قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان (4-5)


المحرر موضوع: قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان (4-5)  (زيارة 298 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1037
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(4-5)
روشنگ..
لم تكن حياة الأنصار الشيوعيين كلها حزن وإحباط وألم، بل كانوا يبذلون الجهود الكبيرة لإنعاش الحياة اليومية بالكثير من الفعاليات الأدبية والثقافية العامة والمعارض التشكيلية والمسرحيات القصيرة، كما كانت الإذاعة وتحرير جريدة الحزب "طريق الشعب" تأخذ وقتاً من العاملين في الإعلام المركزي حين كان في سهل لولان، أم حين انتقل إلى خواكورك. ولكنها مع ذلك كانت محدودة وذات أفاق ضيقة، إضافة على ما كان يحصل بين الفينة والأخرى من استشهاد مناضلين شيوعيين في مصادمات مع قوات الحكومة العراقية، وفيما بين القوات "الصديقة!". كما كانت هذه الحياة تزداد جفافاً حين يطول بقاء النصير سنوات كثيرة في حركة الأنصار دون أن يفكر المسؤولون بضرورة إجازة هؤلاء الرفاق ليغادروا الموقع. وما زال في ذاكرتي ذلك الطبيب الذي قضى عشر سنوات في حركة الأنصار لم يطالب بخروجه ولم يفكروا بمنح إجازة له. وحين التقيته مرة وعلمت فترة وجوده رجوته أن يقدم طلبا. وبعد الحاح مني قدم الطلب وأجيز وخرج فعلاً، ولكن كان قد نسى الكثير من علم الطب، رغم أنه كان الطبيب الأول الذي أجرى الكثير من العمليات الجراحية للمصابين أو لحاجات اضطرارية وعالج الكثير من المرضى، وكنت أحدهم، إن الطبيب مهند البراك. وهكذا كان وضع صاحب هذا الكتاب. لا شك إن طول الفترة كان يضفي على النصير الكثير من الملل عندما تكون الحركة بطيئة وليست هنا فعاليات تساعد على تنشيط فكر الإنسان وروح. وهو ما كان يفت في عضد الرفاق وتبدو حياتهم يابسة فعلاً وكئيبة أيضاً. وهو ما تجلى في كتاب يحيى علوان، وليس الناطق بتجربته وحده، بل هو يعبر عن تجارب الكثير من الأنصار الذين ضحوا بالغالي والنفيس أثناء وجودهم هناك، بل بعضهم فقد حتى عائلته..   
في هذا الجزء من الكتاب تتغير الحالة نسبياً، وتقل العثرات التي رافقت الفترة السابقة والانتظار المديد، ولو لفترة من الزمن، مهما كانت قصيرة، وتنتعش الابتسامة، ويشرق الحب من جديد، في قلب من كان الحب والتفاؤل والأمل لا يفارقن حياته، كانا جزءاً من عناوين مهمة في مجرى حياته وعلاقاته الإنسانية، لولا جليد الانتظار المرهق والوعود المراوغة! غادر يحيى قواعد الأنصار وخلع ملابس الأنصارية الكردية، وارتدى ملابس الأفندية، على حد تعبير العراقيين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وحط الرحال في مدينة أورمية، حيث يعيش فيها المسيحيون والكرد والتركمان،  ليتوجه منها إلى طهران مباشرة. غادر الباص مساء أحد أيام الصيف ويحيى علوان أحد ركابه. ما أن حل الليل حتى سرح كاتبنا بأحلامه وهمومه، يقتل الوقت باستعادة ذكرياته، تقطع بين الفينة والأخرى من مساعد السائق، حيث يصرخ بصوت أجش، "صلوات الله على محمد وأل محمد"، برطانة يصعب فهمها. كان يحيى بين النوم واليقظة، حين شعر بشيء يمس إحدى قدميه. سحبها لئلا يزعج من يجلس أمامه، بعد أن كان قد مدهما ليريح ركبتيه المتعبتين من الجلوس الطويل. بعد لحظات قصيرة مدهما من جديد.. احس باللمس الخفيف ثانية، وكان مقصوداً.. وحين حل الظلام ولم يبق سوى ضوء خافت، التقت عيناه بعيني سيدة إيرانية متلفعة بالجادر، ارتسمت على محياها ابتسامة مستحية ومحببة. شعر بارتياح ممزوج بهزة خفيفة منعشة تجوب كيانه.. فبعد سنوات ست عجاف ويباب، تحرك مشاعره دغدغة خفيفة من امرأة في قدميه.. رغم وجود النصيرات في الحركة الأنصارية كن قد تحولن إلى مقاتلات تلفهمن خشونة الحياة وعصاميتها بعيداً عن حياة الحب التي هي جزء من حياة الشبيبة.
استلذ يحيى بتلك الأحاسيس حين لامس إبهام قدمه باطن قدمها اللدن.. والتقت النظرات ثانية وارتاح لمغزاها.. فهل من أمل في هذه اللعبة الخفية. يقول الكاتب: "تكررت اللعبة من جديد.. لمَّا التفتت بنظرها ناحية اليسار، بانت ظلال ابتسامةٍ في جانب من وجه صاحبة القدم.. أخذت تدفع قدمي، التي تعرت من ضغط حذاءٍ جلدي، لم آلَفه منذ سنين في الجبل". (ص 118) إنه غزل من نوع جديد جميل وبرئ، لم يألفه من قبل! يا له من سحر جميل، إنه، كما يقول يحيى، "أقرب إلى لهو الطفولة منه إلى الحرمان أو الكبت الدفين..". فهل نصدق هذا الوصف، بعد صوم جنسي مديد وحرمان أكد؟ استطابت له اللعبة، فدغدغ مشاعرها، وابتلعت ضحكة مكتومة.. ثم توقف الباص في طهران، انتهت اللعبة الظريفة، وطار الحلم بمتعة جديدة، حين نزلت، وكان في استقبالها شخص أنيق بسيارته، لم تلتفت لتمنحه نظرة الوداع! عندما استقلت السيارة وغادرت الكراج..
استقبله الرفاق في طهران، وسكن في بيت فيه أكثر من عائلة ونزيل، بينهم عائلة عراقية من تلك العوائل التي هجرت قسراً إلى إيران قبل بدء الحرب العراقية – الإيرانية، في الطريق مات رب العائلة بجلطة قلبية. استقر يحيى في غرفة صغيرة بانتظار أنجاز وثيقة تؤهلة عبور الحدود الإيرانية إلى افغانستان. وفي أولى جولاته بطهران، استفزه سلوك النظام الإيراني، حين أجبروا الشخصية الشيوعية الإيرانية وحبيس سجن "إيفين" المروع، إحسان طبري، ليمتهنوا كرامته، ليتحدث لسامعيه، عن سوءات الفكر الشيوعي والأخطاء التي ارتكبها، إنها محنة المناضلين في مثل هذه النظم المستبدة. في هذا السجن الموحش، قضى فيه، أحد رفاقنا الأنصار، سنوات عدة، تعرض فيها إلى أبشع صور التعذيب الوحشي الإرهاب النفسي والجسدي، وصمد وتحدى النظام وجلاوزته. وقد سجلت مذكرات الرفيق رحيم الشيخ علي (واسمه الحركي حيدر فيلي) في كتاب أصدره الكاتب عبد الرحمن منيف بعنوان " الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى)، والغريب أن كاتب الرواية لم يذكر فيه حتى اسم كاتب المذكرات حيدر أو يشير إلى إنها أخذت من تسجيلاته!!     
كانت الحرب العراقة الإيرانية ما زالت مستمرة، وكان القصف المتبادل ضد سكان المدن وبعيداً عن جبهات القتال غير منقطع. تجمع الناس في ساحة الأمام الحسين بطهران ليعبروا عن احتجاجهم ضد هذا القصف العشوائي الجنوني. كتب يحيى علوان وهو المشاهد لهذا التجمع "...بلغت حماسة الجمهور واحدة من ذراها بإخراج "مسرحي" مؤثر، عندما اعتلى المنصة بعض ذوي الضحايا.. من بينهم عجوزٌ، مقوسة الظهر .. لم تبكِ ولم تولول!.. كانت كسيرة الخاطر...، كانت تحمل رضيعاً بقماطه، رفعت رأسها إلى السماء وصاحت: لا اعتراض على أمرك.. أخذت أمه واباه، لماذا لم تأخذه كذلك، مع اشقائه الأربعة .. من أين لي أن أرضعه؟!.. ثم كشفت عن ثديين سائحين مثل عجينة ممطوطة، أمن هذين الثديين الجلد؟..." (ص 156). لقد كان المنظر عصياً على التحمل.. هاج الناس وماجو.. هكذا هي حروب الحكام، هكذا دائماً كانت، وهكذا كان الأبرياء والضعفاء وقودها!         
 من بعيد وفي زحمة شديدة التقت عينا يحيى بعيني سيدة الباص، التي دغدغته ولم تودعه، ولو بنظرة خاطفة. ثم غابت عنه.. كتب يحيى "فجأة التقت نظراتنا، مستني بابتسامةِ من كرنفال عيونها الرمادية المائلة إلى الزرقة.. رَفَّ القلب كنطيط أرنب مفزوع.. ارتبك النبض. حاولت أن أصرخ بيد أن خرساً شل لساني وما عرفت كيف أناديها..". (ص 156).
في حسرة على  ضياع ما كان في أمس الحاجة إليه، قرر نسف أسبوعيته الشحيحة في اقتناء الخمرة، وليكن بعدها الطوفان، فاليوم خمر وغداً أمر، على حد قول امرؤ القيس. منعت السلطات الإيرانية الخمرة، فانتشرت الخمور في كل أرجاء إيران، ولاسيما طهران، وأكثر من أي وقت مضى، حتى في فترة حكم الشاه حيث كانت مباحة. فاليوم، يصل الراغب فيها متى يشاء، بأنواع شتى وبأسعار أعلى، يستفيد منها من يمتلك السلطة ليتاجر بها عبر وسطاء ويكدس الأرباح. وهكذا، حين حُرَّم البغاء، ازداد الجنس واتسعت دائرة ممارسته "المحرمة!" في إيران، وابتدعت أساليب جديدة، بما في ذلك زواج المتعة!! في أحد الأيام كنت مع الرفيق ابي علاء في سيارة تاكسي بطهران.. استفسر السائق بفضول عن هويتنا، قلنا له سوريون.. نظر إلينا بالمرآة وقال بجسارة بالغة: هل تريدان مزاولة الجنس.. يمكنكما الحصول على بنات جميلات باكرات بعمر الزهور لا يزدن عن 16 و17 سنة، فهل ترغبان؟!.. قلنا له، كلا.. شكراً على العرض.. لسنا بحاجة.. لم يقطع الأمل، قال تخسران شيئاً جميلاً، أنهن من بنات الملالي، لم تر الشمس فر...!! رجوناه أن يتوقف، فسكت عن الكلام غير المباح!
كتب يحيى علوان بفرحة غامرة: اليوم تسلمت مخصصاتي الأسبوعية، وقررت أن أذهب إلى چاراه مولوي لأشتري كيس لبن.. جهزت المازة وغسلت صحنين ليكونا جاهزين لأطباق شهية، وأشعلت شمعة كي تكتمل مراسيم سهرة تنقصها امرأة طالما حاولت استدراجها لكنها كانت تتمنع بغنج معجون بخبث لئيم!..". ورغم الخمرة كانت الوحدة موحشةً..       
لم يبخل في التفتيش عن سيدة الباص، يجوب شوارع وأزقة طهران، وكان له ما أراد.. التقيا ثانية بعد أيام وعلى غير موعدٍ، عند مفترق طرق، لم ينتظر أن يفقدها هذه المرة، لحق بها امتدت يده ليمسك بيدها بقوة، وبجرأة ما عهدها فيه، أخذها معه، بين استحياء وتمنع خفيف ورغبة في السير معه، رغم الخشية من عيون شرطة "الآداب" الوقحة، التي تتجول في طهران في كل مكان، لتمسك من تعتقد أنه ليس زوجها أو أخيها! كتب يحيى: "كنت عند الإشارة الضوئية للعبور، لمَّا لاحت لي في الجانب الآخر من الشارع، أحسست بما يشبه صعقةً كهربائية، بعثرتني، فلم أدرِ ما فعلت.. كانت تلف نفسها بإزار حريري أسود، تمسك به أسفل الصدر بطريقة مغرية كعادة صبايا طهران.. تسمرت في مكانها، عندما رأتني أحدّقُ إليها... ركلت التردد وكل كوكتيل الخوف والخجل، حصل لدي قطعٌ!.. لم أعد أفكر في نتائج فعلتي.. تَعَشَقتْ أصابع أيدينا، بعد أن تلعثمت في البداية..". (ص 158). حين وصلا الدار تمنعت، ولكن.. كان بحزمه جاداً وصادقاً، فاستجابت.. فصعدا السلم، ودخلا الغرفة، بعيداً عن فضول عيون نزلاء الدار.. فكان الحب المشبوب.. "كنا شبحين وسط عتمة حطَّت سريعاً، ولمَّا حاولت أن أدير مفتاح الضوء، أشارت بإصبعها أن أترك ذلك.. آملةً أن تخفف الظلمة من حرج قد يعتريها وهي تقشر نفسها أمام عين غريبة". (ص 160). ويتساءل يحيى مع نفسه: ما سرُّ وجعي بكِ، يا امرأة؟!. وهل كان يحيى يحتاج إلى مثل هذا السؤال أو جواب عنه..، بعد ست سنوات من اليباب والتصومع!..       
يصف يحيى لياليه الثلاث بجمالية رفيعة وأدب رشيق ولغة الغزل المباح، وكأننا في إحدى ليالي ألف ليلة وليلة المليئة بالعشق والوله بين جسدين مشبوبين. كتب عاشقنا الحزين في مسرة نادرة "أمسكت كتفيها، لأردع جسدي، كي يكف عن فضح ضعفي.. فإذا بجسدها، هو الآخر قد تصلب وراح يختضُّ، شفتها السفلى ترتجف، كأنها تتمنع.. مررت بأناملي فوق رمانتيها، رق لحمها، فانحل جسدها.. جسدان مرتبكان، يستظلان أحدهما بالآخر.. تضاءلت الخيارات بعد أن زال "الحجاب"، الذي كنا "نسترذل" تحته حاجات الجسد ونعرض عنه". يصف يحيى ليلاه "أرخت يديها من حولي كأنها تريد أن تعبَّ مزيداً من الهواء في صدر اعتصرته بقوة لا شعورية، فانفلت نهدان مذعوران، يبحثان عن دفيئة يلوذان بها.." (ص 163) أما عن نفسه فيقول: "ضممتها إلىَّ، كان عطرها ثرثاراً.. رحت أتهجى كل تفصيل فيها، لم تبد ممانعة.. أحسست بأنفاسها تلفح وجهي، وبتموجات تنبع من مغارات اللذة.. عندما أسندت رأسها على كتفي، تريدُ أن تنوش بلسانها شحمة أذني! غرقت في طوفان مدوخ من خليط عطور....، أمسيت فاغر الفاه.. هرب صوتي وحل صمت يحاور كلمات لم أتفوه بها..". (ص 163) لقد قطف يحيى ثماراً محرمة.. ما أحلاها..
لقد اقترن الحب بالمداعبة والشقاوة المحببة، لقد أسكره الحب دون خمرة. كان الحب خمرة الحياة! إذ بدونه لا حياة.. لم ينعم برحلة الحب الجميلة سوى أيام ثلاثة، أجبر بعدها على شد الرحال، إلى مدينة زاهدان في طريقه إلى أفغانستان. فماذا واجه في هذه الرحلة وكيف عاشها وكيف وصل إلى برلين؟ هذه كلها سأتطرق إليه وبكثافة شديدة في الحلقة الخامسة والأخيرة من هذا الاستعراض المكثف لكتاب يحيى علوان الشيق فشكراً له على هذه المتعة التي وفرها لي لقراءة كتابه..