صدام والفخ الامريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة العاشرة


المحرر موضوع: صدام والفخ الامريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة العاشرة  (زيارة 333 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حامد الحمداني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 547
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة العاشرة                             
حامد الحمداني                                                               6 /2/2018
رابعاً: نظام صدام في مأزق:
لم يقدر نظام صدام الأمور تقديراً صائباً، أوقع نفسه بالفخ الأمريكي، وجره تعنته إلى نقطة اللا عودة. فقد استهان صدام حسين بالتطورات التي حدثت على المستوى العالمي، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وبداية تفكك الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم، دون منازع، وقد أخذ صدام الغرور من تعداد جيشه، وأسلحته التقليدية منها، وأسلحة الدمار الشامل، الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، وصواريخه بعيدة المدى، إضافة إلى سعيه الحثيث لامتلاك القنبلة النووية.

فقد ظن صدام نفسه قادر على منازلة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، الذين لهم مصالح كبرى في الخليج تجعلهم على استعداد لعمل كل شيء من أجل الحفاظ عليها، حتى لو أدت إلى حرب ذرية، ووصل الأمر بصدام أن يقف أمام عدسات التلفزيون، يستهزئ بقوة الولايات المتحدة، وتكنولوجيتها العسكرية قائلاً:
{إن طائرة الشبح التي يهددوننا بها لا تخيفنا، وإن بإمكان راعي الغنم أن يسقطها ببندقية البرنو!}، أضاف صدام قائلاً: { إنني واثق كل الثقة بأننا سننتصر إذا ما قامت الحرب، وإننا سوف نهزم الجيوش الأمريكية وجيوش حلفائها، ونعيد جنودهم إلى بلادهم بالأكفان!}.(8)
بهذه العقلية كان يفكر صدام حسين، وقد جعل من نفسه القائد الضرورة الذي لم تنجب الأمة العربية قائداً مثله من قبل. وقد بلغ به الغرور حداً جعله يفاجئ حتى اقرب أصدقاء العراق، في غزوه الكويت.
 فقد كان من المفروض أن يجري مشاورات مع الاتحاد السوفيتي، الذي تربطه به معاهدة صداقة وتعاون إستراتيجي، حول خططه لغزو الكويت، ويقف على حقيقة موقفه من مغامرته تلك، فلا ُيعقل أن ُيقدم بلد صغير كالعراق على تحدي الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، دون أن يكون له سنداً كالاتحاد السوفيتي.

 وهكذا فوجئ صدام بأن الاتحاد السوفيتي يقف ضد مغامرته، ولا يؤيده فيها، بل يطالبه بالانسحاب الفوري من الكويت، ويؤيد كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد العراق.
 وبدلاً من أن يعيد صدام حساباته، ويتدارك الأمور قبل فوات الأوان، فإننا نجده يصعّد الأزمة أكثر فأكثر، فقد أعلن عن مطالب جديدة، بربط مسألة احتلال الكويت بمشاكل الشرق الأوسط، طالباً انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وذهب إلى أبعد من ذلك فطالب بتوزيع الثروة النفطية على الدول العربية الفقيرة. (17)
 كانت تلك كلمة حق  أراد بها باطل، فلو كان صدام يهتم بمصالح الشعوب العربية إلى هذا الحد، فقد كان الأولى به أن يهتم بمصالح شعبه أولاً وقبل كل شيء، لكنه بدلاً من أن ينهض بمستوى معيشة شعبه، زجه في حرب دموية لا مبرر لها، ولا مصلحة له فيها مع الجارة إيران، دامت 8 سنوات، وأغرق العراق وشعبه بالدماء، وجاءت الحرب على الأخضر واليابس، كما يقول المثل.

 وخرج العراق منها وهو مثقل بالديون، وقد فقد كل مدخراته، وأصيب اقتصاده بالانهيار التام، وبدلاً من أن يحاول صدام إصلاح أوضاع العراق الاقتصادية، عن طريق نبذ الحروب، وسياسة التسلح، وتبديد ثروات البلاد، فإنه لجأ إلى غزو الكويت، وأوقع العراق بمأزق جديد، يفوق بمئات المرات، المأزق الإيراني، ولم يحسب أي حساب لما يمكن أن تؤدي مغامرته هذه بالعراق من مآسي وويلات. لقد كان التساؤل على أفواه الجميع:
كيف جرأ صدام حسين على تحدي الولايات المتحدة؟
هل كان هناك أدنى شك بان صدام يقود العراق إلى معركة خاسرة؟

لقد كان المواطنون العراقيون في تلك الأيام يتساءلون عن سر موقف صدام، وكان في تقديرهم رأيين لا ثالث لهما، فأما أن يكون صدام قد أصابه مَسّ من الجنون، جعله يقنع نفسه بقدرته على دحر الجيوش الغربية، أو حصلت لديه القناعة بأن الولايات المتحدة، التي سهلت له الأمر للإقدام على مغامرته، حين التقى بسفيرتها [أيريل كلاسبي] أعطته الضوء الأخضر لاحتلال الكويت، تعويضاً لخسائره في حربه مع إيران، نيابة عنها، وأن ما تفعله من استعدادات حربية ما هو إلا زوبعة في فنجان لا تلبث أن تضمحل وتزول، وليست فخاً نصبته له الولايات المتحدة لتوقع العراق فيه، من أجل توجيه الضربة القاضية له، وتحطيم قدراته العسكرية والاقتصادية، وتعيد العراق إلى الوراء عشرات السنين.

وعندما أدرك صدام، بعد فوات الأوان، أن التحشيدات الأمريكية والحليفة في السعودية لا يمكن أن تكون لمجرد التهديد، أو لذر الرماد في العيون، والسكوت عن احتلال الكويت، وحاول أن يقدم التطمينات للولايات المتحدة لعله يثنيها عن القيام بالهجوم على العراق، فقد أبلغ القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد بأن العراق لا ينوي مطلقاً التعرض للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، وبشكل خاص مصالحها النفطية، وأنه ليس له أطماع في السعودية، ولا أي بلد خليجي، وأن احتلال الكويت يتعلق بمسألة تاريخية تؤكد أن الكويت جزء لا يتجزأ من العراق. كما أبدى صدام حسين للقائم بالأعمال الأمريكي عن استعداده لإقامة علاقات طيبة مع الولايات المتحدة، ورجاه أن ينقل كل ما دار في اللقاء إلى الرئيس بوش بصورة مباشرة، وقد وعده القائم بالأعمال الأمريكي بأنه سيفعل ذلك.
ومن جانبه، طالبه القائم بالأعمال بأن يسمح للرعايا الغربيين بمغادرةالعراق، حيث سبق لصدام أن أحتجزهم في العراق كرهائن، ليمنع كما أعتقد، الولايات المتحدة وحلفائها من ضرب العراق.
لكن صدام أبلغه انه يعتبرهم ضيوف على العراق !!، ولا خطر عليهم، إلا إذا كانت النية مبيته لضرب العراق، وانتهى الاجتماع بعد ذلك بين الطرفين.
وانتظر صدام حسين أي إشارة من الجانب الأمريكي، لكنه كان يحاول عبثاً، فقد كانت التحركات الأمريكية تجري بأسرع ما يكون لإكمال التحشد استعداداً للهجوم على العراق،
ولم يكن الرئيس بوش على استعداد لفتح أي قناة اتصال مع صدام حسين وإجراء أي نقاش معه، حتى ولو قرر العراق الانسحاب حقاً، فقد كانت الخطة قد تقرر تنفيذها مهما كانت الظروف لكي تنهي الولايات المتحدة التهديد العراقي لمصالحها في الخليج لسنين طويلة.
 وحاول صدام في آخر المطاف، وبعد أن أدرك أن الحرب باتت وشيكة، أن يوصل إشارات للولايات المتحدة عن نيته للتراجع، ونقل إلى ياسر عرفات أفكاراً جديدة لكي يوصلها بدوره، عن طريق وسيط آخر مقرب من مراكز السلطة في الولايات المتحدة، وكانت تلك الأفكار تتضمن ما يلي:
1 ـ موافقة العراق على الانسحاب من الكويت.
2 ـ موافقة العراق على عودة أسرة الصباح إلى الحكم من جديد.
3 ـ تواجد عراقي في جزيرة بوبيان، وعودة منطقة الرميلة الجنوبية للسيادة العراقية.
4 ـ تنازل الكويت عن الديون المستحقة على العراق.
5 ـ دخول قوات عربية بصورة مؤقتة إلى الكويت، لحين عودة أسرة الصباح إلى الحكم، وترتيب الأوضاع الأمنية في البلاد.

 لكن محاولات نظام صدام كلها ذهبت أدراج الرياح، ولم يعد له متسع من الوقت لأي مناورة للانسحاب من الكويت وحفظ ماء الوجه، فقد كان الأمر بالنسبة للولايات المتحدة أن صدام قد دخل المصيدة، ولا يمكن أن تطلقه من جديد.
لقد كان هَمْ الولايات المتحدة تأمين الحشد الكافي، بأسرع وقت ممكن، لضمان عدم تعرض السعودية لخطر هجوم عراقي، ولذلك فلم تتحدث في بادئ الأمر عن التصدي للعراق، بل ادعت بأنها جاءت بقواتها لحماية السعودية ودول الخليج الأخرى.

 وعندما أصبح لديها من القوة ما تستطيع حماية السعودية، أعلنت عن توجهاتها الحقيقية بأنها لن ترضَ فقط بسحب العراق لقواته من الكويت، أو طردها بالقوة، بل زادت على ذلك بأنها تريد نزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل.
 وفي حقيقة الأمر، وكما أثبتته الأحداث فيما بعد أنها كانت ترمي إلى أبعد من ذلك بكثير إنها كانت قد صممت على تحطيم البنية الاقتصادية للعراق، تحطيماً شاملاً، وإعادة العراق إلى ما قبل الثورة الصناعية، كما قال جيمس بيكر، وزير الخارجية، لطارق عزيز في لقاء [جنيف] قبيل نشوب الحرب بأيام .
استمرت الولايات المتحدة وحلفائها بتحشيد القوات العسكرية، وكان النظام العراقي يرد على ذلك التحشيد، بتحشيد المزيد من قواته حتى جاوزت النصف مليون عسكري، معززين بآلاف الدبابات والمدفعية والصواريخ، وكان الشعب العراقي يضع يده على قلبه، وهو في أقصى حالات القلق لما يمكن أن يحل به، وبالوطن، نتيجة تهور وغرور دكتاتور أهوج .

لقد تم إحكام طوق الحصار على العراق، وقُطعت السبل أمام نفطه، وتوقفت أنابيب النفط عن الجريان، أخذت السفن الحربية الأمريكية والحليفة تجوب مياه الخليج، وتوقف السفن المتوجهة إلى العراق، والقادمة من موانئه، وتفتشها، وتصادر حمولتها.
 كان النظام العراقي يعتقد بأن ليس بإمكان الولايات المتحدة منع العراق من بيع نفطه ونفط الكويت، لما يمكن أن يسببه المنع من نقص في الأسواق العالمية، ويؤدي بالتالي إلى ارتفاع كبير في الأسعار. وبالفعل فقد ارتفعت الأسعار من 13 دولار إلى ما يقرب 40 دولاراً، لكن الولايات المتحدة سارعت للتدخل، وطرحت من خزينها الاستراتيجي كميات كبيرة من النفط.

 كما أوعزت إلى أصدقائها من الدول المنتجة للنفط، وعلى رأسها السعودية ودول الخليج، إلى رفع معدلات الإنتاج، وعدم التقيد بحصص الإنتاج، وبدأ الإنتاج يتصاعد لدى معظم دول الأوبك التي كانت تواقة لزيادة إنتاجها متجاوزة حصص الإنتاج التي كانت قد أقرتها منظمة الأوبك، وهكذا عادت الأسعار إلى الهبوط من جديد.

وفي الوقت الذي حُوصر النفط العراقي والكويتي، وتوقفت موارد العراق النفطية، كانت الأرصدة العراقية في المصارف الأجنبية قد جُمدت، مما أوقع النظام العراقي في حيرة كبرى، لا يعرف كيف يخرج منها، وكل ما فعله هو لجوئه إلى التصعيد مرة أخرى، حيث أعلن النظام أن الرعايا الأجانب سوف يحجزون في كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية كرهائن لمنع أي هجوم تشنه الطائرات الأمريكية والحليفة، مما أثار الغضب والاستنكار العالمي الواسع على زج المدنيين في مخاطر الحرب.

وعلى الفور بادرت الولايات المتحدة إلى تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن تحت رقم 664، في 18 آب 1990، والذي اقره المجلس، وقد عبر القرار عن قلق المجتمع الدولي من حجز الرعايا الأجانب، وطالب العراق بأن يؤمن مغادرتهم العراق على الفور، وحمل العراق مسؤولية أي ضرر يمس سلامتهم وصحتهم. وكان النظام العراقي قد أخلى كافة فنادق الدرجة الأولى في بغداد وحجز الرعايا الأجانب فيها. وفيما يلي نص القرار 664:
 قرار رقم 664
 إن مجلس الأمن :
إذ يشير إلى غزو العراق للكويت وإعلان ضمه إليه، وإلى القرارات 660، 661، 662، وإذ يشعر بالقلق البالغ بالنسبة لسلامة ورفاه رعايا بلدان ثالثة في العراق والكويت، وإذ يشير إلى التزامات العراق في هذا الشأن، طبقاً للقانون الدولي. وإذ يرحب بالجهود التي يبذلها الأمين العام من أجل إجراء مشاورات عاجلة مع حكومة العراق بعد أن أعرب أعضاء المجلس في 17 آب 1990، عن انشغالهم وقلقهم.
وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يقرر:
1ـ يطلب أن يسمح العراق بخروج رعايا البلدان الثالثة من الكويت والعراق على الفور، وأن يسهل هذا الخروج، ويسمح للموظفين القنصليين بأن يقابلوا على الفور وباستمرار أولئك الرعايا.
 2ـ يطلب أيضاً أن لا يتخذ العراق أي إجراء يكون من شانه تعريض سلامة، أو أمن، أو صحة أولئك الرعايا.
3ـ يؤكد من جديد ما قرره في القرار 662 في 1990، من أن قيام العراق بضم الكويت باطل ولاغٍ، ويطلب لذلك أن تلغى حكومة العراق أوامرها بإغلاق البعثات الدبلوماسية، والقنصلية في الكويت، وبسحب الحصانة من تلك البعثات، وأن تمتنع عن القيام بأي عمل من هذه الأعمال في المستقبل.
4ـ يطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن يقدم إلى مجلس الأمن في اقرب وقت ممكن، تقريراً عن مدى الالتزام بهذا القرار. (18)