إعادة تأهيل جهاديي أوروبا ضرب من العدمية


المحرر موضوع: إعادة تأهيل جهاديي أوروبا ضرب من العدمية  (زيارة 616 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 22607
    • مشاهدة الملف الشخصي
إعادة تأهيل جهاديي أوروبا ضرب من العدمية
في غمرة الأعمال الإرهابية في أوروبا حدث نوع من الارتباك، أدى إلى انخداع المسؤولين ببعض وصفات سحرية تدعي منع تطرّف الشبان وإبراء من تطرّف منهم.
العرب حميد زناز [نُشر في 2018/02/01، ]

'فالج لا تعالج'
بعد تجارب متعددة في فرنسا وفي بلدان أوروبية أخرى وحتى في بلدان عربية وإن كانت تحت مسميات مختلفة، أصبح واضحا أنه ليس بالأمر البسيط، إن لم يكن ضربا من ضروب المستحيل محاولة، إبراء المتطرفين من تطرّفهم والجهاديين من جهادهم والإسلاميين عموما من إسلاميتهم.

ومنذ 2013 وكثيرون في فرنسا ينتهزون مسألة إعادة تأهيل وإبراء المتطرفين الإسلاميين ومنع من تظهر عليهم بعض علامات الميل إلى التطرّف وذلك بفتح مراكز ممولة بسخاء من أموال الخزينة العمومية الفرنسية.

وفي غمرة أعمال العنف الإرهابية التي مسّت أوروبا حدث نوع من الارتباك، وهو ما أدى إلى انخداع المسؤولين الفرنسيين وغيرهم ببعض وصفات سحرية تدعي منع تطرّف الشبان وإبراء من تطرّف منهم وقبل المسؤولون الفرنسيون اقتراحات بعض المتطفلين المتاجرين بالأزمات دون تمحيص كاف ودراسات متأنية.

وقد تبيّن في ما بعد فشل تلك المراكز ولم يكن بعضها سوى طريقة من طرق تبذير ونهب المال العام، وهو ما حدث مع صونيا إملول صاحبة مشروع “بيت الوقاية والعائلة” التي صدر حكم ضدها بأربعة أشهر سجن غير نافذة بتهمة اختلاس وتبييض أموال، هي التي قدّمت نفسها كمتخصّصة في التعامل مع التطرّف والمتطرّفين.

وقد أكد تقرير أعدّته عضوتان من مجلس الشيوخ الفرنسي فشل التجربة الفرنسية برمتها وطالبت فيه السيناتوريتان بإيقاف تلك المشاريع فورا لعدم فعاليتها. أما الباحث في الأصولية الإسلاموية دافيد طومسون صاحب كتاب عن الجهاديين الأوروبيين العائدين من سوريا والعراق، فيصف محاولات إبراء الجهاديين بالعملية العبثية. وليس هذا فحسب بل من المستحيل قياس درجة صدق حتى نية التائبين ويعطي أمثلة لكثيرين تمكّنوا من خداع السلطات القضائية وخرجوا من السجن ثم عادوا إلى تطرّفهم وإرهابهم.

ويتذكر المتابعون لظاهرة التطرّف في أوروبا حالة أسامة عطار الذي تجنّدت للدفاع عنه بعض وسائل الإعلام والجمعيات في بلجيكا من أجل إخراجه من السجن بشروط مبررين ذلك بأنه قد تغيّر ولم يعد يؤمن بأيديولوجيا الجهاد وهو ذاته قدّم نفسه كتائب يعاني من المرض وبعد استفادته من الحملة الإعلامية ثم الخروج المسبق من السجن، عاد ثانية إلى الجهاد في سوريا وكان من بين المنسقين لعمليات 13 نوفمبر 2015 الإرهابية بباريس.

ليس من السهل إبعاد إرهابي عن أيديولوجيته لأن ذلك يعني تجريده من هويته، وحرمانه مما يعطي معنى لحياته
وشاهد كثيرون الشابة ليا وهي تبكي منتحبة تائبة في فيديو على موقع “مركز الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالدين الإسلامي”، تلك الشابة التي اصطادها جهاديو داعش عن طريق الإنترنت والتي كانت تهم بارتكاب عمل إرهابي في بلدها فرنسا، والتي قدّمت نفسها في الفيديو على أنها شفيت من مرض التطرّف “لم أفهم بعد كيف تم خداعي من طرف الجهاديين؟”. ولم يكن ذلك سوى مسرحية تقية إذ قبض عليها بعد بعض أشهر وهي تحاول السفر إلى سوريا للالتحاق بالجهاديين.

وهو ما كشف عدم فعالية وفشل المسعى العلاجي المقترح من طرف هذا المركز التي تشرف عليه دنيا بوزار، وهو أول مركز مولته الدولة الفرنسية. وقد اتضح تماما فشل البرنامج الذي سطرته السلطات الفرنسية بين 2014 و2016 وفقد مصداقيته بسبب كارثية بعض التجارب كالتي ذكرنا سابقا.

وبغض النظر عن الأخطاء العملية المرتبكة هنا وهناك في التصدي لظاهرة التطرّف والإرهاب، يبقى الجانب النظري هو الأهم، إذ لا يمكن معالجة شبان من “مرض” إذ لم نحاول فهم جذوره العميقة.

فكيف يمكن لسيدة مثل دنيا بوزار أن تتصوّر برنامجا جديا لمركزها وهي تردد صباحا مساء أن لا علاقة للتطرّف بالدين الإسلامي على الإطلاق! إنه لمن غير اللائق ومن غير المسؤول اعتبار قتلة جاؤوا ليعاقبوا الكفار ولينشروا ما يسمونه شريعة إلهية مجرد جانحين عنيفين أو عدميين جدد كما يرى المتخصّص في عالم الإسلام أوليفييه روا، والذي يرى أن هناك أسلمة للتطرّف وليس تطرفا إسلاميا.

لقد عرفت بعض البلدان العربية كمصر والعربية السعودية وليبيا وغيرها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجارب من هذا النوع تحت مسمى “المراجعات” وقد باءت كلها بالفشل وسرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة.

ليس من السهل إبعاد إرهابي إسلامي أو في طريقه إلى التطرف العنيف عن أيديولوجيته بل من المستحيل في أغلب الأحيان لأن ذلك يعني تجريده من هويته، وحرمانه مما يعطي معنى لحياته.

وقد بينت كل التجارب أنه لا يجدي نفعا التصرف معهم كأنهم مجانين أو أغبياء أو جاهلون لدينهم إن لم يعقد الأمر أكثر ويزيد الطينة بلة. وظهر من التجارب المختلفة أيضا أنه لا يمكن الوصول إلى أيّ نتيجة إيجابية إذا بدأنا بطرح سيء للمشكلة أي عدم محاولة البحث عن العوامل الداخلية في النصوص التراثية ذاتها التي قد تؤدي إلى ظهور تديّن عنيف.

ألا يحاول هؤلاء الخبراء والمسؤولون الذين ينظرون إلى المتطرفين كجهلة بالإسلام الصحيح وكمجرد بلهاء تجنّب طرح الأسئلة الصعبة والدقيقة المفيدة؟

وفي الحقيقة ما يتغافل عنه المسؤولون الفرنسيون هو محاولة البحث عن المسؤول المباشر عن ظاهرة التطرّف التي تضرب بلدهم وكان الأحرى بهم أن يمنعوا نشر الأفكار الانتحارية والإرهابية أولا ويكفيهم الاطلاع على كتاب “الإخوان المسلمين، من نصوصهم” لمدير مركز مراقبة الأسلمة، جواكيم فليوكاس، ليعرفوا كيف تنشر جماعة الإخوان المسلمين أفكار الجهاد والعنف والخلافة والشريعة في بلدهم.

ولا يجانب الصواب من يشك في وجود طريقة ناجعة في “إبراء” المتطرّفين من تطرّفهم، فهؤلاء الشبان والشابات وحتى وإن غرّر ببعضهم، ففي غالبيتهم يحملون مشروع مجتمع ويؤمنون بأفكار سياسية ودينية ومقتنعون بما يفعلون ومستعدون للموت من أجل ذلك. وحتى وإن كان من غير المعقول استبعاد الجانب البسيكولوجي للظاهرة كلية، إلا أن إرادة هؤلاء السياسية / الدينية هي التي تبقى المحدد الأساسي في تطرّفهم وعنفهم. ومن هنا فمن العبث محاولة إقناعهم بحجج عقلية أو معرفية أو حتى دينية.