع بعد 2003 لا يجوز للمحكمة المطالبة بإعادة المال المسروق في حال قضائه حكم العقوبة ومدتها.
هذا المثال يعد نقطة سوداء في تاريخ القضاء العراقي ولكن القضية مرت وتم تنفيذها وتناسيها من قبل الطبقة السياسية وربما سيعاد طرحها عند استخدام الفساد كسلاح معركة بين اصحاب القرار
ومع ذلك فإن الطبقة السياسية ما زالت تتحدث بشكل علني عن الفساد وهي متهمة به، حتى بات الفساد اكثر لفظ يتم استخدامه من قبل السياسيين، واكاد اجزم أن لفظ الفساد استخدم من قبل الفاسدين والمفسدين اكثر من غيرهم.
ووفقا لموقف الاخرين من الفساد فهناك من يرى أن الفساد لا وجود له وعلى الاقل هو يهون من الفساد ويتهم من يتحدثون بشراهة عنه بانهم يحملون اجندات سياسية هدامة.
وهناك من يتحدث عن الفساد ليس من اجل القضاء عليه وانما من اجل الاطاحة بالطبقة السياسية التي سيطرت على سدة القرار بعد عام 2003 من اجل اعادة نصاب الامور إلى ما قبل هذا التاريخ.
وهناك من يواجه الفساد التزاما منه لإيمانه بأنه قضية وطنية وهذه الطبقة تكاد تكون معدومة في العراق، لقلة تأثيرها، ولعدم ممارستها شؤون السلطة في البلاد بعد 2003، واصحاب هذا الرأي متواجدون بيننا لكنهم لم يحتازوا على قوة القرار والوجود الفعلي.
وهناك من هم اكثر المتحدثين عن الفساد وهم يهتمون به ويرعونه ويمارسونه كما ونوعا، طولا وعرضا، لأن الفساد بات سبيلا لوجودهم ولا مناص منه.
 
الفساد القانوني:
          نستطيع أن ندعو هذا النوع بانه اخطر انواع الفساد على اعتبار أن القانون الذي يشذب البلاد من الفساد ويقضي عليه تراه في العراق يساهم في اقرار اشكال الفساد من خلال سن قوانين تشجع على الفساد وتعطيه صفة قانونية ومن اهم سماته هو القوانين التي اقرتها الجمعية الوطنية التأسيسية والمتمثلة بتشريعات الرواتب للنواب ولأعضائها والبون الشاسع في سلم الرواتب بينهم وبين المواطنين العراقيين من اصحاب الكفاءات أو الموظفين البسطاء.
بل ولم يكتف المشرع العراقي بهذا فقط وانما اقر امتيازات للنواب والوزراء كانت استبطانا حقيقيا لتشريع الفساد في البلاد فترة ما بعد 2003.
 
ونرى احيانا أن مواطنا عراقيا ينتقل في وظيفته من دائرته الرسمية إلى مجلس النواب فتراه يقفز بشكل ملفت حيث يتحول إلى مواطن غني ولديه فائض مالي عالي المستوى، وله مساهمات تجارية واقتصادية كبيرة، بيد انه في الحقيقية –وفقا- لقوانين المشرع العراقي ليس فاسدا بل أن "الهفوة" التشريعية سمحت له بهذه القفزة المالية الكبيرة حيث اجازت له القوانين المسنة أن يأخذ من ميزانية الدولة مبالغ خيالية عالية تستطيع أن تنقل وضعه المالي في المتوسط أو الفقير إلى حالة الغنى الفاحش.
ومن اوجه الفساد القانوني ايضا هو ارتهان القرار القضائي إلى اجندة الحالة السياسية الراهنة في البلاد وفق مراحلها، حيث استطاع أن يفلت من العقاب الكثير من الفاسدين بسبب توصية سياسية من زعيم ما أو أن ينفذ صاحب قرار صفقة فساد كبرى يقوم القضاء بالتغاضي عنها.
اما اكبر مشكلات الجسد القضائي فهي حرص اصحاب القرار على عدم تفعيل الادعاء العام باعتباره ضامنا للمواطن من انتهاكات اصحاب السلطة، وهذا بحد ذاته دافعا كبيرا لإدامة الفاسد والمفسدين في العراق.
وبإمكاننا أن نعتمد ظاهرة "بيع العملة" في البنك المركزي العراقي بانها من اوجه الفساد القانوني المعتمد من قبل اصحاب القرار في العراق والذين يحرصون على ادامته على الرغم من أن القرارات الصادرة من قبل الحاكم المدني للعراق بول بريمر في قانون ادارة الدولة تمت مراجعتها الا أن الطبقة الحاكمة بمختلف شرائحها ابقت على بعض القوانين التي تضمن لها تدفق السيولة المالية، وبذلك فإن التعامل بانتقائية في مراجعة هذه القوانين والقرارات هو وجه من أوجه الفساد.
والشكل الثاني هو الفساد المالي هذا يأخذ أوجه متعددة منها الرشوة ونهب المال العام والابتزاز والعمولات والتلاعب بالعقود وغيرها.
 
الفساد الاداري:
هذا الشكل متعدد الأوجه ومتداخل وهو السبب الذي يساهم ويساعد على انتشار الفساد المالي ومنها الرشوة بالذات وصور هذا الشكل هي الواسطة والمحسوبية واضاعة وقت العمل والتلكؤ في انجاز معاملات المواطنين بالإضافة لظاهرة اللامبالاة بالعمل واستسهال التسيب في العمل وتحول الموظف لمستهلك في بعض الاحيان أو معطَّل ومعطِّل بالحالتين.
 
 
 
الفساد الاخلاقي:
وهذا النوع بات من السلوكيات المخجلة بين دوائر الدولة حيث قيام الموظفين والمسؤولين بأعمال مخلة بالآداب العامة داخل دوائرهم أو بالتعامل مع المواطنين. واكثرهم فلت من العقاب الامر الذي اشاع الرذيلة الوظيفية عند صغار الموظفين. حتى وصل الحد بأن منظمة نسائية عالمية اثبتت بأن اكثر عمليات ابتزاز وتحرش بنساء موظفات هي بالعراق.
 
سلاح الفساد
يتحول الفساد إلى سلاح مواجهة بين الاطراف السياسية عندما تحتدم معركة الحصول على المقاعد الانتخابية أو استخدام مبدأ الازاحة والتدافع السياسي، فتشهد تلك المرحلة الزمنية اعترافات كبيرة وخطيرة من قبل البعض ضد البعض الاخر، بيد أن هذه الاعترافات لا يتم الاخذ بها لا من قبل الادعاء العام لأنه معطل ولا من قبل مؤسسات متابعة الفساد والاختراق القانوني في البلاد سواء هيأة النزاهة أو دائرة المفتش العام، وبالتالي فإن هذا السلاح يعتمد كمحكية قول فقط لمحاولة التسقيط السياسي وليس لتنفيذ قانون ما أو احقاق حق ما.
وعلى هذا السياق فإن الطبقة السياسية تتحكم في ذوق القضاء وذوق المواطن وكذلك تتحكم في صورة المشهد السياسي وفق انتقائية الانتقال من حالة إلى اخرى، وهذه حالة قد لا توجد الا في العراق حيث أن مقتضيات القداسة والتقديس والحرص على التأكيد على حالة الثيوقراطية واستمالة المواطن للحاجة، كلها نقاط قوة يمارسها اصحاب القرار لتهوين الكبائر في المشهد السياسي على المواطن مع تهاون القضاء.
وما شهده العراق من حالات "تراضي" سياسي غير عام، يعد ايضا تمتينا لحالة الفساد وتأصيلا لها.
القوانين في كل العالم تتفق على أن تطبيق اي فقرة قانونية لا يستهدف حالة شخصية أو خاصة، بل يجب أن يكون التطبيق لحالات عامة ومشابهة ومتكافئة في الأثر والتأثير، الا أن ما جرى في العراق خصوصا عندما يمر العراق بمنعطف انتخابي أو سياسي كبير تجد أن سلاح الفساد يتوجه ضد البعض ويستثني البعض الاخر وبالتالي فإن الابقاء على اخرين لخدمة مسيرة البقاء على السطح هو فساد وحفظ لحالة الفساد المستشري في الجسد السياسي والقضائي العراقي.
وهذه ايضا حالة يتفرد فيها العراق وتتفرد فيه بالحقيقة الطبقة السياسية العراقية، ومثالا على ذلك ما جرى عام 2010 حينما اقتضت الحاجة السياسية لطرف ما أن يتغاضى عن ملفات ادانة عن البعض من اجل التوافق للقبول بإعطاء رئاسة الوزراء للطرف الاول، فتم حينها اخراج شخصيتين دون غيرهما من ملفات الاتهام، ولم يطبق القانون الا على هذين الشخصيتين، بل أن
 
قانون "اجتثاث البعث" تم استثناء هذين الشخصيتين وتم تطبيقه على العراقيين بشكل صارم.
هذا مثال على أن سلاح الفساد يعد احيانًا فتاكًا وفي ملمح آخر فانه مرحلي لحاجة في نفس من يبغي الوصول إلى اهدافه القريبة.
وربما يتساءل البعض لماذا لا تستعين السلطة القضائية بالاتهامات التي يسوقها البعض ضد البعض الاخر كي تمتن من قوتها؟ وكذلك الامر مطروح على هيأة النزاهة باعتبارها المؤسسة الاكثر قربا لمكافحة الفساد، ولماذا يتم التأكيد على الفساد المالي فقط؟ على الرغم من أن الفساد القانوني والتشريعي هو الأخطر لأنه هو الذي يسمح للفاسدين بانتهاج الشق المالي؟ الجواب هنا يكمن في الارادة التي يجب أن يتحلى بها اصحاب القرار من المشرعين أو من المؤتمنين على تنفيذ واجباتهم امام الشعب وامام المنظومة الاخلاقية الوظيفية التي اقسموا على عدم اختراقها، بيد أن المعضلة هي أن هؤلاء اما أن يكونوا اسرى لأصحاب القرار أو أن القوانين والآليات الوظيفية لا تسمح لهم أن يواصلوا متابعتهم لحالات الفساد حتى نهاية الطريق.
ومثال ذلك ما اعطي لهيأة النزاهة من قوانين كبلتها في انها يجب أن تتبع القضاء، لذلك فإن هيأة النزاهة عبارة عن نمام حكومي يوشي بموظف ما على أن يأخذ القضاء تلك الوشاية ويطبق قوانين البلاد عليها، وهذا امر خطير حيث أن القانون الاداري لأي مؤسسة يجب أن يصل إلى نهاية حاسمة ولا يجب أن يكون اداة وصل لمؤسسة اخرى، والا  فإن هيأة النزاهة التي توصل ملفات الفساد إلى القضاء، وهذا الاخير هو المسؤول عن تنفيذ قرارات الهيأة وتحقيقاتها، فلماذا لم ترتبط الهيأة بالقضاء؟ ولماذا بقيت تابعة لمجلس النواب الذي هو نتاج احزاب متصارعة ومتهمة بالفساد اصلا؟
اذن من الممكن أن نقول أن التشريعات والقوانين التي تدار بها الدولة العراقة بحاجة ماسة للمراجعة بحيث يعاد صياغة بعضها لتشكيل جسد متكامل الاعضاء غير معوق.
 
الفساد..  وقاية أم علاج؟
لابد للفساد من طرق معالجة وهذا الذي يحصل الآن ولكن الوقاية خير من العلاج، حيث تسعى الحكومة الآن لإقناع المواطن بانها جادة في التوقي من هذا المرض الخطير والفتاك، ولكن الشكوك تحوم حول قدرة الحكومة القيام بخطوات فعلية وحاسمة في هذا الملف.
نذكر هنا التجربة المصرية في التوقي من الفساد، وهي طريقة من عدة طرق حيث اقر البرلمان المصري قبل عامين قانونا يسمح للمتهمين بالفساد بأن يسلموا 70%  من الاموال المتهمين بها على أن يتم اعادة دمجهم في المجتمع واسقاط كل التهم الموجهة لهم.
الامر المثير أن هذا القانون لا نستطيع تطبيقه في العراق لحد الآن لأن الجهات الرقابية لم تستطع
 
أن تقول للفاسدين بانهم فاسدون. وليس لدى الفاسدين لحد الآن اي تهديد أو تحذير على الاقل كي يتم تطبيق تسليم جزء من الاموال المسروقة. وهذا عيب في الاجراءات الحكومية حيث انها لحد الآن لم تستطع ملاحقة الكبار من الفاسدين واكتفت بملاحقة الملفات الصغيرة لصغار الموظفين. بل أن الجهات المعنية بمراقبة الفاسد لم تستطع أن تقف بوجه المفسدين ولم تحقق بشأن علاقتهم مع الفاسدين الا ما ندر وكذلك الامر فانهم استطاعوا انهاء ملفات فساد صغار الموظفين. ومن الفكاهة أن تصدر هيأة النزاهة مثلا في عام 2016 تقريرها المتضمن اعادة 320 مليار دينار عراقي لخزينة الدولة عبر اكتشاف وحسم ملفات فساد لأكثر من 30.000 موظف في عموم انحاء العراق ما عدا محافظات شمال العراق المنضوية في اقليم كردستان العراقي. لكن المضحك أن هذا المبلغ يتم اخذه بفساد البنك المركزي العراقي في عملية بيع العملة بأُسبوع واحد فقط، وضمن فساد يحميه القانون.
لذلك  فإن وضع رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي لا يحسد عليه فهو سيقبل بـ٥٠٪ اذا استطاع الحصول على الاموال من سارقيها ولكن من سيحدد هذه السرقات واصحابها؟
اذن ماذا لو تم إلغاء هيأة النزاهة ومكتب المفتش العام في الوزارات العراقية هل هو افضل؟ وماذا عن ديوان الرقابة المالية والسلطة القضائية هل هما كافيان للقيام بعملية الرقابة بشكلها الصحيح على الإنفاق الحكومي على اعتبار أن زيادة الهيئات الرقابية تزيد من تضارب الصلاحيات وتجعل اغلب هذه المؤسسات آلية للمساومات الحزبية والسياسية؟ حيث أن زيادة حلقات المفتشين ما هي الا زيادة فرص الفساد والمنتفعين.
علينا أن نتفق اولا على مفهوم المحاسبة accountability فالوزير (ه) مثلا هو/هي the accountable officer اي الذي يحاسب، وعند وجود تقصير توجه له/لها "التهمه" للدفاع عنها أو قبولها، وللأسف  فإن معظم وزراء العراق من ٢٠٠٣ إلى حد الآن فشلوا في بناء مؤسسات الدولة ووضع المعايير الصحيحة لوزاراتهم وعملها.
كم أن هناك أسباب كثيرة معروفة وغير معروفة لكن الأهم من هذا هو عدم ادراك الغالبية العظمى بعدم كفاءتهم للدور المطلوب، كما اننا نحتاج إلى ضرورة التعمق ودراسة الخلل في "الحوكمة الإدارية"، واذا قرر العراق وضع معايير لـgovernance and accountability ستكون خبرة المتمكنين واصحاب الكفاءات التي يتميز بها مثلا "منتدى الاعمار العراقي" على الاقل مفيدة جدا في تحليل مواضع الخلل وأسباب الفشل في اداء الوزارات العراقية بصورة عامة.
نحن نتحدث عن موضوع الأداء أو القدرة على ادارة المناصب الكبيرة ولو كانت هناك accountability لما اختفت هذه المليارات من أموال العراقيين وهناك وزارات ووزراء ماليه؟ اذا لم تكن هناك محاسبه فإننا مدعوون لأن نتدفأ بلحاف الوطنية وننسى كل معاناة الشعب العراقي (ومثل ما يقولون في مصر: كل سنه وانت طيب).
 
والا فما معنى أن تقوم حيتان الفساد بمحاسبة الفاسدين ويجلسون بمقدمة القوم واللاعبون الصغار هم ضحايا المشهد فقط!
الخطوة الاولى للقضاء على الفساد هي تعليق كافة القرارات التي أُقرّت بعد عام 2003، ومن اهم القوانين التي يجب أن تحارب هي قوانين الرواتب والامتيازات للدرجات الخاصة وقانون الجمع بين اكثر من راتب في آن واحد.
حيث كان القانون العراقي الذي أُلغي بعد 2003 ينص أن لا يجوز لأي مواطن أن يتقاضى راتبين في آن واحد. الآن اذا داخل الوظيفة الواحدة اما لأغراض التقاعد فيخير المتقاعد باختيار الراتب الاعلى اذا كان عمل في وظيفتين غير متزامنتين.
 
تعدد السلطات وجه آخر للفساد
في الوقت الذي كانت فيه السلطات الرقابية العراقية ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة تابعة لمديريات الامن في اكثرها حيث هناك: الامن الاقتصادي والامن البيئي والامن الصناعي والامن التجاري والامن الزراعي حيث تتولى مديرية الامن وبالتعاون مع متخصصين في كافة المجالات الدور الرقابي على مجمل عمل الوزارات والاهتمامات الاخرى نجد أن تفكيك هذه المنظومة الرقابية والاكتفاء بتحويلها إلى مؤسسات غير قادرة وفق قوانينها أن تكمل مشوار بحثها والبت في قراراتها فإن الامر بات اكثر سوءًا في العراق حسب هذه الاخطاء والثغرات الدستورية والقانونية في عراق ما بعد 2003.
وهذا بات جليا في "تشكي" رئيس هيأة النزاهة حسن الياسري حين يقول: "أن ملفاتنا ضد الفاسدين متكاملة لكن السلطة القضائية هي التي تؤخر اجراءاتها لحسم تلك الملفات، وكان السياق المتبع في الدولة العراقية أن الامن الاقتصادي على سبيل المثال يكمل اجراءات التحقيق ويطلب من القضاء تحديد جلسة استماع وحكم على المتهم، وحينما ياتي المتهم يكون بحوزة رجال الامن الاقتصادي وهم المسؤولون عن سلامته فتتم المحاكمة وفق الطلب المقدم من الامن الاقتصادي".
انظروا كم كانت الاجراءات حازمة ودقيقة وغير متكاملة في حسم الامور، اما الآن  فإن القضايا هي عبارة عن اكوام من الورق المتروك فوق رفوف مؤسسات غير قادرة على حسم حكمها بحق المدانين.
لذا علت الاصوات لإلغاء بعض المؤسسات الرقابية التي لم تستطع أن تقوم بدورها بشكل صحيح وكان على رأسها دائرة المفتش العام، لكن المفاجأة أن حسابات العملية التحاصصية التي دأبت احزاب السلطة واصحاب القرار على الاستمرار فيها كنهج سياسي بعد عام 2003 لم تستطع أن تتوافق على الغاء هذه الدائرة المعطِّلة والمعطَّلة "بفتح العين" اصلا.
 
وقد اجتمع البرلمان لإلغاء الدائرة لكنه اصطدم بقرار المحكمة الاتحادية بأن القرار يعد لاغيًا لعدم وجود قانون له حق الالغاء الا قانون سلطة الائتلاف الذي ما زال ساري المفعول.
لتثبت هذه التجربة أن التجربة البرلمانية العراقية لازالت عبارة عن طفل صغير وأن غالبية من في البرلمان هم اناس على هامش الوعي والثقافة والفهم الدقيق لمصلحة البلد ولمسؤولياتهم التشريعية، وأن بعضهم عبارة عن كتل لحمية ناطقة باصرة وليس مفكرة تجلس على الكراسي لكنها غير مدركة لقيمة نفسها ولقيمة مكانتها ودورها.
لا يمكن لبرلمان يحترم نفسه أن يلغي مؤسسة تنفيذية كاملة في البلد بدون طلب من مجلس الوزراء أو بدون مقدمات تفصيلية لهذا الموضوع الحساس ومنها دراسة الجدوى من الابقاء أو الالغاء أو تشكيل لجان متخصصة في هذا الموضوع تدرسه من كل جوانبه بالتعاون مع مؤسسات عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع وتعقد عشرات الجلسات والاجتماعات لكي يصلوا لقرار يسمى قرار دولة شبيه بقرار الغاء مكاتب المفتشين العموميين.
فكيف وافق رئيس البرلمان على إدراج مادة في غاية الاهمية مثل هذه بدون دراسة! وكيف وافق قسم كبير من النواب أن يصوتوا أو يوافقوا حتى على النقاش بدون خلفيات متكاملة للموضوع وكيف تم اتخاذ قرار بالإلغاء بدون اتفاق مع السلطة التنفيذية المسؤولة، وكيف وكيف وكيف!
ومثل هذا الامر ما حصل في الاعلام العراقي حيث تلقى المشرع العراقي تأسيس مجلس اعلى لمكافحة الفساد واظهر رئيس الوزراء يجتمع مع رئيس هيأة النزاهة ووزراء الداخلية والتجارة والصناعة وبعض القادة الامنيين، ولم يستند رئيس مجلس الوزراء إلى اية فقرة قانونية لتأسيس مجلس اعلى كهذا، وتم تمرير القضية اعلاميًا ومررت تشريعيًا دون أن ينبس احد بشفة.
 أن معالجة الخطأ بخطأ لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج صحيحة وفق المنطق، لذا فإن مكافحة الفساد يجب أن تبدأ بخطط مدروسة واستقراءات واستكشافات علمية واضحة المقدمات كي تكون ناجعة النتائج.
 
تحول "مكافحة" الفساد إلى ممارسة سلبية
من المواضيع المهمة التي تلقاها المواطن العراق باهتمام هي البدء بمكافحة الفساد لكن الشك يزاحم المواطن في قدرة رئيس الوزراء على تنفيذ منهج حازم وحاسم طبقًا لما قام به ولي العهد السعودي حين بدأ بتنظيف الفساد من فوق السلم، فالفساد يجب أن يتم تنظيفه من اعلى السلم.
ولكن بعض السياسات التي بدأتها الحكومة اشارت إلى أن مكافحة الفساد ربما تأخذ قيمة سلبية لأتها بدأت بالمواطن غير الفاسد وتركت الفاسدين.
 
واثيرت مسألة "خصخصة" الكهرباء وعدها المواطن شكلا من اشكال الفساد، فالعجز في الميزانية والتي سببها الفساد في وزارة الكهرباء على مدى خمسة عشر عامًا بدأ المواطن يدفع ضريبة هذا الفساد بدلًا من ملاحقة الفاسدين.
وتم الاعتراض على عدة تساؤلات في ما عرف بالخصخصة منها: كيف تسمى خصخصة والشركات المعتمدة لا تقوم الا بالجباية من المواطن، وليس لها اي بنية تحتية ولا تزود المواطن بالكهرباء؟ وكيف تم الاتفاق مع شركات الجباية دون الرجوع إلى السياقات القانونية في العطاءات ونشرها والتصويت عليها وفق القوانين واللوائح المتبعة، أو المفروض اتباعها؟ وكيف اعطت وزارة الكهرباء هذه العطاءات لشركات بعينها دون شركات اخرى؟
هذه التساؤلات جعلت من المواطن أن يثير الشكوك حول قدرة الحكومة على متابعة الفاسدين وانها ستكتفي بكوي المواطن لأن لا حول له ولا قوة في ظل سيطرة الاحزاب وتنفذها على جوانب القرار والحكم وامتلاكها للمال والسلطة.
والمثير بالأمر بأن رئيس مجلس الوزراء يصر يومًا بعد آخر على مواصلة النهج الذي اتبعته وزارة الكهرباء دون الرجوع إلى أولويات اتخاذ القرار، ودون الاعتناء بمفردات الاعتراض الشعبي حيث تم استثناء ست محافظات من الجباية القسرية من المواطنين وكذلك استثناء محافظات شمال العراق الثلاث المنضوية تحت اقليم كردستان العراقي وبالتالي  فإن البلاد غير مهيأة الآن لتنفيذ قانون انتقائي فيه الكثير من الاستثناءات.
كما برزت حالة اخرى عززت شكوك المواطن ازاء حملة مكافحة الفساد "المزعومة" من قبل الحكومة، حيث تم وقف بعض المصارف الاهلية بتهم فساد وملاحقة قانونية تم على اثرها اغلاق هذه المصارف ووضعها تحت الوصاية الحكومية. لكن المعضلة التي صنعتها الحكومة هي أن اموال المواطنين المستودعة في هذه المصارف لم يتم اعادتها وحرية التصرف بها، ومرة اخرى يدفع المواطن ضريبة اجراءات الحكومة وليس الفاسدين ولا المفسدين.
الاقتراض.. حل عقيم
منذ بداية الازمة المالية العالمية وانخفاض اسعار النفط بدأ العجز الاقتصادي يبرز مع استمرار نزيف العملة في البنك المركزي العراقي وكذلك عدم وجود مستشارين اكفاء من الممكن أن ينصحوا الحكومة ويشيروا عليها بخطوات التهيؤ للقادم الصعب، فوصل الحال بالحكومة استسهال الاقتراض وتكبيل الميزانية العراقية أعباءً هي في حِل عنها، فجاءت سياسة الاقتراض لتلقي بشبح الانهيار الاقتصادي العراقي دون حلول جدية تذكر.
حيث تشير التقارير أن مجموع الدين الخارجي للعراق لغاية تاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2016، بلغ 68.220 مليار دولار.
 
اما حجم الدين الداخلي لغاية التاريخ ذاته بلغ 43.505 مليار دولار أي حوالي 51422496 تريليون دينار، ليبلغ إجمالي الدين العام زهاء 111.725 مليار دولار.
وفي هذا المجال قالت النائبة ماجدة التميمي عن اللجنة المالية في البرلمان العراقي: "أن الديون تتضمن نادي باريس وخارج نادي باريس والدائنين التجاريين، وصندوق النقد العربي، والاقتراض الجديد والدين غير المعالج، وتعويضات الكويت، ومتأخرات الشركات النفطية العالمية، ومتأخرات استيراد الطاقة، بالإضافة إلى حوالات المزادات وقروض شركات التمويل الذاتي، وحوالات تمويل العجز والمشاريع وقروض وزارة الكهرباء".
بمعنى: اذا تم استقطاع ٨٠٪‏ من ديون نادي باريس ومعالجة ديون الاقليم على بغداد اذا اخذنا بعين الاعتبار احتساب واردات الاقليم التي لم تدخل الموازنات الاتحادية بالإضافة إلى حذف مستحقات الشركات النفطية (لأنها جزء من تخصيصات الموازنة) فسينخفض الرقم المعلن إلى قرابة النصف.
كما طلب حكومة كردستان على بغداد بحدود ٢٠ مليار دولار أو اكثر للموازنات غير المدفوعة، وطلب بغداد على الاقليم بحدود ٥٠ مليار دولار وهذه مبالغ واردات النفط والغاز والموارد الحدودية وضرائب الهاتف النقال، وهذه كلها تقديرات ولم تُحتسب بعد.
وديون الاقليم الداخلية والخارجية بحدود ٣٠ مليار دولار وهذه غير سيادية لا تتحملها بغداد، ولا ندري إن كان صندوق النقد قد ادخلها في الحسابات.
وديون نادي باريس ٤٢ مليار دولار، وبحسب الاتفاق يجب أن تخصم ٨٠٪‏ منها، في صندوق النقد الدولي.
ومستحقات الشركات النفطية لا تُحسب كديون بل تدخل في أبواب الموازنة (تخصيصات وزارة النفط بحدود ١٠ مليار سنوياً) وتُدفع كل ثلاثة أشهر أو تُستقطع كنفط، واذا تأخرت فبمعدل فصل أو فصلين، اي بحدود ٢.٥ إلى ٥ مليار دولار.
وفي ملاحظة  فإن القرض البريطاني ١٠ مليار باوند إسترليني، ولم يتم استلامه لأنه مخصص لمشاريع استثمارية خاصة لشركات بريطانية.
 
 
 
 
وطبقا لما ذُكر يمكن اختصارها في الجدول التالي:
 
أن مشكلة صندوق النقد الدولي انه اخذ كل هذه الارقام بدون اي استقطاعات أو معالجات وراكمها في رسم بياني عام دون اي شرح تفصيلي لأبوابه، وأضاف عليها عجز سنوي بحدود ٢٠ مليار دولار للأعوام القادمة، فتلاقفها الساسة والإعلاميين لتصبح مادة نقاش دسمة بعيدة عن الدقة بغياب التفاصيل.
 أن الاستمرار بالاقتراض وعرض سندات بفوائد عالية كارثة يجب ايقافها. كما أن الحكومة لم تستجب لدعوة اصلاح الموازنة ومراجعة سلم الرواتب وتسريح أعداد العاملين العموميين غير المنتجين لكن النواب والساسة يزايدون كثيراً بعدم مساس الرواتب والتعيينات الحكومية.
الحكومة جهة تنظيمية وليست جهاز تشغيلي. هذا المفهوم لا يفقهه الجهلة من حكام العراق. أما النفط، فلن يكون ذو اثر مهم في مدخولات الدولة بعد ٣٠ عاماً.
لنطرح هذه الفرضية المُحتملة جداً: في العام ٢٠٤٠ ستكون تقديرات النسمة السكانية في العراق بحدود ٦٧ مليون نسمة، اما الانتاج النفطي فقد لا يتجاوز ٧ مليون برميل يومياً وبسعر ٣٥ دولار للبرميل بسبب تدني الطلب على النفط في اسواق الطاقة المتنوعة وانخفاض أسعاره.
السؤال: ماذا سيكون حجم الموازنة، وكيف سيتم سد العجز وجدولة الديون واستمرار الدولة؟
 
الجواب: اذا لم تعمل الحكومة في تغيير فلسفتها تجاه الصرف الحكومي مع اعادة شرح مفهوم الوظيفة الحكومية، بمعنى أن لا يتجاوز حجم الملاك الحكومي ٥٪‏ من كفاءات الشعب، والعمل على نظام ضريبي وتنويع الاقتصاد والموارد، فاقرأ على العراق السلام.
هذا يُعيدنا إلى النقاش الاول: الدولة الناجحة هي التي تعمل لتكون جهة تنظيمية لا أن تكون جهاز تشغيلي.
فالنظام المصرفي في العراق متأخر ٣٠ سنة وبحاجة إلى تكنولوجيا لربط البنك المركزي مع البنوك الاخرى. ولذلك الاجدر من المسؤولين البحث عن آخر تطورات التكنولوجيا في هذا القطاع. كما أن هناك الكثير من القطاعات الاخرى مثل التسجيل العقاري، وتسجيل المركبات، والجمارك، والخطوط الجوية، وغيرها. كلها تستطيع الوثوب إلى الامام باستعمال Smart Contracts Technology.
 
هل يستطيع العبادي القيام بمهمة مكافحة الفساد؟
سؤال مهم يتوجه به كل عراقي لآخر في ظل المعطيات التي تشير إلى أن العبادي مازال نتاج حزب الدعوة وهو لم يتخلَّ عن الحزب بعد وليس لديه القدرة بالوقوف امام صقور الحزب كما انه ليس لديه القدرة للوقوف بوجه الزعامات المتأصلة في الواقع العراقي وخصوصًا الزعامات الدينية فضلا عن الزعامات السياسية المتمثلة بقيادات حزبية ما زال العبادي يؤمن بقوتها على الرغم من وجوده على هرم السلطة في العراق.
ولذلك اشارت مجلة فورين بوليسي الامريكية إلى أن إصلاحات العبادي الداخلية ما زالت في مراحلها الأولى ويمكن تخريبها من قبل نخبة البلاد الراسخة التي نهبت الدولة منذ فترة طويلة.
وبمقابل ذلك فقد أسَّسَ العبادي المجلس الاعلى لمكافحة الفساد دون غطاء قانوني أو تشريعي ليبدأ بخطوة مكافحة الفساد بفساد قانوني على حد قياس البعض. وهذا خطأ جسيم.
وفي اول جلسة لهذا المجلس قرر رئيس الوزراء تقديم اكمال تقارير الفساد وتقديمها لمحكمة خاصة بقضايا الفساد، وهذا تجاوز آخر على الدستور حيث تنص المادة 95 من الدستور لا تسمح بتشكيل محاكم خاصة الا فقط أن تكون لغرض معين ومؤقتة بعد تصويت البرلمان عليها.
وهنا تجدر الاشارة إلى أن العمل بشكل خفي واستثنائي مع ملف الفساد لن يأتي بنتيجة خصوصًا و أن سلطة رئيس الوزراء، بالتعاون مع البرلمان من الممكن أن تنتج قرارات حاسمة.
دعونا نستذكر حالة اختبار من بعض القوى لجهد العبادي وقدرته على المساس بحيتان الفساد حيث التقى رئيس تحرير جريدة الصباح الرسمية برئيس هيأة النزاهة حسن الياسري وقال
 
الاخير: التحقيقات ستجري مع نواب رئيس الجمهورية حول قضايا فساد، وما أن نقلت الخبر قناة "العراقية" الرسمية والمسيطر عليها من قبل حزب الدعوة "جناح المالكي" حتى ثارت ثائرة الحزب وتمت معاقبة رئيس التحرير الذي كتب الخبر، ونجح المستهدفون -بفتح الدال- بنتائج بالون الاختبار، حيث تشير الحقائق المنطقية أن هذا الخطأ من الممكن معرفة صدقيته من خلال التسجيل الذي يعتمده المحرر حين أجرى مقابلة مع ضيف ما، ولكن الامور جرت وفق مبدأ الاجتثاث وترشيح ضحية للموقف.
هذا مثال لاختبار قدرة السيد العبادي على مواجهة الفساد، والذي ما زالت تثار حوله شكوك، وما شجع العراقيين على الخوض في قدرة العبادي هو ما جرى في المملكة العربية السعودية حيث استطاع ولي العهد أن يزج ابناء عمومته وكبار القوم في السجن بتهم فساد، الامر الذي يشك العراقيون أن العبادي يستطيع تقليد هذه الخطوة في العراق. لأن الفساد غول كبير له أذرع في كل مكامن الأحزاب والشخصيات السياسية في العراق. علاجه إرادة سياسية قوية، وفرصة العبادي هو نجاحاته في الميدان الحربي والاطاحة بأحد الرؤوس الكبيرة بتهم فساد أو إفساد، فتنحني رؤوس كثيرة، ولن يضيع جهد العبادي الذي حققه عبر انتصارات قواتنا المسلحة على ارهاب داعش.
وكذلك  فإن الامر مرهون بأكبر كتلة برلمانية عراقية ولها تأثير كبير على مستوى الوضع العراقي الراهن وعلى ذائقة المواطن العراقي وهي كتلة التحالف الوطني، على العبادي أن يتجه إلى كتلته الرئيسة والتي هو نتاجها وأن يتفق معهم على الاطاحة برؤوس الفساد من داخل الكتلة وابراز هذا الفعل إلى الشارع العراقي، وهذا -للأسف- لن يحصل اطلاقا.
إن ما يمنع العبادي من الوقوف شامخا والسير قدما نحو مكافحة الفساد بعين ليس فيها ريبة هو أن عينه الاخرى على الانتخابات والتجديد له لولاية ثانية، وهذا يكبل الرجل في اتخاذ قرارات مصيرية باتجاه الفاسدين والمفسدين.
كما يستطيع العبادي الاتكال على الجهد الدولي في معالجة الفساد في العراق لأنه يشعر بالإحراج من الرؤوس الكبيرة المتهمة بالتقصير والفساد حيث قال سفير الولايات المتحدة الامريكية لدى بغداد دوغلاس سيليمان: "إننا ندعم اي جهود عراقية لمحاربة الفساد والحد منه، واننا نعمل بشكل وثيق مع مكتب الاصلاح الاقتصادي بمكتب رئيس الوزراء لتقليل الفساد وايجاد الضوابط التي تقضي على طرق الفساد".
وهنا ايضا نقع في ازمة مسميات اخرى فلم يسمع احد من قبل بمكتب الاصلاح الاقتصادي، ومن المعضلات الحقيقية أن رئيس الوزراء لا يذكر فسادًا "مستقطعًا" من العراق وهو الفساد الذي تمارسه السلطات والعائلات المتنفذة في محافظات العراق الثلاث المنضوية في اقليم كردستان العراقي، ويعجب المرء حين يصرح نائب رئيس اقليم كردستان العراقي قوباد طالباني بأن الاقليم قادم على شن حرب ضد "فراعنة" الفساد في الاقليم، من المستغرب أن الحكومة المركزية لم تتفاعل ولم تصرح ازاء هذا التصريح.
 
وفي اشارة إلى ما قاله طالباني: حيث اكد أن هيئة النزاهة غير قادرة على محاربة الفساد بمفردها.
وقال طالباني لدى زيارته هيئة النزاهة في إقليم كردستان، أن "الإقليم شكل لجانًا لملاحقة الفاسدين، لكننا اكتشفنا أن رؤساء هذه اللجان فاسدون أيضا، ولفت إلى أن إجراءات ملاحقة الفاسدين في الإقليم اقتصرت على المسؤولين في الأوساط الدنيا من معاوني المدراء والموظفين العاديين، فيما أفلت الكبار من الملاحقات".
وتابع قوباد طالباني أن "هناك فراعنة في كردستان يستولون على الاراضي ويعملون في التهريب ويغتالون الناس والصحفيين، ويرتكبون جرائمًا وأعمالًا مخلة بالقانون بسبب غياب الجرأة في ملاحقتهم، واكد أن هؤلاء الفراعنة معروفون لدى الرأي العام ويطالعونهم على الشاشات لشجب الفساد، ويعقدون ندوات تدعو لملاحقة الفاسدين، وأضاف أيضًا أن هؤلاء الفراعنة محاطون بمسلحين ويأخذون الاتاوات والضرائب غير القانونية من اصحاب المحلات ويهددون المواطنين ويتهمونهم، وأثناء الشدائد يتركون ساحات القتال ويهربون ويبيعون الاسلحة في السوق السوداء".
وخلص طالباني إلى القول "شرعنا في اجراءات الكترونية لمواجهة الفساد"، متوعدا بـ"اتخاذ مزيد من الاجراءات الرادعة خلال ما تبقى من عمر الحكومة الحالية لإعادة الحقوق إلى أصحابها".
وقدم قوباد طالباني اعتذاره لرئيس هيئة النزاهة "بسبب عجز الحكومة عن دعمها بالشكل المطلوب لمواجهة الفراعنة، وليس البسطاء وفي المستويات المنخفضة.
إلى هنا انتهى تصريح طالباني ولكن لم يأتِ ذكر لهذا الخبر لا من الحكومة ولا من هيأة النزاهة في مباركة هذا السعي من قبله. ولو بشكل دبلوماسي أو روتيني،
 
كيف يمكن مقاومة الفساد والفاسدين؟
الفساد لا يمكن تجاوزه دون تحقيق الخصخصة الكاملة للمشاريع الخدمية والانتاجية وخضوعها لحساب الأرباح والخسائر السنوي أو على الأقل ابقاء الخدمية ضمن القطاع العام مع خضوعها أيضا لحساب الأرباح والخسائر السنوي وحسب أسعار السوق التجارية.
أيضا يجب اعادة النظر في قانون المصارف العراقي وإعادة هيكلة المصارف الموجودة مع وضع الوصاية على المتلكئة منها أو حتى غلقها، والقضاء على كثير من القوانين التي تؤدي إلى الفساد ومن اهمها قانون بيع العملة في مزاد البنك المركزي العراقي حيث تشير تقارير إلى أن اكثر المصارف الاهلية هي عبارة عن بوابات مالية لأحزاب متنفذة.
 
ومن القوانين التي من الممكن أن تقضي على الفساد هو تحويل خدمة السياسي إلى تكليف وليس تشريف حيث يجب القضاء على بدعة تقاعد الموظف الحكومي أو البرلماني الذي لم يخدم فعلياً في الدولة المدة المطلوبة ولم تخصم من رواتبه نسبة الضمان. يجب أن تنتهي، خصوصاً اصحاب الدرجات الخاصة مثل الرئاسات والوزراء والبرلمانيين والمستشارين وكذلك من حُسبت لهم سنين تقاعد وهم في المهجر دون اي خدمة فعلية للدولة العراقية.
كل هذه تعتبر سرقات مشرعنة بقوانين اجرامية بحق الشعب العراقي والأجيال، ويقول العراقيون لو كانت عندنا حكومة نزيهة، لعملت على تصحيح هذا الجرم والمطالبة بكل هذه المبالغ بأثر رجعي، لذلك نؤكد على أن مكافحة الفساد أولاً بمراجعة القوانين التي تشرع للفساد والسرقات المشرعة بقوانين.
يعني مثلاً أعضاء الجمعية الوطنية يتقاضون تقاعداً مستقلاً عن رواتب اخرى. فعضو الجمعية الوطنية يتقاضى راتباً تقاعدياً مضافاً لراتبه و أن كان يعمل نائباً أو وزيراً أو سفيراً... إلخ
لماذا يخدم مسؤول حكومي سنة أو سنتين ثم يتقاضى راتب ٨٠٪‏ من آخر راتب؟ انا اعرف أن الخدمة تُقسم على ٣٠ سنة أو اكثر وبعد استقطاعات الضرائب والضمان، إلا في العراق!
اكبر طبيب في بريطانيا يتقاضى تقاعد بحدود ٢٠٠٠ باوند شهرياً بعد خدمة فعلية لعقود من الزمن واستقطاع ٤٠٪‏ ضرائب واشتراك ضمان اجتماعي ١٠٪‏ من راتبه الشهري خلال الخدمة.
ولا يوجد تقاعد لأي شخص لا يداوم على دفع مستحقات الضمان الاجتماعي لسنين الخدمة، كما أن قيمة التقاعد الشهري تعتمد على نسبة الاستقطاع الشهري من الراتب للخدمة الفعلية والتي تتجاوز ثلاثة عقود.
وبالتأكيد يتوقف راتب البرلماني في نهاية دورته الا اذا فاز بالمقعد مرة ثانية، وجدير ذكره أن المرجع الاعلى السيد علي السيستاني قال في احد لقاءاته مع وفد من النخب العراقية أن القوانين العراقية بخصوص مستويات الرواتب والمنافع والتقاعد لا مثيل لها في العالم ويجب أن تتغير لأنها سرقة واضحة من قوت الشعب وما يجنيه اصحاب الدرجات الخاصة في الدولة العراقية بعد عام 2003 من هذه الرواتب انما هي اموال سحت وحرام. وهذا الراي بمثابة الفتوى الواضحة لشريحة معظمها ينتمي إلى الاسلاميين الذين ينتمون لأحزاب اسلامية وبالتالي فيجب أن يلتزموا "احتياطا" بهذه الفتوى ورأي المرجع.
ويجب ايضًا أن تكون قيمة الرواتب والمنح، خاضعة لضوابط ادارية معقولة تتناسب مع سلم رواتب الموظفين في الدولة، حسب درجاتهم الوظيفية.
وتتناقل مصادر قريبة من مجلس النواب أرقامًا فلكية تعطى للنواب حيث أن المادة 13 من قانون مجلس النواب يتضمن ما يلي: "المنحة المالية لا تقل عن 100 مليون دينار مضافًا لها قطعة
 
ارض لا تقل عن 500 مليون دينار، مضافًا لكل ذلك راتب شهري وراتب للحمايات وخط موبايل مفتوح واخر لحد 400 دولار شهريا و4 سيارات لكل نائب لا ترد بعد الدورة البرلمانية، ومعونة مستلزمات شهرية بـ5 مليون دينار، بالإضافة إلى رواتب جانبية عن كل لجنة يعمل بها النائب"! ومثال على ذلك فان، لجنة التحقيق بسقوط الموصل التي يرأسها النائب عن التيار الصدري حاكم الزاملي كان يأخذ 5 ملايين دينار لأنه رئيس اللجنة واعضاء اللجنة 3 ملايين.
على الرغم من أن المادة جاءت بشكل عمومي لكن تطبيق المادة ١٣ تم ترجمتها وفق الارقام المذكورة، وهنا نعود إلى النقطة المهمة في معالجة القوانين التي اسهم المشرعون في اعطاء انفسهم مزايا ومبالغ كبيرة وما زالت هذه القوانين نافذة لحد الآن ولم يجرِ اي تداول لها على الرغم من أن النواب جميعا يتحدثون عن المبالغة بهذه المبالغ.
 
التوصيات
أوصى المشاركون بهذه الحلقة بما يلي:
1ـ توفير الارادة المستقلة للحكومة لتنفيذ مشروع جاد لمكافحة الفساد بعيدا عن التدافع السياسي والشعارات، والاقدام على وضع خطة واضحة المعالم يتم الاتفاق عليها خارج اطار الكتل السياسية، وبإشراف السلطة القضائية.
2ـ مطالبة البرلمان بوضع القوانين السابقة تحت طائلة النقاش الجدي واجراء تعديلات عادلة تتناسب مع قانون سلم الرواتب.
3ـ تعديل قانون هيأة النزاهة واعطائها الحق بإكمال اجراءاتها إلى حد الحسم وعدم الاعتماد على التسليم وترك الملفات عالقة.
4ـ ربط هيأة النزاهة بالسلطة القضائية وانفكاكها عن السلطة التشريعية ليكون قرارها جزء من القرار القضائي وأن لا تكتفي بالاستدعاء وتحويل الملفات إلى القضاء وبعد ذلك يتخلص مسؤولو النزاهة من الملف على اعتبار أن طريقهم ومهمتهم تنتهي عند هذه النقطة الوسطية غير الحاسمة.
5ـ إعادة العمل بمديريات "الامن الاقتصادي والامن البيئي والامن الصناعي والامن المالي" التي كانت فاعلة في الجمهوريات العراقية السابقة قبل عام 2003 واقرار تشريع يربط هذه المديريات مع هيأة النزاهة.
6ـ الاستعانة بفرق دولية وشركات متابعة مالية ومتخصصين دوليين بحالات الفساد وتسهيل مهمتهم وعدم الاصغاء لادعاء البعض على أن عمل مثل هذه اللجان في العراق يعد قدحًا للسيادة العراقية.
 
7ـ الاستفادة من تجارب الدول التي عانت من التغييرات السياسية والانعطافات الجوهرية مثل المانيا واليابان وتركيا وعدم الاعتماد على الفرق الامريكية والبريطانية بهذا الشأن.
8ـ اقرار تشريعات تتعلق بالجسد الوظيفي الحكومي وتحديد القدرة الانتاجية كمقياس للتوظيف مع الالتزام بقانون الثواب والعقاب للمقصرين وللمجتهدين.
9ـ الاهتمام بتثقيف الموظفين بقوانين الدولة واهمية التخلص من الفساد، واشاعة الوطنية بدلا من الانتماءات الحزبية والطائفية في البلاد.
10ـ مطالبة الكتل السياسية الممثلة في البرلمان العراقي باعتماد الشفافية وتحقيق جهد داعم لجهود مكافحة الفساد الذي تضطلع به الجهات المعنية والمؤسسات التي من شانها أن تحقق في الفساد.
11ـ معالجة "نزيف" الاموال من العملة الصعبة وتقييد مزاد العملة بقوانين صارمة.
12ـ الاستعانة بخبراء عراقيين غير خاضعين للأحزاب وغير مرتبطين بالحكومة لإبداء الرأي لوقف نزيف العملة الذي يعاني منه العراق، ومعالجة الثغرات القانونية التي ينتهزها اصحاب المصارف الاهلية.
13ـ الزام المصارف الاهلية بتطبيق خطة تنمية شاملة تتعلق بالإقراض وفتح عطاءات تسهيل لشرائح الموظفين والطلبة ودعم قطاعات الدولة الابداعية والعلمية وفق قوانين يتم تشريعها من قبل البرلمان العراقي.
14ـ مطالبة الحكومة بتقديم دعائم للاقتصاد العراقي وعدم الاعتماد على تصدير النفط فقط وذلك من خلال تفعيل قطاعات الصناعة والسياحة والبحوث العلمية.
15ـ مطالبة الحكومة بتقديم كشوفات واضحة فيما يتعلق بالقروض التي تهدد موازنات البلاد القادمة.
17ـ اعتماد الشفافية في قضية التوظيف وترك التزكيات الحزبية على اعتبار أن موظفي الدولة يفترض أن يكونوا في حالة تجرد خالص من الحالة الحزبية وأن يكون الانتماء للوطن فقط دون قرائن حزبية وطائفية.
17ـ ترك سياسة المحاصصة في الجانب الحكومي واعتماد الكفاءة كمبدأ تفضيلي لغرض التوظيف.
18ـ مطالبة السلطة القضائية بفتح وحسم كل ملفات الفساد المقدمة لها من قبل هيأة النزاهة.
19ـ تدخل السلطة التشريعية الجاد في ادعاءات هيأة النزاهة بانها انجزت ملفات فساد ويتم تعطيلها من قبل السلطة القضائية.
 
20ـ العمل بشعار "القانون فوق الجميع" للتخلص من المحسوبية والمنسوبية في كشف ملفات الفاسدين.
21ـ تشكيل لجنة من القضاء العراقي بالاضافة إلى ممثلين من النخب المتخصصة لمفاتحة المتهمين بملفات فساد لتسليم الاموال المتهمين بسرقتها، أو الاتفاق على اقرار قانون يسهل استعادة ه